| القسم الإسلامي العام يجب تحري الدقة والبعد عن الأحاديث الضعيفة والموضوعة |
آخر 20 مشاركات
|
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | أنواع عرض الموضوع |
|
|
|
رقم المشاركة :1 (رابط المشاركة)
|
|||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||
|
القاعدة الرابعة: معرفة مراتب إنكار المنكر : عن أبي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ » صحيح مسلم المرتبة الأولى: تغيير المنكر باليد .. وهي أقوى مراتب الإنكار وأعلاها ، وذلك كإراقة الخمر ، وكسر الأصنام المعبودة من دون الله ، ومنع من أراد الشر بالناس وظلمهم من تنفيذ مراده ، وكإلزام الناس بالصلاة ، وبحكم الله الواجب اتباعه ونحو ذلك . وذلك لمن كان له ولاية على مرتكب المنكر كالسلطان أو من ينيبه عنه من موظفيه، كل بحسب اختصاصه وكذا المسلم مع أهله وولده ، يلزمهم بأمر الله ، ويمنعهم مما حرم الله ، باليد إذا لم ينفع فيهم الكلام يقوم بهذا حسب الوسع والطاق. والأدلة على ذلك كثيرة من القرآن أو السنة، كما فعل إبراهيم عليه السلام مع أصنام قومه بعد أن أقسم أمامهم في يوم عيدهم بالكيد لها، وكما فعل موسى عليه السلام عندما حرق عجل السامري ونسفه في اليم، وكما فعل النبي صلى الله عليه وسلم عندما حطم الأصنام التي كانت حول الكعبة يوم الفتح. ونكتفي هنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: « وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ وَيَفِيضَ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ » صحيح البخاري وكلها أدلة تدل على تغيير المنكر باليد، غير أن التغيير للمنكر باليد لا يصلح لكل أحد وفي كل منكر ، لأن ذلك يجر من المفاسد والإضرار الشئ الكثير ، وإنما يكون ذلك لولي الأمر أو من ينيبه من الذين نصبهم للقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو كالرجل في بيته يغير على أولاده ، وعلى زوجته وعلى خدمه ، فهؤلاء يغيرون بأيديهم بالطريقة الحكيمة المشروعة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مختصر الفتاوى المصرية: "وليس لأحد أن يزيل المنكر بما هو أنكر منه، مثل أن يقوم واحد من الناس يريد أن يقطع يد السارق ويجلد الشارب ، ويقيم الحدود، لأنه لو فعل ذلك لأفضى إلى الهرج والفساد ، لأن كل واحد يضرب غيره ويدعي أنه استحق ذلك ، فهذا ينبغي أن يقتصر فيه على ولي الأمر " . المرتبة الثانية: تغيير المنكر باللسان .. وله أربع خطوات: الخطوة الأولى: التعريف باللين واللطف . هذه الخطوة تتعلق بالجاهل بالحكم الشرعي، وتكون بأن يُعَرَّفَ مرتكب المنكر -إما بالإشارة أو التعريض حسب الموقف- بأن هذا العمل لا ينبغي، ويكون ذلك برفق ولين وتأليف قلب واستمالة للحق، حتى يُقبل ولا يُدبر، وحتى يحصل التعريف بغير إيذاء، قال صلى الله عليه وسلم: « إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لاَ يُعْطِى عَلَى الْعُنْفِ وَمَا لاَ يُعْطِى عَلَى مَا سِوَاهُ » صحيح مسلم فالآمر بالمعروف والناهي عن المنكر الموفق هو الذي يتحرى الرفق والعبارات المناسبة، والألفاظ الطيبة عندما يعظ وينصح الناس، وهذا أدعى إلى أن تُقبل النصيحة، قال تعالى: { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } [النحل-125] . الخطوة الثانية : النهي بالوعظ والنصح والتخويف من الله تعالى . وهذه الخطوة تتعلق غالبا في مرتكب المنكر العارف بحكمه في الشرع، وهذا يُستعملُ معه أسلوب الوعظ والنصح والتخويف من الله تعالى، ويذكر له بعض النصوص من القرآن والسنة المشتملة على الترغيب والترهيب والوعد والوعيد، كما يذكر له بعض أقوال السلف في ذلك -ويكون أيضا بأسلوب الحكمة والموعظة الحسنة-، حتى لو كان عارفا لهذه النصوص فلها تأثيرها ، لأن ذلك من قبل التذكرة، والذكرى تنفع المؤمنين. الخطوة الثالثة: الغلظة بالقول . وهذه الخطوة يلجأ إليها المُنكر بعد عدم جدوى أسلوب اللطف واللين ، فحينئذ يغلظ له القول ويزجره، ولا ينطق إلا بالصدق، ولا يطيل لسانه -فضلا عن يديه- بما لا يحتاج إليه. الخطوة الرابعة : التهديد والتخويف . وهذه الخطوة هي آخر المحاولات في النهي