شبهات حول القرآن
الرد على تناقض القرآن حول مصدر الحسنة والسيئة طباعة أرسل إلى صديق
مضمون الشبهة:

يزعم بعض المتوهمين أن هناك تناقضا بين قوله سبحانه وتعالى: "وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله" (النساء: ٧٨)، وقولــه سبحانــه وتعالــى: "ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا(79)" (النساء).ويتساءلون: كيف يذكر القرآن في الموضع الأول أن مصدر الحسنة والسيئة هو الله - سبحانه وتعالى - ويقرر في الموضع الآخر أن السيئة من عند البشر؟ ويرمون من وراء ذلك إلى الطعن في القرآن والقول بتناقضه.

وجه إبطال الشبهة:
معنى الحسنة والسيئة في الآيتين مختلف؛ إذ إن:
· المراد بالحسنة والسيئة في الموضع الأول هو النعم والمصائب.
· المراد بالحسنة والسيئة في الموضع الثاني هو الطاعة والمعصية، أو النصر والهزيمة.

التفصيل:
معنى الحسنة والسيئة في الآيتين مختلف؛ إذ إن:
1. المراد بالحسنة والسيئة في الموضع الأول هو النعم والمصائب:
المراد بالحسنة في الموضع الأول هو الخصب والرخاء، وبالسيئة الشدة والأمراض، فقد كانوا يقولون في مثل ذلك: إنها بشؤم محمد - صلى الله عليه وسلم - ينفرون العوام عن اتباعه، ورد الله عليهم قولهم بقوله عز وجل: "وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله" (النساء: 78)، أي: النعم من عند الله، وأيضا الشدة والمصائب من عند الله
[1].
2. المراد بالحسنة والسيئة في الموضع الثاني هو الطاعة والمعصية، أو النصر والهزيمة:
المراد بالحسنة في الموضع الثاني ما فتح الله على النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر، وما أصاب من الغنيمة والفتح فمن الله، وما أصابه يوم أحد، أن شج وجهه، وكسرت رباعيته، وما كانت من نكبة فبذنبك، أي: بذنوب البشر.
ويعلق القاضي عبد الجبار على الآية الثانية قائلا: وأراد بذلك ما يفعله المرء من الطاعة والمعصية، ولولا صحة ما ذكرناه لكان الكلام متناقضا، ولقالت العرب لرسول اللهصلى الله عليه وسلم: أنت تزعم في القرآن أنه لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا، وقد وجدنا ذلك، وإنما عدلوا عن هذا القول؛ لأن المراد بالأول - أي: الآية الأولى - المصائب والأمراض، وبالثاني - أي: الآية الثانية - المعاصي، فأضافها إلى نفس الإنسان
[2].

الخلاصة:
ليس هناك أي وجه للتناقض بين الآيتين، فالحسنة في الآية الأولى هي النعم والرخاء، والسيئة هي الشدة والمصائب، وهذا كله من عند الله. أما الحسنة في الموضع الآخر فهي الطاعة أو النصر، فهذا من عند الله - سبحانه وتعالى - والسيئة هي المعصية أو الهزيمة، وهذه تكون من عند البشر؛ حيث إنهم بمعصيتهم يجلبون الهزيمة لأنفسهم، وبذلك البيان يبطل هذا الادعاء.


__________


[1] تنزيه القرآن عن المطاعن، القاضي عبد الجبار، تحقيق: د. أحمد عبد الرحيم السايح، المستشار توفيق علي وهبة، مكتبة النافذة، القاهرة، ط1، 2006م، ص123.
[2] تنزيه القرآن عن المطاعن، القاضي عبد الجبار، تحقيق: د. أحمد عبد الرحيم السايح، المستشار توفيق علي وهبة، مكتبة النافذة، القاهرة، ط1، 2006م، ص123.


بيان الإسلام

 
الرد على تناقض القرآن بشأن قدر تفضيل المجاهدين على القاعدين طباعة أرسل إلى صديق
مضمون الشبهة:

يتوهم بعض المغرضين أن هناك تعارضا في قوله سبحانه وتعالى: "لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما (95) درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما (96)" (النساء).ويتساءلون: كيف يقرر القرآن في الآية الأولى تفضيل المجاهدين على القاعدين درجة واحدة، وفي الآية الثانية يصرح بتفضيل المجاهدين على القاعدين درجات؟! ويهدفون من وراء ذلك إلى القول بأن القرآن ليس من عند الله ما دام فيه هذا التعارض.

وجه إبطال الشبهة:
فضل الله المجاهدين بالمال والنفس درجة على القاعدين غير أولي الضرر، في حين أنه - سبحانه وتعالى - فضل المجاهدين على بعضهم درجات، فمن نال كل الدرجات فقد نال درجة - أي: منزلة - عظيمة، ومن نال بعضها فقد نال درجة أقل، فلا تعارض بين الآيتين.

