القسم الإسلامي العام يجب تحري الدقة والبعد عن الأحاديث الضعيفة والموضوعة

آخر 20 مشاركات
أريد كتاب (الكاتـب : ساهر ساهر - )           »          لماذا لا يكون القرآن من تأليف محمد صلى الله عليه وسلم؟ (الكاتـب : د. نيو - )           »          فيديو: محاضرات المهندس ايمن عبد الرحيم (تكوين وعى المسلم المعاصر) رووووعه (الكاتـب : د. نيو - )           »          حتى نفهم زواج سيد الثقلين بعائشة...للدكتور حسام الدين حامد (الكاتـب : د. نيو - )           »          فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ... (الكاتـب : * إسلامي عزّي * - )           »          Sophie Pétronin en fin libre (الكاتـب : * إسلامي عزّي * - )           »          أنا مسلمة وإسمي مريم (الكاتـب : * إسلامي عزّي * - )           »          وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن... (الكاتـب : * إسلامي عزّي * - )           »          أسألكم الدعاء لأخت لكم توفيت حديثا (الكاتـب : * إسلامي عزّي * - )           »          الرد على أنَّ القرآن لم ينفي القتل و الصلب للمسيح (الكاتـب : الشهاب الثاقب - )           »          الاندبندنت: اسرائيل تقوم بتسليح الجيش البورمى ضد مسلمى الروهينجا.!!! (الكاتـب : د. نيو - )           »          صفع المخبول الذى طعن فى نسب الرسول...فى 20 ثانيه ففقط لا غير (الكاتـب : د. نيو - )           »          مفاجأه : الأدمن المسيحيه (دانا) تفاجئ غرفه مسيحيه وتعلن إسلامها على الهواء فى الغرفه (الكاتـب : د. نيو - )           »          موثق: قطع الرؤوس فى المسيحية بين الدليل الكتابى و الواقع التاريخى (الكاتـب : د. نيو - )           »          نصراني يسأل و المنتدى يجيب (الكاتـب : * إسلامي عزّي * - )           »          Doaa (prayer) of Abraham PBUH (الكاتـب : * إسلامي عزّي * - )           »          لَّقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن... (الكاتـب : * إسلامي عزّي * - )           »          معجزات كنيسة مغارة الحليب في بيت لحم (الكاتـب : * إسلامي عزّي * - )           »          قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُل لِّلَّه (الكاتـب : * إسلامي عزّي * - )           »          دعواتكم لأخيكم بالرحمة و المغفرة (الكاتـب : * إسلامي عزّي * - )

حوارات الإسلاميين وآفات التواصل

القسم الإسلامي العام


رد
 
أدوات الموضوع أنواع عرض الموضوع
   
  رقم المشاركة :1  (رابط المشاركة)
قديم 19.07.2010, 00:20
صور queshta الرمزية

queshta

عضو

______________

queshta غير موجود

الملف الشخصي
التسجيـــــل: 03.11.2009
الجــــنـــــس: ذكر
الــديــــانــة: الإسلام
المشاركات: 1.770  [ عرض ]
آخــــر نــشــاط
27.05.2013 (01:23)
تم شكره 2 مرة في 2 مشاركة
افتراضي حوارات الإسلاميين وآفات التواصل