باللسان، ويعقبها بعد ذلك إيقاع الفعل، كأن يقال لمرتكب المنكر: إن لم تنته عن هذا الفعل لأفعلنَّ بك كذا وكذا، أو لأخبرنَّ ولي الأمر، ولكن ينبغي أن يكون هذا التهديد والتخويف في حدود المعقول عقلاً وشرعا، حتى يعرف المنكَر عليه أنَّ المنكِر صادق في تهديده. المرتبة الثالثة: تغيير المنكر بالقلب .. إذا عجز المؤمن عن الإنكار باليد واللسان انتهى إلى الإنكار بالقلب، فيكره المنكر بقلبه ويبغضه ويبغض أهله، وهذا الواجب لا يسقط عن المؤمن بوجه من الوجوه ، إذ لا عذر يمنعه ولا شئ يحول بينه وبينه ، وليس هناك شيء من التغيير ما هو أقل منه ، كما جاء في الحديث « وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمانِ » . عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ، عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلاَ تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ، وَالآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا لاَ يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلاَ يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إِلاَّ مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ » صحيح مسلم وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: " ميت الأحياء هو الذي لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا " . قال ابن رجب رحمه الله: " من لم ينكر المنكر بقلبه دل على ذهاب الإيمان من قلبه " . *فائدة: من لم يستطع تغيير المنكر بيده ولا بلسانه، فعليه إنكاره بقلبه، كما عليه هجر المنكر وأهله، قال تعالى: {رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} [الأنعام-68] ، وقال عز وجل: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ} [النساء-140] ، قال السعدي رحمه الله: " وكذلك يدخل فيه حضور مجالس المعاصي والفسوق التي يُستهان فيها بأوامر الله ونواهيه ، وتقتحم حدوده التي حدها لعباده " . القاعدة الخامسة: تقديم الأهم على المهم : وذلك بأن يبدأ الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر بإصلاح أصول العقيدة ، فيأمر بالتوحيد وإخلاص العبادة لله وحده ، وينهى عن الشرك والبدع والشعوذة، ثم يأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ، ثم بقية الفرائض وترك المحرمات ، ثم أداء السنن وترك المكروهات . والتوحيد هو أهم ما يُؤمر به، والشرك هو أهم ما يُنهى عنه، والبدء بالدعوة إلى التوحيد وإخلاص العبادة لله عز وجل هو منهج الرسل جميعا ، كما قال تعالى: { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ } [النحل-36] ، وقال عز وجل: { وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ } [الزخرف-45] وقد تكررت مقولة الأنبياء عليهم السلام: { يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ } ثمانِ مرات ، في الآيات 59 ، 65 ، 73 ، 85 من سورة الأعراف. وفي الآيات 50 ، 61 ، 84 من سورة هود. وفي الآية 73 من سورة المؤمنون. ولقد سار خاتم المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم على نهج إخوته المرسلين عليهم السلام -وهو النهج الذي شرعه الله للأمم جميعًا ووصى رسله جميعًا بتبليغه-، فقد بدأ بما بدأوا، وانطلق من حيث انطلقوا، قال تعالى: { قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(162)لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ(163) } الأنعام ولما بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - معاذا إلى اليمن قال له : « إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ فَإِذَا جِئْتَهُمْ فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ...الحديث » صحيح البخاري قال ابن حجر رحمه الله في الفتح: " بدأ بالأهم فالمهم ، وذلك من التلطف في الخطاب ، لأنه لو طالبهم بالجميع في أول مرة لم يأمن النفرة " . إذن نفهم من ذلك أن الاهتمام بأمور العقيدة يجب أن ينال الأولوية في الدعوة إلى الله عز وجل، ثم الأهم فالمهم. للمزيد من مواضيعي
الموضوع الأصلي :
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