التفصيل:
فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين من غير أولي الضرر درجة، في حين أنه - سبحانه وتعالى - فضل المجاهدين على بعضهم البعض درجات:
إن الفهم الصحيح لمعنى الآيتين ينفي شبهة التعارض بينهما؛ فالمقصود بالآية الأولى أنه ليس من العدل أن يستوي المجاهدون وغير المجاهدين في الثواب الدنيوي والأخروي، فللذين يجاهدون بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله- عز وجل - درجة فوق الذين لا يجاهدون بالمال ولا بالنفس، أما أصحاب الأعذار الشرعية التي تمنعهم من الجهاد، فلا يدخلون في هذه المفاضلة؛ لأن أعذارهم كانت بمثابة الرخصة التي ترفع عنهم حرج الجهاد في سبيل الله مثل غيرهم من الأصحاء.
ومما يؤكد هذا الفهم ما ذكره ابن عاشور في تفسير هذه الآية؛ إذ يقول: إن القاعد عن الجهاد لا يساوي المجاهد في فضيلة نصرة الدين ولا في ثوابه على ذلك، فتعين التعريض بالقاعدين وتشنيع حالهم، وبهذا يظهر موقع الاستثناء بقوله: "غير أولي الضرر" (النساء: ٩٥)؛ كيلا يحسب أصحاب الضرر أنهم مقصودون بالتحريض فيخرجوا مع المسلمين، فيكلفوهم مؤونة نقلهم وحفظهم بلا جدوى، أو يظنوا أنهم مقصودون بالتعريض فتنكسر لذلك نفوسهم زيادة على انكسارها بعجزهم، ولأن في استثنائهم إنصافا لهم وعذرا بأنهم لو كانوا قادرين لما قعدوا.
ومما يؤكد هذا، ما جاء عن زيد بن ثابت أنه قال: «نزل الوحي على رسول الله وأنا إلى جنبه، ثم سري عنه
[1] فقال: اكتب، فكتبت - وكان زيد من كتاب الوحي -: "لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم"، وخلف النبي- صلى الله عليه وسلم - ابن أم مكتوم فقال: يا رسول الله، لو أستطيع الجهاد لجاهدت، فنزلت مكانها: "لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم" (النساء:٩٥)»[2]. فابن أم مكتوم فهم المقصود من نفي الاستواء، فظن أن التعريض يشمله وأمثاله، فإنه من القاعدين؛ ولأجل هذا الظن عدل عن حراسة المقام إلى صراحة الكلام[3].
ومعنى كلمة "درجة" التي فضل الله - عز وجل - بها المجاهدين على القاعدين هي المنزلة، وليس معناها الإفراد، بل يقصد بها الجنس المعنوي، قال ابن عاشور: والدرجة هنا مستعارة للعلو المعنوي كما في قوله سبحانه وتعالى: "وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم (228)" (البقرة)، والعلو المراد هنا علو الفضل ووفرة الأجر، وجئ بــ"درجة" بصيغة الإفراد، وليس إفرادها للوحدة، لأن درجة هنا جنس معنوي لا إفراد له، ولذلك أعيد التعبير عنها في الجملة التي جاءت بعدها - تأكيدا لها - بصيغة الجمع بقوله: "درجات منه": لأن الجمع أقوى من المفرد، وتنوين "درجة" للتعظيم، وهو يساوي مفاد الجمع في قوله سبحانه وتعالى: "درجات منه" (النساء: 96)
[4].
وكما فضل الله تعالى المجاهدين على القاعدين غير أولي الضرر في المنزلة، فقد فضل الله أيضا بعض المجاهدين على بعض منازل - درجات -، فكل يثاب حسب عمله، ولذلك قالـ عز وجــل ـ: "درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما (96)" (النساء)، ويعلق الشيخ الشعراوي على هذه الآية فيقول: فالله - سبحانه وتعالى - قد أعطى لأولي الضرر درجة، وفضل المجاهد في سبيل الله على القاعد من غير أولي الضرر درجات عدة، وساعة نسمع كلمة "درجة" فهي المنزلة، والمنزلة لا تكفي فقط للإيضاح الشامل للمعنى، ولكن هي المنزلة الاتقائية.
ولكن: هل تلك الدرجات لكل المجاهدين؟!
بالطبع لا؛ لأننا لا بد أن نلحظ الفرق بين الخروج من الوطن وترك الأهل للجهاد، وبين عملية الجهاد في ذاتها، فعملية الجهاد في ذاتها تحتاج إلى همة إيمانية، ولذلك جاء الحق بنص في سورة التوبة: "ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين (120) ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون (121)"(التوبة).
هنا يوضح الحق أنه لا يصح لأهل المدينة والأعراب الذين حولهم أن يتخلفوا عن الجهاد مع رسول الله، ولا يرضوا لأنفسهم بالدعة والراحة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الشدة والمشقة، فكما ذهب إلى القتال يجب أن يذهبوا؛ لأن الثواب كبير، فلا يصيبهم تعب إلا ولهم عليه أجر العمل الصالح، ولا يعانون من جوع إلا ولهم عليه أجر العمل الصالح، ولا يسيرون في مكان يغيظ الكفار إلا ولهم أجر العمل الصالح، ولا ينالون من عدو نيلا إلا ويكتبه الله لهم عملا صالحا، فسبحانه يجزي بأحسن ما كانوا يعملون.
وقام العلماء بحصر تلك العطاءات الربانية، بسبع درجات؛ فواحد ينال الدرجات جميعا، وآخر أصابه ظمأ فقط فنال درحة الظمأ، وآخر أصابه نصب
[5] فأخذ درحة النصب، وثالث أصابته مخمصة[6]، ورابع جمع ثلاث درجات. وعندما نقوم بحساب هذه الدرجات نجدها:
1. الإصابة بالظمأ.
2. النصب.
3. الجوع.
4. لا يطأون موطئا يغيظ الكفار، أي: لا ينزلون في مكان يتمكن فيه المسلمون منهم ويبقون عليهم سلطانهم.
5. النيل - التنكيل - بالعدو.
6. النفقة الصغيرة والكبيرة.
7. قطع أي واد في سبيل الله.
هذه هي الدرجات السبع التي يجزي الله عنها بأحسن مما عمل أصحابها كما فسرها العلماء، فمن نال الدرجات السبع فقد نال منزلة عظيمة، وكل مجاهد على حسب ما بذل
[7].