كتبه/ علاء الدين عبد الهادي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فلا يخفى على أحد ما تعيشه أمتنا الحبيبة من حال تفرق وضعف، في الوقت الذي يأمرنا فيه ربنا بعكس ذلك حيث يقول -سبحانه-: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا) (آل عمران: 103).
وكم فينا ممن يصر بجهل وعناد على التشرذم والتنازع، بينما يحذرنا ربنا من مغبة ذلك من فشل وخسران: (حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآَخِرَةَ) (آل عمران:152)؟!
ويأبى أكثرنا إلا أن نكون أممًا شتى متناحرة متنافسة، والله -سبحانه- نبَّهنا على كوننا أمة واحدة إذ يقول: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أمة وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) (الأنبياء:92)، ولئن كان هذا هو وصف حال الأمة -وهو مؤلم بلا شك- إلا أن هذا الألم يزداد حدة حينما يتعلق الأمر بالصحوة الإسلامية المباركة؛ إذ أبناؤها هم أمل الأمة وعمادها وذخرها في مواجهة أعدائها، والصف المحارب فيها؛ فكيف يقعون في هذه المهاوي؟!
إن أبناء الصحوة يتحملون مسئولية عظيمة تجاه أمتهم، وعليهم أن يكونوا هم المثل والقدوة والسباقين في أبواب الخير كلها وكل ما ينفع أمتهم ويرقيها، ولكن القلب يكاد أن ينفطر وقد شاهد هذا التفرق والنزاع وقد أصاب الأمة في أبناء صحوتها حتى أصبحوا وقد شغلوا -ولا حول ولا قوة إلا بالله- بأنفسهم، وبالكثير من الحروب المستنزِفة لطاقتهم والتي تهدد الصف الإسلامي من الداخل، وإن لم تهدمه فإنها تفشله وتعطله عن بلوغ غايات المجد، فكم كثرت الفرق والأهواء والمذاهب والأفكار، ووجدنا أنفسنا ونحن ننسى كل شيء إلا معاركنا وتصفية حساباتنا مع أبناء جلدتنا وبني صحوتنا، حتى صارت لدينا القدرة العجيبة لتحويل بعض المسائل الدقيقة إلى حجر أساس تبنى عليه دعوة جديدة تشق الصف، ومنهج يتمايز به أصحابه ويزعم أنه الحق الذي لا مرية فيه، وأن كل من عداه فهو على باطل وضلال، وإن أتى صاحبه بكل خير وفضيلة؛ حيث لم يتسم باسمنا، ولم ير رأينا، ولم يكن في صفنا حربًا على غيرنا!
ولعل المخرج من هذا المأزق يتمثل في إخلاص النية لله في طلب الحق مجردًا عن حظوظ النفس، والالتفاف حول العلماء الربانيين، مع النصح الخالص للمخالف، ومحاورته ومجادلته بالتي هي أحسن؛ حتى لا ينزغ الشيطان بين أبناء الأمة الواقفين على ثغورها.
وهذه الأخيرة -الحوار الحكيم- هي موضوع هذا المقال ومبتغاه؛ حيث نعرض فيه لبعض المزالق التي تعتري ما يحدث بين أبناء الأمة من محاورات ومجادلات، فهو يجمع أخطاءً شائعة تمثل آفات حقيقية تحُول دون التواصل الجيد بين أبناء الدين الواحد واللغة الواحدة والهم الواحد، هذا التواصل المنشود هو خطوة على طريق طويل يمثل توحد الأمة خلف إمامها المبين -القرآن والسنة- بالفَهم الذي أراده الله وارتضاه لنا -سبحانه-، وتوحد الأمة مطلب شرعي، والحوار وسيلته، ولكنه لن يحدث بالصورة المرجوة إلا إن تخلينا عن هذه المزالق المذكورة لاحقـًا وغيرها.
ونحن نعرض هنا هذه الآفات ناصحين لأنفسنا أولاً، ولإخواننا ثانيًا مهما اختلفت مشاربهم وأفكارهم ومعتقداتهم؛ علها تَلقى لدى الجميع القبول فيحذرون من الوقوع فيها هم أنفسهم، ويحذرون منها إخوانهم؛ فنصبح ونحن أقرب إلى الله، وأحب إلى عباد الله، وأرقى في حوارنا، وأقرب إلى مقصودنا.
حوار أم شجار؟
المتابع للإسلاميين بصفة عامة وعلى الإنترنت بصفة خاصة يجد لهم -بفضل الله- تواجدًا ملحوظـًا، وتأثيرًا لا ينكر، وأينما حللت وارتحلت في العالم الحقيقي أو العالم الافتراضي وجدتهم وقد ملئوا السهل والوادي بما تجود به قرائحهم: بكلمة مكتوبة أو مسموعة أو مرئية، لا سيما المجالات التفاعلية: كساحات الحوار مثلاً.
والمتقصي لحال ساحات الحوار هذه -خاصة المنتديات "الساخنة" منها والتي تكاد تنحصر بين أبناء الصحوة- قد يذهل من كم التوجهات المتضاربة، والردود المتتابعة المتداخلة، والموافقات والمخالفات والتشعبات، والسباب المقذع، والمديح المتهور، وطرح رؤى من أقصى اليمين تارة وأقصى اليسار تارة أخرى، ولعل هذا المتابع لهذا الخط الحواري بين المتحاورين يخلص إلى نتيجة واحدة في كل مرة، مفادها: "نحن لا نجيد التواصل".
لا نجيد الحوار.. فقط نجيد الشجار.. إلا من رحم الله.
النصر المظفر
العجيب في كل هذه المعارك خروج كافة الأطراف غارقين في دمائهم أثخنتهم الجراح، يظن كل طرف أنه المنتصر، وحتى النصر فليست له معايير واضحة، وغالبًا فالمنتصر في عرف الناس هو من يعلو صوته أكثر، ويجد من المؤيدين عددًا أكبر، لا تخطئ عيناك ولا أذناك هذه الظاهرة حتى في مجالس الناس ومجتمعاتهم؛ فيبدو أن هذا الخلل قد تسرب إلى أبناء الصحوة من الطريقة التي تربينا بها عمومًا في مجتمعاتنا العربية؛ حيث يقل التواصل الحكيم.
أقد فرغت يا أبا الوليد؟
وأول ما نحتاجه -أيها الأفاضل- هو أن نجيد الاستماع؛ فإن من يجيد السماع يُحسن المقال، استمع وفكر وتأمل قبل أن تعمِل قلمك في الجواب، أو لسانك بالنطق، فكم مرة رأيت مَن يتحاورون في قضية ما وهم لا يسمع بعضهم بعضًا، بل لعلهم في الأساس واقفون على نفس الجانب من المسألة، ويحملون نفس الفكرة! ولكن اختلفت ألفاظهم وتعبيراتهم؛ فظنوا أنْ قد اختلفت مواقفهم، ولو أجادوا الاستماع ابتداء ووعى كل منهما ما يريد صاحبه؛ لما أضاعوا أوقاتهم واستنفدوا طاقتهم، وربما حاك في الصدر شيء من الطرف الآخر؛ فإن الجدال المذموم يميت القلوب، ويثير الشقاق، ويفرق الصف، فكن على تؤدة وروية، وأرعِ سمعك، واعقل عن محاورك مقصوده، وانتظره حتى يفرغ ما في جعبته.