-||-
المصدر :
مُنتَدَيَاتُ كَلِمَةٍ سَوَاءِ الدَّعَويِّة
-||-
الكاتب :
خادم المسلمين
|
|||||||||||||||||||||
|
رقم المشاركة :2 (رابط المشاركة)
|
|||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||
|
القاعدة السادسة : اعتبار تحصيل المصالح وتكميلها، ودرء المفاسد وتعطيلها أو تقليلها : - درء المفاسد مقدم على تحصيل المصالح - وهي قاعدة مهمة جدا في مجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي تكميلية لسابقتها -وهي البدء بالأهم فالمهم-، فالداعي إلى الله يهتم أول ما يهتم بجانب العقيدة، يبينها ويصححها وينقيها من الشوائب، ثم يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويحض عليهما، واضعًا في اعتباره مبدأ المصالح والمفاسد -والذي يندرج تحت بند الأهم فالمهم-، فينظر إلى ما تقتضيه المصلحة العامة ويقدمه على غيره، وهكذا. والأدلة على ذلك كثيرة .. أولا: من القرآن الكريم: 1- قال تعالى: { وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ...الآية } إلى قوله تعالى: { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ...الآية } [البقرة-191، 192] ، فالقتال في سبيل الله تعالى يحقق مصلحة عظيمة وهي إعلاء كلمة الله تعالى ، وإذلال الشرك وأهله ، وفيه مفسدة إزهاق الأرواح ، إلا إن المصلحة في بقاء الدين وإعلاء التوحيد وإذلال الشرك ورفع الفتنة لا تقاومها المضرة في إزهاق الأرواح ، كما أن حفظ الدين مقدم على حفظ النفوس . 2- قال تعالى: { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا } [البقرة-219] ، فالخمر بنص الآية فيها بعض المنافع للناس، ولكن الإثم المترتب أكبر من النفع المتحصل، فشارب الخمر يترك العبادة ، ويتعدى على الآخرين بالضرب والشتم والقتل وغير ذلك، وهذه المفاسد العظيمة لا تقاومها أي مصلحة أو منفعة. ثانيا: من السنة النبوية: 1- ما رواه البخاري رحمه الله في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها : « يَا عَائِشَةُ لَوْلَا قَوْمُكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ بِكُفْرٍ لَنَقَضْتُ الْكَعْبَةَ فَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ بَابٌ يَدْخُلُ النَّاسُ وَبَابٌ يَخْرُجُونَ » ، وقد ترجم الإمام البخاري رحمه الله لهذا الحديث بقوله: " بابُ من ترك بعض الاختيار مخافة أن يَقْصُرَ فهمُ بعض الناس عنه فيقعوا في أشدَّ منه " ، قال ابن حجر رحمه الله في الفتح: " وفي الحديث معنى ما ترجم له لأن قريشا كانت تعظم أمر الكعبة جدا ، فخشيَ صلى الله عليه وسلم أن يظنوا لأجل قرب عهدهم بالإسلام أنه غيّر بناءها لينفرد بالفخر عليهم في ذلك ، ويُستفاد منه ترك المصلحة لأمن الوقوع في المفسدة ، ومنه ترك إنكار المنكر خشية الوقوع في أنكر منه " . 2-ما رواه البخاري رحمه الله -بابُ من خَصَّ بالعلم قومًا دونَ قومٍ كراهيةَ أن لا يفهموا- عن عليٍّ رضي الله عنه أنه قال: " حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ " ، قال ابن حجر رحمه الله: " وفيه دليل على أن المتشابه لا ينبغي أن يُذكر عند العامة ". والمُلاحِظُ يجد أن الحديث التالي في نفس الباب في صحيح البخاري يؤيد ذلك، فعن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُعاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ قَالَ: « يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ، قَالَ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ يَا مُعَاذُ قَالَ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، ثَلَاثًا، قَالَ: مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ، قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا، قَالَ إِذًا يَتَّكِلُوا » وَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا " ، قال ابن حجر رحمه الله: " فكان النهي للمصلحة لا للتحريم " . ثالثا: من أقوال السلف: 1- قال شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله: "إذا تعارضت المصالح والمفاسد، والحسنات والسيئات ، أو تزاحمت فإنه يجب ترجيح الراجح منها ، فيما إذا ازدحمت