الخلاصة:
· لا تعارض بين الآيتين كما يدعي أصحاب هذه الشبهة، فالآية الأولى تقرر تفضيل الله- سبحانه وتعالى- للمجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين من غير ذوي الأعذار درجة، أي: منزلة عظيمة، في حين أن الآية الثانية تؤكد على تفضيل الله - عز وجل - للمجاهدين على بعضهم درجات، كل على قدر سعيه.
· حصر العلماء العطاءات الربانية الواردة في الآيتين رقم 120، 121 من سورة التوبة بسبع درجات، قد تنال كلها أو ينال بعضها حسبما يقوم المجاهد، وهذه الدرجات السبع بعض عطاء الله للمجاهدين فقد جاء عن النبي- صلى الله عليه وسلم - أن للمجاهدين في الجنة مائة درجة، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، كل هذا الفضل لعظم ما يقوم به المجاهد في سبيل الله.

________________
 
[1] سري عنه: ذهب ما به من هم.
[2] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب قول الله تعالى:)لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر ((النساء: ٩٥) (2677)، وفي موضع آخر.
[3] التحرير والتنوير، محمد الطاهر ابن عاشور، دار سحنون للنشر والتوزيع، تونس، د. ت، ج3، ص170.
[4] التحرير والتنوير، محمد الطاهر ابن عاشور، دار سحنون للنشر والتوزيع، تونس، د. ت، ص171، 172.
[5] النصب: التعب.
[6] مخمصة: الجوع الشديد.
[7] التحرير والتنوير، محمد الطاهر ابن عاشور، دار سحنون للنشر والتوزيع، تونس، د. ت، ص171، 172.


بيان الإسلام

 
الرد على تناقض القرآن بشأن القسم بالأماكن والأزمان طباعة أرسل إلى صديق
مضمون الشبهة:

يدعي بعض المشككين أن هناك تناقضا بين قوله سبحانه وتعالى: "والنجم إذا هوى (1)" (النجم) مقسما بالنجم، وقوله سبحانه وتعالى: "وهذا البلد الأمين(3)" (التين) مقسما بمكة المكرمة، وقوله سبحانه وتعالى: "واليوم الموعود (2)" (البروج) مقسما بيوم القيامة، وبين قوله سبحانه وتعالى: "فلا أقسم بمواقع النجوم (75)" (الواقعة) مقسما بمواقع النجوم، وبين قوله سبحانه وتعالى: "لا أقسم بهذا البلد (1)" (البلد)، وقوله سبحانه وتعالى: "لا أقسم بيوم القيامة (1)" (القيامة)، ويتساءلون: كيف يقسم الله بشيء في موضع، ثم يتفي هذا القسم في موضع آخر؟ ويرمون من وراء ذلك إلى التأكيد على أن القرآن من صنع البشر.

وجه إبطال الشبهة:
للعلماء في معنى "لا" أربعة أوجه:
· "لا" صلة أو زائدة، والمعنى على الإثبات فلا نفي فيه.
· "لا" رد لكلام المشركين المكذبين للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وقوله "أقسم" إثبات مستأنف.
· "لا" لنفي ما ينبئ عنه القسم من إعظام المقسم به وتفخيمه.
· "لا" اللام للابتداء، وإنما أشبعت فتحتها فتولد عنها ألف، وهذا مشهور في لغة العرب.

التفصيل:
للعلماء في معنى "لا" أربعة أوجه يفصلها د. أنور الحديدي على النحو الآتي:
أن الله - سبحانه وتعالى - أقسم بالبلد الأمين، وبيوم القيامة، وبمواقع النجوم، ويكون الكلام في "لا" واحدا من أربعة أوجه:
الأول: أن "لا" صلة أو زائدة على عادة العرب، فإنها ربما لفظت بلفظة "لا" من غير قصد النفي، بل لتقوية الكلام وتوكيده كقول موسى - عليه السلام - فيما حكاه القرآن الكريم - لأخيه هارون - عليه السلام - لما وجد قومه عبدوا العجل في غيبته: "قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا (92) ألا تتبعن أفعصيت أمري (93)" (طه)، يعني: أن تتبعن.
وقوله – سبحانـه وتعالــى - لإبليس لما امتنع من السجود لآدم كما أمره الله: "قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتــك" (الأعراف: ١٢)، أي: أن تسجد، بدليل قوله سبحانه وتعالى: "قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي" (ص: ٧٥)، وقوله سبحانه وتعالى: "لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله" (الحديد: ٢٩)، أي: ليعلم أهل الكتاب، وقولــه سبحانــه وتعالــى: "فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليمــا (65)" (النساء)، أي: فوربك.
ووردت زيادة "لا" في الشعر كثيرا، كقول العجاج:
في بئر لا حور سرى وما شعر
بإفكه حتى رأى الصبح جشر
[1]
فالحور: الهلكة، يعني: في بئر هلكة و "لا" زائدة.

الثاني: أن "لا" رد لكلام المشركين المكذبين للنبي صلى الله عليه وسلم، وقوله: "أقسم" إثبات مستأنف كقول القائل: لا والله. "فلا" رد لكلام تقدمها، ومنه قول الشاعر:
فلا وأبيك ابنة العامري
لا يدعي القوم أني أفر
ولكن ضعف هذا الوجه بأن حذف اسم "لا" وخبرها غير جائز.

الثالث: أن "لا" للنفي، ولكن لا تنفي القسم، بل تنفي ما ينبئ عنه من إعظام المقسم به وتفخيمه، كأن معنى: لا أقسم بكذا: لا أعظمه بإقسامي به، فإنه عظيم في نفسه، أقسم به أو لا، وهذا القول ذكره الزمخشري والألوسي.