هذا ومن معاني الاستماع أيضًا ومن حسن المحاورة: تحديد هدف النقاش وإيضاح موضوعه وعدم الحيدة عنه؛ فكم يقع في كلامنا كثير من التشعب وتوليد المسائل الفرعية التي تغري المتحاورين وتجذبهم وتشتت أذهانهم، وبذلك تتعدد محاور النقاش، ثم تصير المحاور الفرعية هي أيضًا غرضًا جديدًا، وموضوعًا للنقاش، وهكذا دواليك، حتى يخيل للقارئ والسامع الذي يراقب المشهد من الخارج أن هؤلاء قومٌ لا يحسنون سماعًا ولا جوابًا، وأنى لهؤلاء أن يلتقوا؟!
سارت مشرقة وسرت مغربًا شتان بين مشرق ومغرب
الأصول أولاً
إن معرفتك لمحاورك ومنهجه تمكنك من معرفة المصادر التي ترجعان إليها سويًّا، وتستقيان منها موقفكما، وكما يحتج القانوني على القانوني بالقانون، واللغوي على اللغوي بكلام العرب؛ فاعرف أنت محدثك ومراجعكما التي تأويان إليها ويُرد إليها الخلاف، ولا شك أن أي مسلم مرجعه إلى الكتاب والسنة -أو هكذا ينبغي أن يكون- كما فهمها أهل القرون الخيرية من الصحابة الذين قال لهم ربنا: (فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا) (البقرة:137)، والقرون الخيرية التي قال فيها النبي -صلى الله عليه وسلم-: (خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) (متفق عليه)، ولكن في ظل حالة التيه التي نعيشها قد تكون محتاجًا إلى تأصيل هذا المعنى حتى تحدد دائرة الخلاف، ثم تتناقش فيها بعد ذلك، لا أن تندفع إلى محاورة لا مرجعية فيها ولا أساس، وفي كثير من الأحيان لا تنتهي النقاشات إلى شيء واضح؛ لأن كل طرف له مرجعيته الخاصة، والتي تختلف عن مرجعية محاوره.
ثم إن هناك قضايا كثيرة تتعلق بمقدمات قبلها؛ لذلك فتأكد أن هذه المقدمات قد اتفقتم عليها قبل أن توغل في الجدل فيما لا طائل فيه من تفريعات ونتائج، فمثلاً قبل أن تتناقش في تطبيقات قاعدة ما تأكد أن محاورك مقر بهذه القاعدة ابتداءً، وإلا فناقشه فيها أولاً، ثم فرِّع عليها ما تشاء، فلا يصح في الأذهان أن تتجشم عناء بناء جدران لم تجعل لها أسسًا واضحة قوية.
ومن ذلك أيضًا أن تكون تعريفاتكم للقضايا محل النقاش متفقة؛ حتى لا تدوروا في دائرة مفرغة؛ فقبل أن تهاجم ديمقراطيته مثلاً وضِّح له أنك تريد بها: "حكم الشعب بالشعب حتى لو لم يكن بشرع الله"، وأنها مختلفة عن مبدإ "الشورى" في الإسلام؛ بدلاً من أن تهاجم شيئًا هو في ذهنه مرادف للعدل وصلاح الحكم.
فاحرص -أيها اللبيب- على الأصول قبل الفروع، والمقدمات قبل النتائج، وإيضاح محل النقاش بجلاء، وقبل كل ذلك احرص على الاتفاق على المراجع التي فيها فصل الخطاب.
التهويل والتهوين
أحيانـًا نقع فريسة أحد شقي تطرف حينما نركز الخلاف ونعمقه حول قضية موغلة في الجزئية، إلا أننا نهول المسألة ونجعلها نقطة فيصلية عليها مدار الأمر كله، أو قد يكون الخلاف نظريًّا أو مِن باب تحصيل الحاصل، إلا أنها عند البعض علامة فارقة على طريق الهدى أو الضلال؛ بينما نهمل واجب الوقت وكل وقت من تصحيح مفاهيم التوحيد، والدعوة إلى الشريعة الغراء، وتعلم العلم، وتعليمه الناس، وتعبيدهم لله -تبارك وتعالى-، والانتباه لما يحيق بالأمة من مخاطر عظام.
وعلى النقيض قد يعمد أحدنا إلى قضية غاية في الخطورة تمس صلب الاعتقاد، ويهون شأن الخلاف فيها، ويتهم المخالف بالسطحية والافتعال وقلب سلم الأولويات؛ فاحذر.
الصور النمطية
من مكامن ضعف التفكير عند بني البشر التأثر بالصور النمطية المرسومة في أذهاننا من وحي كلام الناس عن فئة معينة أو جماعة ما، يحدث ذلك من تراكم الأخبار المكذوبة ونسبة الأقوال بلا دليل، وربما كم النكات والطرائف الساخرة التي تطلق على هذا الطرف الذي يُحاكم غيابيًّا، دون التفكير في نقد هذه الصور أو حتى دراسة أصلها وسببها، مما يؤدي إلى أن يتعامل كل فريق منهم -إن تعامل- مع الآخر بناء على تصورات مغلوطة وأحكام مسبقة، أو على الأقل بنظرة تشكك وارتياب في جدوى الحوار معه، ولا شك أن الاحتكام إلى هذه الصورة الذهنية من قبل أن تستوثق صحتها لهو من أبلغ الظلم وضحالة التفكير الذي ينبغي أن يترفع عنه الإسلاميون، ورضي الله عن الطفيل بن عمرو الدوسي إذ ألقى القطنة وأصغى سمعه، وترك الحكمة تخاطب قلبه وعقله.
ما مقالة بلغتني عنك؟!
إن القاعدة القرآنية تعفينا مِن كثير مما نعيشه من حروب كلامية لا طائل منها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) (الحجرات:6)، وإنَّ نقل الكلام عن الآخرين والحكم عليهم بلا بينة لهو محض ظلم (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ) (النور:15) و(كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ) (رواه مسلم)، والسمع والخوض بالألسنة له خطر عظيم على العاقل التنبه له (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) (الإسراء:36)، فإن سمعتَ عن أحد شيئًا فتثبت وتبين، وأحسِن الظن أيها الموحد؛ فهو أزكى لك وأطهر.
سموا لنا رجالكم
دائمًا تسمع: "قالوا كذا..."، و"قيل لي كذا ..."، و"سمعتُ أنه حدث كذا..."، والغريب أن بعض الأفاضل يبني مواقفه ويحارب ويهاجم مخالفيه -الذين هم إخوانه- بناءً على كلام من هذا القبيل، ولو عقل هؤلاء الناقلون والسامعون لهم لعلموا أن ديننا قائم على "حدثني فلان" الثبت الثقة الذي يعرف مواضع الكلم وخطورة الكلمة، ويحفظ ويعي، ويؤدي كما وعى، يحدث بذلك عن مثله إلى منتهاه، و"بئس مطية الرجل زعموا"، ولو عقلوا لعلموا أن الذي ينسج كلامه على: قيل وقالوا ونحوها؛ فقد نسج تصوراته كما تنسج العنكبوت بيتها: (وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (العنكبوت:41).
بين الخبر والتحليل
ويقع آخرون في فخ آخر ألا وهو: "الخلط بين ما سمع وما فهم"؛ فيقول قائلهم -مثلاً-: "إن فلانـًا ينتمي للفكر الفلاني"! ولو تتبعت ما عنده لوجدت أنه سمع فلانـًا هذا يقول قولاً؛ فهداه تفكيره -بأسلوب بما أن..؛ إذن..- أنه بهذا القول قد اعتنق الفكر الفلاني، وكان المنتظر منه أن يقول: إنه قال كذا، وتحليلي أن ذلك شاهد على أنه اعتنق الفكر الفلاني.