المصالح والمفاسد ، وتعارضت المصالح والمفاسد ، فإن الأمر والنهي وإن كان متضمنا لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة ، فينظر في المعارض له ، فإن كان الذي يفوت من المصالح، أو يحصل من المفاسد أكثر لم يكن مأمورا به ، بل يكون محرما إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته ، لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة ، فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها ، وإلا اجتهد برأيه لمعرفة الأشباه والنظائر، وقلَّ أن تعوز النصوص من يكون خبيرا بها وبدلالتها على الأحكام ، وعلى هذا إذا كان الشخص أو الطائفة جامعين بين معروف ومنكر بحيث لا يفرقون بينهما ، بل إما أن يفعلوهما جميعا ، أو يتركوهما جميعا ، لم يجز أن يؤمروا بمعروف ، ولا أن ينهوا عن منكر، بل ينظر ، فإن كان المعروف أكثر أمر به ، وإن استلزم ما هو دونه من المنكر، ولم ينه عن منكر يستلزم تفويت معروف أعظم منه ، بل يكون النهي حينئذ من باب الصد عن سبيل الله والسعي في زوال طاعته وطاعة رسوله ، وزوال فعل الحسنات، وإن كان المنكر أغلب نهى عنه ، وإن استلزم فوات ما هو دونه من المعروف ، ويكون الأمر بذلك المعروف المستلزم للمنكر الزائد عليه أمرا بمنكر ، وسعيا في معصية الله ورسوله ، وإن تكافأ المعروف والمنكر المتلازمان لم يؤمر بهما ولم ينه عنهما ، فتارة يصلح الأمر ، وتارة يصلح النهي ، وتارة لا يصلح لا أمر ولا نهي ، حيث كان المعروف والمنكر متلازمين ، وذلك في الأمور المعينة الواقعة" .اهـ. مجموع الفتاوى . 2- قال ابن القيم رحمه الله: " إن النبي صلى الله عليه وسلم شرع لأمته إيجاب إنكار المنكر ليحصل بإنكاره من المعروف ما يحبه الله ورسوله ، فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله فإنه لا يسوغ إنكاره ، وإن كان الله يبغضه ويمقت أهله ، ومن تأمل ما جرى على الإسلام في الفتن الكبار والصغار رآها من إضاعة هذا الأصل ، وعدم الصبر على منكر ، فطلب إزالته فتولد منه ما هو أكبر منه، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى بمكة أكبر المنكرات ولا يستطيع تغييرها ، بل لما فتح الله مكة وصارت دار إسلام عَزَمَ على تغيير البيت ورده على قواعد إبراهيم ، ومنَعه من ذلك - مع قدرته عليه - خشية وقوع ما هو أعظم منه من عدم احتمال قريش لذلك لقرب عهدهم بالإسلام وكونهم حديثي عهد بكفر " .اهـ. إعلام الموقعين . ومن خلال ما تقدم من الآيات الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة وأقوال العلماء الأجلاء ، يتبين لنا أن الشريعة الإسلامية جاءت باعتبار المصالح ودرء المفاسد ، فلا يجوز تغيير المنكر بمنكر أشد منه ، أو مثله ، فعلى الدعاة إلى الله أن يتنبهوا إلى هذه القاعدة عند أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر ، ولا يخفى أن هذا الباب مزلة أقدام ، وكثيرا ما يقع فيه الاختلاف والاشتباه ، وتختلط فيه النزعات الشخصية بالاجتهادات الفقهية ، والمعصوم من عصمه الله عز وجل ، ولا مخرج من هذه الفتن إلا بالتمسك بالكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم ، ولزوم جماعة المسلمين وإمامهم ، والأخذ بما يقرره أهل العلم الربانيون الموثوق بهم والاجتماع خير من الفرقة. القاعدة السابعة : التثبت في الأمور وعدم العجلة : على الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر الداعي إلى الله تعالى التأكدُ من كل أمر والتثبت بشأنه، وعدم التسرع والعجلة، والتزام الحرص على الأناة، فإن في ذلك من الخير ما لا يحصى، وهو مما لا بد منه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي دعوة الناس إلى الخير. والتبين والتثبت صفة من صفات أهل اليقين من المؤمنين ، يقول الإمام الطبري رحمه الله في تفسير قوله تعالى { قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } [البقرة-118] : " وخص الله بذلك القوم الذين يوقنون ، لأنهم أهل التثبت في الأمور، والطالبون معرفة حقائق الأشياء على يقين وصحة ، فأخبر الله جل ثناؤه أنه بين لمن كانت هذه الصفة صفته ما بين من ذلك ، ليزول شكه ، ويعلم حقيقة الأمر ". وقد ذم الإسلام الاستعجال ونهى عنه، ومدح الأناة والتثبت فيها، قال تعالى: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ } [الحجرات-6] ، والدعاة إلى الله تعالى أولى الناس بامتثال أمر الله عز وجل بالتأني والتثبت من الأقوال والأفعال، والاستيثاق الجيد من مصدرها قبل الحكم عليها. والواقع المشاهَد أن عدم التثبت وعدم التأني يؤديان إلى كثير من الأضرار والمفاسد في المجتمع، قال تعالى: { وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا } [الإسراء-11] . ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم متثبتًا متبينًا في الأمور كلها، فكان صلى الله عليه وسلم لا يقاتل أحدا من الكفار إلا بعد التأكد بأنهم لا يقيمون شعائر الإسلام، فقد روى البخاري رحمه الله عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم "كَانَ إِذَا غَزَا بِنَا قَوْمًا لَمْ يَكُنْ يَغْزُو بِنَا حَتَّى يُصْبِحَ وَيَنْظُرَ فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا كَفَّ عَنْهُمْ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا أَغَارَ عَلَيْهِمْ" ، ومن تعليمه وتربيته لأصحابه -صلى الله عليه وسلم- على الأناة وعدم العجلة أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَلاَ تَأْتُوهَا تَسْعَوْنَ وَأْتُوهَا تَمْشُونَ وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا » صحيح مسلم ؛ ومن فقه قصة الخضر مع موسى عليه السلام، ومن قصة الهدهد مع سليمان عليه السلام ومن غيرهما من التوجيهات القرآنية والنبوية، استنبط العلماء أحكامًا من التثبت والتروي والاستخبار قبل الإنكار. وبهذا يتبين لنا أنه ينبغي للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر الداعي إلى الله تعالى على بصيرة وحكمة أن يتثبت ويتأنى في الأمور ، وأن ينظر إلى المصالح العامة ، وما يترتب على الكلمة التي يقولها من عواقب ، وأن يحترم علماءه، ويسمع لكلامهم ويأخذ بتوجيهاتهم ، ويطيع ولاة أمره في غير معصية، وليعلم الداعي إلى الله أن التسرع والعجلة وعدم النظر قي العواقب يسبب الفشل والندامة له ولدعوته . *فائدة: العجلة المذمومة هي ما كان في غير طاعة الله تعالى ؛ أما المسارعة في عمل الآخرة بالضوابط الشرعية التي شرعها الله تعالى فإنها غير داخلة في ذلك، قال تعالى: { إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ } [الأنبياء-90]، وقال موسى عليه السلام: { وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى } [طه-84]. نخلص من ذلك كله إلى أن المستقَىٰ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يكون إلا مما جاء في كتاب الله تعالى أو في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم على فهم سلفنا الصالح رضي الله تعالى عنهم ، ولعل في ذلك بيان وجه الصواب لمن يرغب أن يكون من الأمة المفلحة ، وأن يكون من أتباع الرسول صلى الله عليه وسلم ، لأن أتباع الرسول صلى الله عليه وسلم هم الدعاة إلى الله تعالى على بصيرة. وفي الختام: أسالُ اللهَ العليَّ القديرَ أن يجعَلَهُ زادًا إلى حُسْنِ المصيرِ إليه، وعَتادًا إلى يُمْنِ القدومِ عليه، إنه بكلِّ جميلٍ كفيل، هُوَ حَسْبُنا ونِعْمَ الوكيل وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين
المزيد من مواضيعي
|
|||||||||||||||||||||
![]() |
| العلامات المرجعية |
| الكلمات الدلالية |
| والهند, الأمر, المنكر, بالمعروف |
| الذين يشاهدون هذا الموضوع الآن : 1 ( 0من الأعضاء 1 من الزوار ) | |
|
|
الموضوعات المتماثلة
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | ردود | آخر مشاركة |
| وجوب تحري الأمر | خادم المسلمين | القسم الإسلامي العام | 1 | 23.07.2010 22:08 |
| الصين لنا ، والعرب لنا ---- والهند لنا ، والكل لنا | مهندس محمد | أقسام اللغة العربية و فنون الأدب | 1 | 19.04.2010 19:49 |
| لفظ الأمر في القرآن | Just asking | القرآن الكـريــم و علـومـه | 2 | 05.08.2009 12:50 |
| السمع والطاعة لأولي الأمر | خادم المسلمين | القسم الإسلامي العام | 2 | 12.04.2009 09:51 |