الرابع: أن اللام لام الابتداء، والأصل: لأقسم، أشبعت فتحتها فتولدت منها ألف، والعرب ربما أشبعت الفتحة بألف، والكسرة بياء، والضمة بواو.
فمثاله في الفتحة قول الراجز:
إذا العجوز غضبت فطلق
ولا ترضاها ولا تملق
فالأصل: ترضها؛ لأن الفعل مجزوم بلا الناهية.
وفي إشباع الكسرة بالياء قول قيس بن زهير:
ألم يأتيك والأنباء تسري
بما لاقت لبون بني زياد
فالأصل: يأتك؛ لوجود الجازم.
وفي إشباع الضمة بالواو قول الراجز:
لو أن عمرا هم أن يرقودا
فانهض فشد المئزر المعقودا
يعني: يرقد، ويدل لهذا الوجه قراءة الحسن والأعشى "لأقسم" من غير ألف. والوجه الأول أرجحها جميعها
[2].
وقال علماء اللغة: إن هذا القسم يفيد تعظيم المقسوم به، كما في سورة البلد، وكما في قوله سبحانــه وتعالــى: "فلا أقسم بمواقع النجوم (75) وإنه لقسم لو تعلمون عظيم (76) إنه لقرآن كريــم (77)" (الواقعة)، وكقوله: "لا أقسم بيوم القيامة (1) ولا أقسم بالنفس اللوامة (2)" (القيامة)، فهذه كلها أقسام.
وليس هذا من دقائق اللغة، وإنما هو من أولياتها، ولكن القوم لا يعلمون،
وإذا اعتبرت "لا" نافية والجملة خبرية فهي مقيدة؛ أي: لا أقسم به و أنت حل به، ولكن أقسم به وأنت غير حل به، فلا تناقض أيضا.

الخلاصة:
أن لا تعارض بين الآيات التي يقسم الله - عز وجل - فيها بمكة ويوم القيامة ومواقع النجوم، وبين الآيات التي يوهم ظاهرها بعدم القسم؛ لأن "لا" في هذه الآيات لا تخرج على أربعة أوجه:
· إما أنها صلة أو زائدة ونطقت لغير قصد النفي، بل التوكيد.
· وإما أنها رد لكلام المشركين المكذبين للنبي- صلى الله عليه وسلم -.
· وإما على أنها لنفي ما ينبني عليه القسم من إعظام المقسم به وتفخيمه.
· وإما على أن اللام لام الابتداء، أشبعت فتحتها، وهذا مشهور في كلام العرب.

_____________
 
[1] جشر: طلع.
[2] البيان في دفع التعارض المتوهم بين آيات القرآن، د. محمد أبو النور الحديدي، مكتبة الأمانة، القاهرة، 1401هـ/ 1981م، ص86: 88 بتصرف.


بيان الإسلام

 
الرد على تناقض القرآن بشأن حرية العقيدة والإكراه عليها طباعة أرسل إلى صديق
مضمون الشبهة:

يتوهم بعض المغرضين تناقض القرآن في قوله سبحانه وتعالى: "لا إكراه في الدين" (البقرة: ٢٥٦)، وقوله سبحانه وتعالى: "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" (الكهف: ٢٩)، مع قوله سبحانه وتعالى: "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون (29)" (التوبة)، ويتساءلون: كيف يقرر القرآن في الموضع الأول والثاني حرية الاعتقاد، وأنه لا إكراه في الدين، ثم يأمر في الموضع الثالث بإكراه الناس على الدين وقتال الذين لا يؤمنون به؟!ويهدفون من وراء ذلك إلى الطعن في القرآن الكريم ووصفه بالتناقض.

وجوه إبطال الشبهة:
1) الموضع الأول نزل في الأنصار خاصة، ولكن حكمه شامل، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
2) الإسلام لم يكره أحدا على اعتناقه للعديد من الأسباب النبيلة.
3) شرع الإسلام الحرب والقتال لأهداف محددة ومشروعة، ولم تشرع لمجرد العدوان على الآخرين بدون وجه حق كما يدعي المبطلون.

التفصيل:
أولا: الموضع الأول نزل في الأنصار خاصة، ولكن حكمه شامل، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب:
ورد عن سعيد بن جبير وغيره في تفسير قول الله سبحانه وتعالى: "لا إكراه في الدين" (البقرة: ٢٥٦)، أنه قال: نزلت في الأنصار خاصة؛ حيث كانت المرأة منهم إذا كانت مقلاتا
[1] وولدت ولدا تنذر لتجعلنه في اليهود ملتمسة بذلك طول بقائه، فجاء الإسلام وفيهم من هؤلاء النسوة، فلما أجليت النضير، قالت الأنصار: يا رسول الله، أبناؤنا وإخواننا فيهم!! فسكت عنهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنزلت: )لا إكراه في الدين((البقرة: ٢٥٦)، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "خيروا أصحابكم، فإن اختاروكم فهم منكم، وإن اختاروهم فهم منهم، فأجلوهم معهم"[2]. ولكن حكمها عام شامل الخلق كافة، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو معروف في الأصول[3].