أو يقول قائل: "فعلوا كذا لأنهم أرادوا كذا"! والأحرى به أن يقول: إنهم فعلوا كذا وأظن أنهم أرادوا كذا؛ فخلط ما علم المرء وما سمع وشاهد بما فَهِم خطر عظيم يؤدي لكثير من الخطإ.
لا تكن على المسلمين مسعر حرب
يستغل البعض الردود المختلفة لبعض المشايخ والفضلاء في مسألة ما -والخلاف وارد-؛ فيأتي أحد المتصيدين فيقول: فلان يرد على فلان! ويعمد إلى كلام الثاني ويجتزئ منه ما يفهم منه أنه رد على الأول وهجوم عليه، وأن الموضوع حرب بين طائفتين، وقد يكون كلا الطرفين ممن له تلامذة ومستمعون، فتنتقل الحمية إلى هؤلاء وهؤلاء، وتثور الفتنة، ويُنال من الأفاضل بغير جناية جنوها، ولا ذنب ارتكبوه، ولكن بشؤم عصبية جاهلية، وتصرفات غير مسئولة، وتسابق محموم على "السبق الصحفي"، ولبئس ما فعل هؤلاء المتصيِّدون، ووالله لا يدري الإنسان لم يفعلون هذا؟ وبأي نية يجترئون؟ أو لم يكفهم ما أصاب جسد أمتهم الجريح أصلاً حتى يضموا إلى جراحها المزيد؟!
وعلى العاقل التثبت والتبين كما أمر الله –عز وجل-، ومراعاة الأدب مع الأفاضل والقدوات، وعدم التأثر بكل داعٍ للفتنة، بل دأبه دائمًا أن يقول: (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) (الحشر:10)، وليقل: "أحفظ سمعي وبصري، ما علمت إلا خيرًا"، وليجتهد في التصدق على المسلمين بتوحيدهم ما استطاع إلى ذلك سبيلاً؛ فإن لم يفعل فليكف أذاه عن إخوانه؛ فإنها صدقة يتصدق بها على نفسه.
نيران صديقة
قد يكون هناك شخص بِصَفـِّك يَرى ما تراه، ولكنه يسيء إلى المخالفين، ولا يحسن محاورتهم لا سؤالاً ولا جوابًا؛ فيسيء إلى منهجه، ويقدم صورة مشوهة للحق الذي يراه، فيصير كمن: "ضره أقرب من نفعه"، وفيه يصدق قول الشاعر:
رام نفعًا فضر من غير قصد ومن البر ما يكون عقوقا
فيا أخي: (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ) (متفق عليه).
العالم الحقيقي والافتراضي
أصبح الإنترنت اليوم جزءًا يحتل مساحة من حياتنا ونرتبط به بصورة أو بأخرى، وهو عالم كامل بكل ما تحمله المعاني، ولكنه افتراضي أي لا وجود له حقيقة إلا على أجهزة الحاسب والخوادم وشبكات الربط ونحو هذا، ولكنه مع ذلك يعكس أفكار زواره ومبادئهم وسلوكياتهم وثقافاتهم وروابطهم الاجتماعية؛ لذلك فهو يتقاطع أيما تقاطع مع العالم الحقيقي الواقعي في حياتنا اليومية، وكل منهما له تأثير على الآخر، وأصبح ذلك العالم الافتراضي مأوى لكثير من أصحاب العالم الحقيقي، فيه قد يجدون -افتراضيًّا- ما حرموه واقعيًّا، ويلتقون –افتراضيًّا- بمن يعجزون عن الاجتماع به واقعيًّا، وقد يقولون -افتراضيًّا- ما يعجزون عن بعضه واقعيًّا، وقد يصنعون لأنفسهم -افتراضيًّا- أعرافـًا وقوانين تناظر ما يحكمهم واقعيًّا، وقد تكون لهم كذلك هوية -افتراضية- تحجب هويتهم الواقعية .
لذلك فالحوار "الافتراضي" -خاصة في المجالات التفاعلية كالمنتديات- نجده يختلف كثيرًا عن الحوار الحقيقي؛ حيث نجد كثيرًا من القدرة على المواجهة التي قد تتحول إلى مصادمة، وكثيرًا من الشجاعة التي قد تصل إلى الجرأة، والنقد الذي قد يصل إلى السب والشتم؛ ذلك يحدث حينما لا تتلاقى الأعين ولا تتواجه الأبدان، فيسقط حاجز الهيبة، ويقول المرء ما لا يستطيع قوله في الحقيقة، لا سيما وأن كثيرًا من أهل الفضل والعلم -الذين لهم مكانة وهيبة- من شتى التوجهات تضيق أوقاتهم، فيقل وجودهم بأنفسهم وشخوصهم في هذا العالم الافتراضي -غالبًا وليس في كل الأحيان-، وهم أولى بالبحث والرد والمناظرة والتوجيه، بينما يأخذ هذا المكان محبوهم ومناصروهم وأتباعهم ممن هم دونهم ممن تتسع أوقاتهم لهذه المحاورات، ويجيدون أساليب التعامل مع وسائلها الحديثة، ومن هنا نعلم لماذا تكون الإنترنت هي البيئة المناسبة لكثرة هذه النزاعات وتمددها وتعاظم حجمها عما هي عليه في الواقع في بعض الأحيان، ومِن هنا أيضًا نعلم كذلك كيف يتلقف أصحاب العالم الافتراضي بعض الكلمات لبعض المشايخ والدعاة، وربما تُجتزأ من سياقها ثم يبلغونها لبعض أهل الفضل المخالفين مبتورة مقطوعة؛ فيرد هؤلاء على أولئك فيما لم يدعوه، ويعيبون عليهم ما لم يقولوه.
وفي العالم الافتراضي أيضا ينهمك بعض إخواننا -زادهم الله حرصًا- كتابة وبحثـًا وردًّا وتفنيدًا ومحاورة، وكل ذلك لا بأس به طالما أنه في الأطر الشرعية وبالأساليب المرعية، ولكننا نهيب بهم ألا يشغلهم عالمهم الافتراضي عن عالمهم الحقيقي؛ فجهاد الكلمة والسنان له ميادين ما أكثرها، وواحد منها العالم الافتراضي، والداعية الحق هو الذي لا يترك بابًا إلا طرقه قاصدًا تزكية نفسه وإخوانه وتعليم الناس وتوجيههم من كلمة أو محاضرة أو خطبة في المسجد أو نصيحة للإخوان أو تربية للنشء المسلم أو تعليم زوجة أو دلالة جاهل أو تذكير عالم؛ آمرًا بالمعروف المقصرين فيه ناهيًا عن المنكر الواقعين فيه، والداعية أينما وجد فله أثر في البيت والسوق والمسجد ومحال العمل وغيرها من أماكن تواجد البشر، هذه هي الميادين الحقيقة التي ينبغي علينا توجيه الجهود إليها بجانب الميادين الافتراضية التي قد تشغلنا أحيانـًا؛ فاحذر -أخي- أن تجلس أنت وإخوانك في برج عاجيّ افتراضي، تتكلمون وتتناقشون وتتناصرون وتهاجمون وتدافعون، وأنتم عن أمتكم غافلون، وهي أحوج ما تكون إليكم، ولا تظنن أنك إن فعلت ما يحسن افتراضيًّا فأنت في سَعة من فعله واقعيًّا، أو أنك قد أديت ما عليك، وبلغت الدعوة، وأقمت الحجة، ونصحت لله ورسوله وعامة المسلمين وخاصتهم.
وما نيل المطالب بالتمني.
وللحديث بقية -إن شاء الله-.
للمزيد من مواضيعي

 








توقيع queshta
و كن آملا في غد غير ناس قبول الغفور لمن أذنبا
و إن ساعة خامرتك الظنون التي أبعدتك فعد تائبا


رد باقتباس
   
  رقم المشاركة :2  (رابط المشاركة)
قديم 26.07.2010, 20:18
صور queshta الرمزية

queshta

عضو

______________

queshta غير موجود

الملف الشخصي
التسجيـــــل: 03.11.2009
الجــــنـــــس: ذكر
الــديــــانــة: الإسلام
المشاركات: 1.770  [ عرض ]
آخــــر نــشــاط
27.05.2013 (01:23)
تم شكره 2 مرة في 2 مشاركة
افتراضي حوارات الإسلاميين وآفات التواصل (2-2)


حوارات الإسلاميين وآفات التواصل (2-2)
كتبه/ علاء الدين عبد الهادي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
ففي مقال سابق عرضنا لحاجة الأمة لوجود حوار رشيد بين اتجاهات الصحوة الإسلامية، ورصدنا بعضًا من الآفات المجهضة لمحاولات الحوار البناء -إن وجد-، وكان جل التركيز حول القواعد الفكرية والمنطقية في الحوار، وهنا نستكمل ما قد بدأناه منبهين على أخلاق هذا الحوار المأمول، وما ينتظر من سلوكيات المسلم الملتزم بدينه مع كل أحد؛ لا سيما إخوانه أبناء الصحوة.
وأول ما نستفتح به قوله -تعالى-
وقولوا للناس حُسنـًا
(لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلا اللَّعَّانِ وَلا الْفَاحِشِ وَلا الْبَذِيءِ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني)، وعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَاحِشًا وَلا مُتَفَحِّشًا، وَكَانَ يَقُولُ: (إِنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أَحْسَنَكُمْ أَخْلاقًا) (متفق عليه).
ومفردات: كالسباب، والشتائم، والغيبة، والنميمة، والتنابذ بالألقاب، والاستهزاء، والسخرية، وسوء الظن، والهمز واللمز، وعدم التثبت ونحو هذا كله مفردات لا تعرف طريقها للمسلم فضلاً عن الملتزم؛ فضلاً عن استخدامها مع شخص حريص على الخير، محب لله -عز وجل- ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، يدافع عما يراه حقـًّا وإن كان مخالفًا لك، (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ) (الإسراء:53).
وإن مما يندى له الجبين أن نرى من بعض إخواننا، بل مِنْ بعض المشايخ المكرمين مَن يحتدون على مخالفيهم بأقذع ما يكون مِن سباب صريح، وهمز ولمز، وادعاء بلا بينة، فهل ينتظرون من مخالفيهم إلا كل صد ونفور؟! وهب أنه على حق ومخالفيه على أشد الباطل؛ أفما كان أجدر به أن يكون كموسى وهارون -عليهما السلام- حينما أمرهما ربهما في محاورتهما مع عدو الله فرعون: (فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) (طه:44)، و(إِنَّ الرِّفْقَ لاَ يَكُونُ فِي شَيْءٍٍ إِلاَّ زَانَهُ وَلاَ يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ شَانَهُ) (رواه مسلم)، فعليك بزينة الكلام يا زينة الكرام، ويوضحه أيضًا:
أطايب الثمر:
الألسنة مغاريف القلوب، والقلوب محل نظر الله -تعالى- من العبد، وحسن الكلام بِنية صالحة عبادة وقربة، وسبك الكلام علامة على رقي الفكر ورجاحة العقل، وللكلمة واللفظة أثر كبير وخطر عظيم؛ فدخول الإسلام يكون بكلام، والخروج منه قد يكون أيضًا بكلام، ودعوة الأنبياء كلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كلام، ورب كلمة قتلت صاحبها أو أنجته! ورب كلمة كانت أشد على إنسان من جراحات السيوف وألم الأبدان! فتخير لفظتك -يرحمك الله- وأحسن كلامك مع الناس وإن خالفوك، وفكر فيها مرتين قبل أن تقولها مرة، وتخير اللفظة المناسبة للمعنى المناسب، ولا تكن ألفاظك أحجارًا صماء غليظة تجرح بها وتكسر وتهشم؛ فتضر ولا تنفع، وتفرق ولا تجمع، وتفتن ولا تهدي، واعلم أنه بين اللباقة والحماقة وبين الشجاعة والتهور شعرة، فلا تقطعها، ولا يختلطن عليك الأمر، وما يضرك لو غلفت المعنى الشريف بلفظ لطيف تستحسنه الأنفس وترق له القلوب؟!
لا تقل: "أنت لا تفهم"، ولكن قل: "لعلي لم أوضح لك ما أردت".
ولا تقل: "أنت أخطأت في كلامك"، ولكن قل: "لعلك تحتاج لمراجعة موقفك".
ولا تقل: "أنا ضدك"، ولكن قل: "لي موقف مختلف".
ولا تقل: "عليك أن تفعل كذا وكذا"، ولكن قل: "لو فعلت كذا لكان خيرًا وبركة."
ولا تقل شرًّا فتندم، وقل خيرًا تغنم من قبل أن تندم؛ فإن أكثر خطايا ابن آدم في اللسان.
ولك في القرآن الكريم والسنة المشرفة وأخلاق الصحابة وسير السلف ما تهتدي به وتسترشد في حسن المعنى، وجزالة اللفظ، ولطف المنطق.
هلك الناس!
حينما تسمع أحدًا يقول: "كل الناس"، و"أغلب الرجال"، و"معظم النساء"، ونحو هذا... مدحًا أو ذمًّا؛ فاعلم أن هناك احتمالاً كبيرًا لوجود نوع من المبالغة فيما يذكر، وكثير من الناس لم يعتادوا ضبط موقفهم وردود أفعالهم بميزان واضح دقيق، وما من ميزان أحكم ولا أعدل من ميزان الشريعة، وحينما يرى الإنسان نفسه عظيمًا والآخر ضالاً حقيرًا؛ فلا تستغرب كلامه حين يقول: "هلك الناس"! عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا قَالَ الرَّجُلُ هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ) (رواه مسلم)، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: "لاَ أَدْرِي أَهْلَكَهُمْ بِالنَّصْبِ أَوْ أَهْلَكُهُمْ بِالرَّفْعِ".
(إِذَا قَالَ الرَّجُلُ هَلَكَ النَّاسُ...) بمحض زعم منه؛ (فَهُوَ أهلكُهم) وأسوؤهم حالاً.