ثانيا: الإسلام لم يكره أحدا على اعتناقه لكثير من الأسباب:
الإسلام لم يكره أحدا على اعتناقه، وذلك يظهر جليا في العديد من الآيات الكريمة، كقولهسبحانه وتعالى: "لا إكراه في الدين" (البقرة: ٢٥٦)، وقوله سبحانه وتعالى: "أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين (99)" (يونس)، وقوله سبحانه وتعالى: "فذكر إنما أنت مذكر (21)" (الغاشية).
وهناك العديد من الأسباب التي جعلت الإسلام لم يكره أحدا على اعتناقه، منها أن الإكراه:
· يقهر النفس الإنسانية ويذلها.
· يولد النفاق وينتج أفرادا يتربصون بالأمة ويسارعون إلى خيناتها وتحطيمها من الداخل.
· يحطم الشخصية الإنسانية ويقتلها.
· يورث في القلوب الأحقاد، ويزرع في النفوس الضغائن.
· ينزع إلى النفور، ويرسخ في النفس ردود الفعل والانفجار حين تسنح الظروف.
· يسيئ إلى سمعة الدعوة الإسلامية في الداخل والخارج.
· يجعل عمل المرء المكره غير مقبول عند الله؛ لأنه سبحانه لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصا له، والمكره على الإيمان خوفا، لن يتوجه به إلى الله خالصا، وما كان كذلك من الإيمان فهو غير مقبول.
لهذا كله دعا الإسلام الناس إلى الدخول فيه عن إيمان وقناعة واختيار، وأعلن على مسامع الدنيا شعاره الثابت
[4]:"لا إكراه في الدين" (البقرة: ٢٥٦).

ثالثا: الإسلام شرع الحرب والقتال لأهداف محددة منها:
يشرح د. البوطي هذه الأسباب ذاكر منها:
1. الظلم والعدوان عن أرض الإسلام لقوله سبحانه وتعالى: "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين (190)" (البقرة).
2. المحافظة على العهود والمواثيق، فإذا كان بين دولة الإسلام وإحدى الدول الأجنبية عهود أو مواثيق، وأخلت تلك الدولة بتلك العهود، كان ذلك مسوغا لقتالها لقوله سبحانه وتعالى: "وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون (12)" (التوبة)، ويفهم من هذه الآية أن المشركين إذا نقضوا عهدهم جاز قتالهم.
3. إزالة العقبات التي تعترض طريق الدعوة الإسلامية، فمن المعلوم أن دعوة الإسلام دعوة عالمية، وأن بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - للناس كافة، ومعنى هذا أنه يجب أن تصل إلى كل أمة وأن تدخل كل بلد، فكل من يقف في طريق الدعوة ويصد عن تبليغها من طواغيت متجبرين وحكام متألهين، يجب أن يزاحوا عن الطريق؛ حتى تصل الدعوة إلى الشعوب نقية صافية واضحة، والشعوب هي التي تقرر مصيرها: إن شاءت أن تدخل في الإسلام عن طواعية واختيار، وإن شاءت أن تبقى على دينها وتدفع الجزية إلى الدولة الإسلامية مقابل حمايتها من العدوان.
ومما يؤكد أن الهدف من القتال هو إزاحة الطواغيت والحكام المتألهين، موقف ربعي بن عامر" مع رستم قائد جيش الفرس حين تحداه، وقال: "إنما بعثنا من أجل أن نخرج العباد من عبادة العباد، إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام"، ولو كان الإسلام يفرض وجوده واعتناقه بقوة السيف والإكراه لما قبل الرسول - صلى الله عليه وسلم - الجزية من صاحب "أيلة" وهي بلدة بفلسطين تعرف الآن بإيلات، ومن أهل "جرباء"، ومن أهل "أذرح" بعد أن انسحبت أمامه جحافل
[5] الروم يوم خرج لقتالهم يوم تبوك، فإن طبيعة النصر تدفع المرء إلى الظفر بأكبر قسط منه، ولكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبى أن يحارب أهل هذه البلاد لما وجد جنوحهم إلى السلم؛ امتثالا لقولهسبحانه وتعالى: "وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم (61)" (الأنفال) [6].
وتحت عنوان "شبهة آية السيف" كتب د. عبد الصبور مرزوق - مفندا هذه المقولات الظالمة في حق الإسلام، ومزيلا شبهة التناقض وحالة الالتباس المثارة في هذا الشأن - فقال: " كثيرون من المبشرين والمستشرقين الظالمين للإسلام يقولون: إن الإسلام شرع القتال - الجهاد - لحمل الناس على الدخول فيه بالقوة، وإنه انتشر بحد السيف. ويستدلون بأن في القرآن آية تعارف المفسرون المسلمون على أن يسموها "آية السيف"، وأنها نسخت مائة وعشرين آية من القرآن تسمح أو تدعو إلى الرفق والمسالمة. وهنا تكون لنا وقفة:
فقد أشرنا من قبل إلى أن الواقع في بلاد الإسلام يؤكد أنه دخل وانتشر في بلاد لم تدخلها أي جيوش مسلمة ولا حدثت فيها أي معارك قتال. ومنطقة شرق وجنوب شرق آسيا كلها خير شاهد على ذلك وكذلك مناطق وسط أفريقيا وجنوبها الشرقي والغربي، فهذه شهادة الواقع على بطلان هذه المقولة.
ونعود إلى الآية التي سموها "آية السيف"، فقد قال بعضهم: إنها قوله سبحانه وتعالى: "إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين (36)" (التوبة)، وواضح من منطوقها أنها تدعو المسلمين إلى التعامل مع أعدائهم بالمثل: كما يقاتلونكم فقاتلوهم كذلك. قالوا آخرون: إن هذه الآية هي قوله سبحانه وتعالى: "فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم (5)" (التوبة)، يقول د. يوسف القرضاوي: وهذه الآية نزلت في مشركي العرب الذين نكثوا العهد وأخرجوا المسلمين من ديارهم وبادروهم بالقتال. وهذا ما يشير إليه قوله سبحانه وتعالى: "ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدءوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين (13)" (التوبة).
ويضيف د. القرضاوي: وقبل هذه الآية نقرأ قوله سبحانه وتعالى: "إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين (4)" (التوبة)، ويأتي بعدها قوله سبحانه وتعالى: "وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون (6)" (التوبة)، فالسياق لا يتحدث عن أي عدوان ولا عن أي قتال، إلا مع الذين نقضوا العهد أو أعانوا الأعداء على قتال المسلمين، ولا أظن أحدا - مسلما أو غير مسلم - ينكر هذا الحق في مواجهة من ينقض العهد أو يساعد العدو، فشأنه في هذه الحالة شأن عدو تجب مواجهته.
ونعود إلى آية السيف - وما زلنا مع بحث د. القرضاوي - فقد قال آخرون: إن آية السيف هي قوله سبحانه وتعالى: "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون (29)" (التوبة)، وهذه الآية نزلت بعد غزوة تبوك، التي كانت في قتال مع دولة الروم البيزنطية، وواضح من قوله سبحانه وتعالى: "حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون" أن المراد: حتى لا يعودوا إلى قتالكم مرة أخرى، ويخضعوا للدولة الإسلامية ويدفعوا لها ضريبة حمايتهم.
على أن مما يوضح أن مقولة "آية السيف"، واعتبارها دليل إدانة للإسلام، هي في حقيقتها مقولة ظالمة وتهمة ساقطة، قوله سبحانه وتعالى: "وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم (61)" (الأنفال)، وبعدها قوله سبحانه وتعالى: "وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين (62)" (الأنفال).
وخلاصة القول هي سقوط شبهة ومقولة: إن الإسلام دين السيف، أو إنه انتشر بحد السيف.
ومما تجدر الإشارة إليه أن في القرآن الكريم آيتين في سورة "الممتحنة" تشكلان إطارا عاما متوازنا يحدد علاقة المسلمين بغير المسلمين في رؤية أخلاقية منصفة لطرفي التعامل - مسلمين وغير مسلمين - جوهرها: نسالم من يسالمنا ونعادي من يعادينا. والآيتان هما قوله سبحانه وتعالى: "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين (8) إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون (9)"(الممتحنة)، وأعتقد أنكم ترون - كما أرى - أن هذا الضابط الأخلاقي والإنساني العادل والمتوازن الذي حددته الآيتان السابقتان أعظم شاهد على إنصاف الإسلام لنفسه وللآخرين، لا يرفضه إلا من يكون العدوان بعض طباعهم فيعتدون ويعتدون، فإذا قام المعتدى عليهم برد هذا العدوان صرخوا: هذا إرهابي يمارس الإرهاب، ومن حقنا أن نسحقه ونسقي الأرض من دمه؟!
ألا ترون معي أن الإسلام في تعامله مع الآخرين عادل ومنصف وعظيم، وأنه يحفظ ويرعى حقوق الآخرين، ولا يفرط كذلك في حقه وحق أتباعه، ومعياره في كل ذلك هو رعاية الحق والعدل
[7].