نخلة ونحلة
كن كالنخيل عن الأحقاد مرتفعًا بالطوبِ يُرمى فيرمي أطيب الثمر
والنخلة (شَجَرَةً لا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَإِنَّهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ) (متفق عليه)، ويا لها من شجرة نافعة في كافة جوانبها للناس جميعًا؛ فكن مثلها لا تنقطع بركتها (أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ . تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ) (إبراهيم:24-25).
وكن ‏كذلك (كَمَثَلِ النَّحْلَةِ؛ أَكَلَتْ طَيِّبًا، وَوَضَعَتْ طَيِّبًا، وَوَقَعَتْ فَلَمْ تَكْسِر ولم تُفْسِد) (رواه البيهقي والطبراني، وصححه الألباني).
ولا تكن كبشار بن برد الذي قيل فيه أنه كان من سعادة المرء في زمان بشار ألا يعرف بشارًا، ولا يعرفه بشار؛ وذلك لسلاطة لسانه!
كذلك لا تكن "لَحْمَ جَمَلٍ غَثٍّ، عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ، لا سَهْلٍ فَيُرْتَقَى، وَلا سَمِينٍ فَيُنْتَقَلُ" (متفق عليه من حديث عائشة -رضي الله عنها- في قصة أم زرع).
أأعمى أنت؟!
إن لله -تعالى- عبادًا شغلهم عملهم عن الخوض بالباطل، وشغلتهم عيوب أنفسهم عن عيوب الناس، وشغلهم ذكر الله عن إيذاء عباد الله، والغضب لله عن البحث عن حظوظ النفس، وشغلهم استحضار عظمة ربهم عن رؤية أنفسهم فضلاً عن الانتصار لها.
قيل: إن عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- كان يمشي ليلاً في الطرقات، فمر بجانب المسجد، فلم ينتبه لرجل نائم، فضغط عليه برجله، فغضب الرجل وقال ثائرًا: "أحمار أنت؟!"، فرد عليه عمر وقال: "لا؛ أنا عمر"، فمشى ومضى!
فغضب خادم عمر بن عبد العزيز وقال: "لقد شتمك يا أمير المؤمنين"!
فما كان من هذا الراشد الحليم إلا أن قال: "لا؛ هو سألني أحمار أنت؛ فقلت: لا؛ أنا عمر".
وإنما (الْحِلْمُ بِالتَّحَلُّمِ) (رواه الدراقطني، وحسنه الألباني).
إليك عني..
وفي الوقت الذي ينشغل الناس بأنفسهم وحروبهم الصغيرة يرتفع الجندي المخلص لأمته ودينه عن هذه الترهات، وبينما يخوض الناس مع كل خائض إلا أنه يعلم أنه حارس يسهر على الثغور مترقبًا، تشغله الأمور العظام، والمتأمل لحال النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو الأمين الحريص على أمته يجد ذلك جليًّا واضحًا في حياته -صلى الله عليه وسلم-، وحسبك موقف واحد نعلمه جميعًا؛ فعن أنس -رضي الله عنه- قال: مَرَّ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِامْرَأَةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ فَقَالَ: (اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي)، قَالَتْ: "إِلَيْكَ عَنِّي فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي"، وَلَمْ تَعْرِفْهُ. فَقِيلَ لَهَا: "إِنَّهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-"؛ فَأَتَتْ بَابَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ بَوَّابِينَ، فَقَالَتْ: "لَمْ أَعْرِفْكَ"، فَقَالَ: (إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى) (متفق عليه).
فالنبي -صلى الله عليه وسلم- لما سمع مقالتها التي لا تليق نحوه -صلى الله عليه وسلم- ما كان منه إلا أن تركها ولم يغضب ولم يثر، ولما علمت المرأة أنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أُسقط في يدها، وندمت على ما قالت في حق شخصه الكريم -صلى الله عليه وسلم-؛ فنسيت حزنها وذهبت تعتذر، وما التفت النبي -صلى الله عليه وسلم- مرة أخرى إلى اعتذارها، ولم يشغله؛ بل ذكَّرها بما تحتاجه من معاني الإيمان؛ إذ هذا هو همه -صلى الله عليه وسلم- وهدفه الذي لم يغب عنه لا في نطق ولا في سكوت، ولعلك الآن تعرف أخي ما معنى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يكن يغضب لنفسه قط -وهو مَن هو-، ولكن إذا انتهكت حرمات الله لم يقم لغضبه شيء -صلى الله عليه وسلم-، وقلَّ من يلتفت لهذا المعنى العظيم، وأقل منه من يطبقه بالفعل في حياته ومعاشرته الناس، و(إِنَّكَ لَنْ تَدَعَ شَيْئًا للهِ -عَزَّ وَجَلَّ- إِلا بَدَّلَكَ اللهُ بِهِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ مِنْهُ) (رواه أحمد، وصححه الألباني).
إنه لو عظمت هممنا وتحملنا مسئوليتنا تجاه أمتنا لترفعنا عن كثير مما يقع بيننا من مشاجرات الباعث عليها الغضب للنفس والانتقام لها، وكلما ارتقى المسلم في خلقه وإيمانه صغرت في عينه سفاسف الأمور، وعظمت عنده العظائم؛ فلم يجد حينها نفسه مدفوعة للرد على كل أحد في الوجود، والانتقام منه، والتشهير به وإن آذاه من آذاه؛ بل هو ما يزال على ثغره حارسًا له حريصًا على عظائم الأمور.
على قـدر أهـل العـزم تأتي العزائم..... وتأتـي على قـدر الكـرام المـكـارم
وتعظم في عين الصغير صغـارهـا...... وتصغر في عيـن العظيـم العظائم
ناصحون لا متصيدون
ليكن همك البحث عن الحق ونصح الناس به؛ فـ(الدِّينُ النَّصِيحَةُ) (رواه البخاري ومسلم)، ولو صدقت نيتك في هذا لما وقفت كثيرًا عند الزلات اللغوية، والهنات الفرعية، وغير ذلك مما يحسن التغافل عنه، ويبدو أن الإنسان حينما تسفل همته ويكون فارغـًا وتتسلط عليه نفسه -تعلو نبرته، وتشتد حدته تجريحًا وتقبيحًا للآخرين، وتعظيمًا لنفسه ورؤية لها، بل إعطاءها الحق المطلق في الحكم على الناس، وتصيد أقوالهم؛ لإظهار النفس في صورة العاقل المدقق، والحكيم الناقد، ناهيك عن التحذلق والفذلكة، والتعالم والتشدق، وما أقبحها من صفات وأجدرها ألا تتبع ولا تعظم! فهي مذمومة شرعًا.