الخلاصة:
ليس هناك أي وجه للتناقض بين الآيات التي استدل بها هؤلاء على زعمهم، معنا وذلك للآتي:
. المقصود بالموضع الأول أنه خصوصية للأنصار؛ لأنه كان من أبنائهم وإخوانهم من يعيش بين اليهود؛ ملتمسين بذلك طول بقائه، فلما اعتنقوا الإسلام، أرادوا أن يكرهوهم على الإسلام، فأبى النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك، ونزلت الآية: )لا إكراه في الدين(ورغم ذلك، فإن الآية تنطبق على كافة الخلق؛ لأن حكمها عام وشامل؛ فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

. الإسلام لم يكره أحدا على الدخول فيه لأسباب عديدة، منها أن الإكراه:
- يقهر النفس الإنسانية ويذلها.
- يحطم الشخصية الإنسانية ويقتلها.
- يورث في القلوب الأحقاد.
- يجعل إيمان المرء المكره غير مقبول عند الله.
- يزرع النفاق في المجتمع وينتج أفرادا متربصين خونة.
- يسيئ إلى سمعة الدعوة الإسلامية.
- يرسخ في النفس ردود الفعل والانفجارحين تسنح الظروف.

. الإسلام شرع الحرب والقتال لأهداف محددة منها:
- رد الظلم والعدوان عن أرض الإسلام.
- المحافظة على العهود والمواثيق.
- إزالة العقبات التي تعترض طريق الدعوة الإسلامية.

 
____________

[1] المقلات: هي المرأة التي لا يعيش لها ولد.
[2] أخرجه الطبري في تفسيره (5/ 409)، تفسير سورة البقرة، آية (256)، برقم (5818)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (6339).
[3] التحرير والتنوير، الطاهر ابن عاشور، دار سحنون للنشر والتوزيع، تونس، د. ت، مج2، ج2، ص27، 28 بتصرف.
[4] حرية الاعتقاد في الشريعة الإسلامية، د. عبد الله ناصح علوان، دار السلام، مصر ، ط4، 1424هـ/ 2004م، ص31: 33.
[5] الجحافل: جمع الجحفل، وهو الجيش الكبير.
[6] حرية الاعتقاد في الشريعة الإسلامية، د. عبد الله ناصح علوان، دار السلام، مصر، ط4، 1424هـ/ 2004م، ص43: 49 بتصرف.
[7] رسائل إلى عقل الغرب وضميره، د. عبد الصبور مرزوق، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة، ط1، 2006م، ص253: 256.