كاشف النوايا
لا يتعجب الإنسان من شيء عجبه ممن يقدحون في الناس نواياهم وسرائرهم التي لا يطلع عليها إلا رب العباد؛ فالطعن في مذهب أو فكرة عبَّر عنها صاحبها شيء وارد، ولكن الطعن في النوايا هذا أمر لا طاقة لأحد عليه، ولا اطلاع لأحدنا على القلوب وما حوت إلا عن طريق وحي يوحى، وكثير من حوارات الإسلاميين تنتقل من النقاش حول الموضوع للنقاش عن شخص المخالف، ومن النقاش عن شخصه وفعله الظاهر إلى الكلام عن نيته وإرادته، ولقد علم الجميع أننا لم نؤمر أن ننقّب عن قلوب الناس، ولا أن نشق بطونهم!
فهلا نملة واحدة!
- مسلم واحد لا يعكس بالضرورة كافة المسلمين.
- وأفعال المسلمين لا تعكس بالضرورة شرائع الإسلام.
هاتان العبارتان رغم كونهما منطقيتين إلى أبعد حد؛ إلا أننا نعاني -نحن المسلمين- من خلط الغرب وتلبيسه؛ بسبب عدم وضوحهما في أذهانهم، وكم وقع المسلمون في كثير من الحرج والعنت بسبب فعل أو قول شخص ينتسب للإسلام، ثم انتقلت العدوى إلى المسلمين، بل إلى صفوتهم أبناء الصحوة، فكم هوجم المتبوع بسبب أتباعه، وأسيء إلى الأفاضل بسبب العامة، ثم رُمي بالوصف السيء ليس رؤوس الناس فحسب؛ بل جماعة كبيرة من الناس صارت كأنها فرد واحد يتصف بأبشع الصفات وأرذلها، بل الأدهى أن تُرمى جماعة من المسلمين بتهمة بسبب جنسياتهم في إحياء متجدد لدعوى الجاهلية المنتنة.
شهوة الجدل
الإنسان مركب فيه عدد من الشهوات، فمنا من يصرفها في الحق، ومنا من يصرفها في الباطل، والجدل واحد من هذه الشهوات التي تسيطر على البعض منا؛ فتجده منشغلاً بالقضايا الخلافية، منكبًّا عليها، باحثـًا عن فارس نحرير يجادله ويناقشه، ويقارعه الحجة بالحجة والبيان بالبيان، فهذا يرضي شهوته نحو الجدل، ويضع اسمه في مصاف كبار المناظرين، ويا لفرحة قلبه حينما يضطر خصيمه إلى زاوية الحلبة ويلقنه ضربات موجعة؛ فتصفق له الحشود السعيدة المتعطشة لمزيد من الإفحام والإلجام، والقذائف المتبادلة في هذا الاقتتال الفكري المحموم!
ولا شك أن هذه الصورة من الجدل ليست هي المقصودة من الحوار الإسلامي – الإسلامي، وليست هي أيضًا المقصودة بقوله -تعالى-: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (النحل:125)، ولئن أردت أن تستشعر قوة هذه الرغبة المحمومة؛ فلاحظ كيف يكون رد هؤلاء أعنف وأكثر حدة حينما يكون الأمر متعلقـًا بالرد عليهم شخصيًا، ولو أن مخالفه في المسألة تكلم كلامًا مطلقـًا ولم يعن أقوال الأول بالذات؛ لكان الحرص على الرد عليه أضعف، وحمى الجدل أخف!
إلا من أتى الله بقلب سليم
وفي هذا الخضم لا يستطيع المرء استخلاص الحق من الباطل، ولا الصحيح من الخطإ إلا بإخلاص نية، وحسن طوية، وعلم يبصر صاحبه، وعقل راجح عن المهاوي يحجزه، وأدب يجمله ويزينه.
وأنت أيها الناصح الأمين والمرشد الحكيم، وصاحب هم الدين، ورافع راية الكتاب والسنة، لا عليك من المناوشات والمجادلات، ترفـَّع عنها ولا تغضب لنفسك، ولا تبحث عن حظوظها؛ فنق قلبك، وصف سريرتك، ولا تبيتن وفي قلبك شيء من أحد من المسلمين؛ بل ليكن همك رضى ربك، ونجاة نفسك، وهداية الناس أجمعين؛ لا سيما إخوانك أبناء الدعوة الإسلامية بمختلف أطيافهم، وتعدد مشاربهم؛ حتى إن خالفوك، وأمعنوا اللجاج معك والخصومة؛ فهم إخوانك وإن بغوا عليك، وهم معك في الهم وإن حادوا عن صفك.
وإن الـذي بيـني وبـيـن بـنـي أبــي...... وبـيـن بـنـي عـمي لمخـتـلـف جــدًا
فإن أكلوا لحـمـي وفـرت لحـومهـم....... وإن هدموا مجدي بـنيـت لهم مـجـدًا
وإن ضيعوا غيبي حفظت غيوبهـم....... وإن هـووا غـيي هـويت لهـم رشـدًا
ولا أحمل الحقــد القـديـم عــليـهـم........ وليس يسود القوم من يحمل الحقدًا
ستجد منهم من يتهمك بالخروج.. !
وتجد منهم من يتهمك بالإرجاء.. !
وستجد منهم من يتهمك بالتكفير والتشدد... !
وتجد منهم من يتهمك بموالاة أعداء الله، وميوعة الدين!..
وستجد منهم من يتهمك بالإيغال في التنظيم والعمل السري!..
وستجد منهم من يتهمك بالعشوائية والتفكك!..
فلا تقف عند كل هذه الاتهامات كثيرًا؛ إلا بالقدر الذي تدفع فيه عن نفسك وإخوانك بالتي هي أحسن، ولا تنس دورك ومهمتك مع حراس العقيدة وحماة الدين الواقفين على ثغوره، الراجين نصرته: (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) (العصر:3).
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ . وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ) (الحج:77-78).
فهذا ما تيسر من نصحنا لأنفسنا وإخواننا في محاوراتهم ومساجلاتهم؛ تذكيرًا بالله، وعملاً بكتابه وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-، وحرصًا على جمع كلمة المسلمين تحت راية التوحيد؛ لننقذ أمتنا من هذا الشتات، وإعجاب كل ذي رأي برأيه.
فمن وافقنا في شيء منه فالحمد لله، ومن خالفنا فسبحان الله، ونسأل الله لنا ولكم الرشاد والسداد في القول والعمل.
اللهم إنا نعوذ بك من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، اللهم آتِ نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.