بيان الإسلام

 
الرد على تناقض القرآن بشأن مصير من اتخذ غير الإسلام دينا طباعة أرسل إلى صديق
مضمون الشبهة:

يتوهم بعض المشككين أن هناك تناقضا بين قوله سبحانه وتعالى: "وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة" (آل عمران: ٥٥)، وقوله سبحانه وتعالى: "ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه" (آل عمران: ٨٥).ويتساءلون: كيف يمدح الله الذين اتبعوا عيسى - وهم النصارى - في موضع، مقررا أنه سيجعلهم فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة، ثم يثبت في موضع آخر أن من يتخذ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه؟! ويهدفون من وراء ذلك إلى ادعاء أن القرآن الكريم من صنع البشر.

وجها إبطال الشبهة:
1) الإسلام توحيد الله، وعقيدته عقيدة كل الأنبياء، وشريعة ختمت بها الشرائع السماوية، فوجب على كل أتباع الرسالات السابقة اتباعها.
2) من آمن بعيسى - عليه السلام - واتبعه فهو مسلم، فإذا بعث محمد - صلى الله عليه وسلم - لا يسعه إلا اتباعه.

التفصيل:
أولا: الإسلام هو دين التوحيد، وعقيدة كل الأنبياء، وشريعة ختمت بها الشرائع السماوية، فوجب على كل أتباع الرسل السابقين اتباعها:
الإسلام هو إخلاص الدين لله بالتوحيد، وهو إسلام الوجه لله تعالى، فلن يقبل الله من أحد دينا غير الإسلام، وهو في الآخرة من الذين وقعوا في الخسران مطلقا قال عز وجــل: "ومن يبتغ غير الإســلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخــرة مــن الخاسريــن (85)" (آل عمران)، فقد رفض الله - سبحانه وتعالى - دين من أراد دينا سوى دين الله، ذلك الدين الذي أنزل به كتبه، وأرسل به رسله، وهو عبادته وحده لا شريك له، والذي استسلم له من في السماوات والأرض طوعا وكرها، فالمؤمن مستسلم بقلبه وقالبه لله، والكافر مستسلم لله كرها، فإنه تحت التسخير والقهر والسلطان العظيم الذي لا يخالف ولا يمانع
[1].
فالإسلام بوصفه عقيدة هو دين جميع الأنبياء والمرسلين قال سبحانه وتعالى: "إن الدين عند الله الإسلام" (آل عمران: 19)، وقال عن إبراهيم: "وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل" (الحج: ٧٨)، وقال سبحانه وتعالى: "ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون (132)" (البقرة)، وقال سبحانــه وتعالــى: "قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن لــه مسلمــون (136)" (البقرة).
أما الإسلام كشريعة - قواعد وأحكام وآداب -، فقد حوى بعض مضامين شرائع الرسالات السابقة وخالفها في بعض آخر، وهو - بهذا المفهوم - الرسالة الخاتمة التي جاء بها محمد- صلى الله عليه وسلم -،ووجب على الخلق أجمعين من يوم أن تصلهم دعوته أن يؤمنوا به ويطرحوا ما هم عليه من شرائع ومذاهب، وبالتالي فلن يقبل منهم بعد بعثة محمد - صلى الله عليه وسلم - سوى الإيمان برسالته - الإسلام - عقيدة وشريعة، ومن ابتغى غيره باء بالخسران المبين.
فكل من آمن بنبيه وأطاعه فله الجنة، وأما بعد بعثة النبي- صلى الله عليه وسلم - فقد نسخت شريعته الشرائع ونسخ دينه الأديان، ولا يقبل من أحد إلا الإسلام، فهذا معنى الآية الأخرى.
ويؤيد ذلك ما جاء عن سلمان أنه قال: سألت النبي- صلى الله عليه وسلم - عن أهل دين كنت معهم، فذكرت من صلاتهم وعبادتهم فنزلت: "إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (62)" (البقرة)
[2]، وقال السدي: "إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (62)" (البقرة) نزلت في أصحاب سلمان الفارسي، بينما هو يحدث النبي إذ ذكر أصحابه فأخبره خبرهم، فقال: كانوا يصلون ويصومون ويؤمنون بك، ويشهدون أنك ستبعث نبيا. فلما فرغ سلمان من ثنائه عليهم قال له نبي الله: "يا سلمان، هم من أهل النار"، فاشتد ذلك على سلمان، فأنزل الله هذه الآية[3].
فكان إيمان اليهود: أنه من تمسك بالتوراة وسنة موسى - عليه السلام - حتى جاء عيسى، فلما جاء عيسى كان من تمسك بالتوراة وأخذ بسنة موسى فلم يدعها ولم يتبع عيسى، كان هالكا، وإيمان النصارى: أن من تمسك بالإنجيل منهم وشرائع عيسى كان مؤمنا مقبولا منه حتى جاء محمد، فمن لم يتبع محمدا منهم ويدع ما كان عليه من سنة عيسى والإنجيل كان هالكا.
وهذا لا ينافي ما جاء عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس "إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (62)" (البقرة)، فأنزل الله بعد ذلك: "ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين (85)" (آل عمران)، فإن هذا الذي قاله ابن عباس إخبار عن أنه لا يقبل من أحد طريقة ولا عملا، إلا ما كان موافقا لشريعة محمد - صلى الله عليه وسلم - بعد أن بعثه به، فأما قبل ذلك، فكل من اتبع الرسول في زمانه فهو على هدى وسبيل ونجاة؛ فاليهود: هم أتباع موسى - عليه السلام - الذين كانوا يتحاكمون إلى التوراة في زمانهم
[4]، فلما بعث عيسى وجب على بني إسرائيل اتباعه والانقياد له، فأصحابه وأهل دينه هم النصارى، فلما بعث الله محمدا خاتما للنبيين ورسولا إلى بني آدم على الإطلاق، وجب عليهم تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، والانكفاف عما عنه زجر، وهؤلاء هم المؤمنون حقا.
ومن النصوص الصريحة في هذا الباب حديث أبي هريرة عن رسول الله أنه قال: «والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار»
[5].

ثانيا: من آمن بعيسى - عليه السلام - واتبعه فهو مسلم، فإذا بعث محمد - صلى الله عليه وسلم - لا يسعه إلا اتباعه:
في الآية: "وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة" (آل عمران: ٥٥)، يقول الله - سبحانه وتعالى - لعيسى ابن مريم: إنني ناصر من اتبعك على الإسلام على الذين كفروا إلى يوم القيامة، وقيل: إن النصارى فوق اليهود إلى يوم القيامة، فليس بلد فيه أحد من النصارى إلا وهم فوق اليهود في شرق أو غرب، فهم - أي اليهود - في كل بلد مستذلون، وقيل: إن عيسى مرفوع عند الله، ثم ينزل قبل يوم القيامة، فمن صدق عيسى ومحمد - عليهما السلام - وكان على دينهما، لم يزالوا ظاهرين على من فارقهم إلى يوم القيامة
[6].
وذكر أنه لما تأكد لعيسى - عليه السلام - عناد بني إسرائيل وإصرارهم على الكفر، أراد أن يميز بين أنصاره الذين آمنوا به من الكافرين، فقال لهم: من منكم ينصر دين الله، ويساعدني على تبليغ ما أمرت به؟ فقال أصفياؤه وخلصاؤه - وكانوا اثني عشر رجلا، وهم الحواريون -: نحن أنصار الله المخلصون لدعوته والمؤمنون بما جئت به، فاشهد بذلك لنا يوم القيامة، ثم توجهوا إلى الله أن يكتبهم مع الذين شهدوا بوحدانيته، وأقروا بربوبيته، واتبعوا رسول الله، قال سبحانه وتعالى: "فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون (52)" (آل عمران)، وقد دعا الله أتباع محمد- صلى الله عليه وسلم - أن ينصروا دين الله، كما فعل الحواريون، قال سبحانه وتعالى: "يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين (14)" (الصف).
فأمر هؤلاء الحواريين أن يؤمنوا بالله وبرسوله عيسى - عليه السلام -، فقالوا: آمنا، واشهد بأنا مسلمون لك واشهد يا عيسى بأننا مسلمون لله، قال سبحانه وتعالى: "وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون (111)" (المائدة)
[7].
وقيل: إن المراد من قوله سبحانه وتعالى: "وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة" (آل عمران: ٥٥)، أنه جاعلهم فوقهم في كثير من مصالح الدنيا؛ لأن ذلك يصح الاشتراك فيه، دون ما يتصل بأمر الآخرة لأن ذلك مما لا يصح الاشتراك فيه بين المسلم والكافر، ولذلك قال: "ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون (55)" (آل عمران)
[8]. أي يوم القيامة، وقد قال عز وجل: "ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا (141)" (النساء)، فهذا في معنى تفضيل المؤمنين على الكافرين.

الخلاصة:
· لا تعارض بين الآيتين؛ إذ الإسلام هو إخلاص الدين لله بالتوحيد، وإسلام الوجه لله - سبحانه وتعالى - هو دين الله الذي أنزل به كتبه، وأرسل به رسله، وهو عبادته وحده لا شريك له، فالإسلام عقيدة، وهو استمرار لعقيدة التوحيد التي تتابع بها الرسل من آدم إلى محمد صلوات الله عليهم أجمعين.
· أما الإسلام شريعة، فقد وافق بعض الشرائع السابقة في بعض الأحكام وخالفها في بعض آخر، وواجب على الخلق أجمعين أن يؤمنوا برسالة الإسلام عقيدة وشريعة - كما جاء بها محمد - صلى الله عليه وسلم - ويدعوا غيرها، ومن ابتغى غير ذلك خاب وخسر.
· الذين اتبعوا عيسى - عليه السلام - على فطرته وسنته هم من أهل الإسلام، وهم الذين ناصروه وآزروه، وهم الذين يصدقون عيسى ومحمدا - عليهما الصلاة والسلام - بعد نزول عيسى من السماء، وهم الحواريون المخلصون لدعوته والمؤمنون بما جاء به.
وقيل: إن المراد أن الله جعل الذين اتبعوا عيسى فوق الذين كفروا في كثير من مصالح الدنيا.


______________
 
[1] تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، دار المعرفة، بيروت، 1400هـ/1980م، ج1, ص378.
[2] أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (1/ 165)، تفسير سورة البقرة، رقم (633).
[3] أخرجه ابن ابي حاتم في تفسيره (1/ 166)، تفسير سورة البقرة، رقم (635).
[4] تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، دار المعرفة، بيروت، 1400هـ/1980م، ج1، ص248.
[5] أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى جميع الناس (403).
[6] انظر: الدر المنثور، السيوطي، دار الفكر، بيروت، ط1، 1983م، ج2، ص227.
[7] دراسات في القرآن الكريم، د. محمد عبد السلام أبو النيل، دار الفكر العربي، القاهرة، ط2، 1987م، ص218، 219.
[8] تنزيه القرآن عن المطاعن، القاضي عبد الجبار، تحقيق: د. أحمد عبد الرحيم السايح، المستشار توفيق علي وهبة، مكتبة النافذة، القاهرة، ط1، 2006م، ص86، 87.


بيان الإسلام

 


الصفحة 1 من 5

mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter
Visitors Counter 1.6