رد باقتباس
   
  رقم المشاركة :3  (رابط المشاركة)
قديم 27.07.2010, 22:34

هبة الرحمن

عضو

______________

هبة الرحمن غير موجود

الملف الشخصي
التسجيـــــل: 23.04.2010
الجــــنـــــس: أنثى
الــديــــانــة: الإسلام
المشاركات: 760  [ عرض ]
آخــــر نــشــاط
16.11.2010 (10:45)
تم شكره 2 مرة في 2 مشاركة
افتراضي


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الأخ الكريم :
queshta
أشكرك لإفادتنا بهذا البحث الرائع
جزاك الله خيرا
وبارك الله لك
وأسأل الله ربى أن ينفعنا بما فيه
أعجبنى جدا وتعلمت منه الكثير

جعله ربى فى ميزان حسناتك


اقتباس
اللهم إنا نعوذ بك من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، اللهم آتِ نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم آمين







توقيع هبة الرحمن
حياتك بعيدا عن خالقك وهم.....
وما أصعب أن تعيش الوهم...!!!
؟


رد باقتباس
   
  رقم المشاركة :4  (رابط المشاركة)
قديم 28.07.2010, 20:29
صور queshta الرمزية

queshta

عضو

______________

queshta غير موجود

الملف الشخصي
التسجيـــــل: 03.11.2009
الجــــنـــــس: ذكر
الــديــــانــة: الإسلام
المشاركات: 1.770  [ عرض ]
آخــــر نــشــاط
27.05.2013 (01:23)
تم شكره 2 مرة في 2 مشاركة
افتراضي


اقتباس
 اعرض المشاركة المشاركة الأصلية كتبها هبة الرحمن
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الأخ الكريم :
queshta
أشكرك لإفادتنا بهذا البحث الرائع
جزاك الله خيرا
وبارك الله لك
وأسأل الله ربى أن ينفعنا بما فيه
أعجبنى جدا وتعلمت منه الكثير

جعله ربى فى ميزان حسناتك



اللهم آمين

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
و جزاك بمثله
و فيك بارك
أختي الفاضلة:
هبة الرحمن

نفعني الله و إياك بما تعلمنا





رد باقتباس
رد

العلامات المرجعية

الكلمات الدلالية
وآفات, الإسلاميين, التواصل, حوارات


الذين يشاهدون هذا الموضوع الآن : 1 ( 0من الأعضاء 1 من الزوار )
 
أدوات الموضوع
أنواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة موضوعات جديدة
لا تستطيع إضافة رد
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

رمز BB تمكين
رمز[IMG]تمكين
رمز HTML تعطيل

الانتقال السريع

الموضوعات المتماثلة
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى ردود آخر مشاركة
حوارات انتهت بإسلام أصحابها في منتديات كلمة سواء د/مسلمة ركن المسلمين الجدد 5 07.10.2011 06:35



لوّن صفحتك :