آخر 20 مشاركات
ادْعُوا ربكُمْ تَضَرُّعًا وخُفْيَةً إنَّهُ لَا يُحبُّ المعتَدِين (الكاتـب : * إسلامي عزّي * - )           »          الأب مكاري يونان : لا كورونا ولا بورونا ! (الكاتـب : * إسلامي عزّي * - )           »          طبّ الحروب في زمن الكورونا ! (الكاتـب : * إسلامي عزّي * - )           »          بابا الفاتيكان يطلب من ربّه أن يستيقظ من أجل فيروس كورونا ! (الكاتـب : * إسلامي عزّي * - )           »          Challenging the elders "Sheikhs" of Islam to prove the truth of Islam (الكاتـب : د. نيو - )           »          بالصور و الوثائق المسيحية: تبرئة عمرو ابن العاص من خرافة حريق مكتبة الأسكندرية (الكاتـب : د. نيو - )           »          بالصور: آباء الكنيسه يعتبرون الإستحمام عاده قبيحه !!!!!! (الكاتـب : د. نيو - )           »          مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ (الكاتـب : * إسلامي عزّي * - )           »          سؤال جرىء من مشرف مسيحى خطير: إسلاميا: المسلمون يعبدون كم إله؟؟ (الكاتـب : د. نيو - آخر مشاركة : الشهاب الثاقب - )           »          FORTY YEAR CHRISTIAN MINISTER COLLEGE PROFESSOR ACCEPTS ISLAM (الكاتـب : د. نيو - )           »          تلاوة من سورة البقرة : الشيخ القارئ مختار الحاج (الكاتـب : * إسلامي عزّي * - )           »          الإفخاريستيا في زمن الكورونا : رسالة من كاهن قبطي بالمهجر (الكاتـب : * إسلامي عزّي * - )           »          دعاء و مناجاة (الكاتـب : * إسلامي عزّي * - )           »          معبود الكنيسة خايف من العدوى ! (الكاتـب : * إسلامي عزّي * - )           »          النبيّ الخاتم و تحقق نبوءة تناقص عدد الرجال (الكاتـب : * إسلامي عزّي * - )           »          ذَٰلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ (الكاتـب : * إسلامي عزّي * - )           »          La prophétie est achevée ! (الكاتـب : * إسلامي عزّي * - )           »          آريوس وبولس (الكاتـب : النسر المصرى - )           »          أريوس وبولس (الكاتـب : النسر المصرى - )           »          خلاصة أقوال الآباء في الجسد والتجسد..(ليس هو أقنومين بعد الإتحاد بل أقنوم واحد أقنوم الكلمة... (الكاتـب : ابن النعمان - )

يوحنا الدمشقي "الكذاب الأشر"

القسم النصراني العام


رد
 
أدوات الموضوع أنواع عرض الموضوع
   
  رقم المشاركة :1  (رابط المشاركة)
قديم 16.11.2011, 03:25
صور كلمة سواء الرمزية

كلمة سواء

عضوة مميزة

______________

كلمة سواء غير موجود

الملف الشخصي
التسجيـــــل: 04.04.2010
الجــــنـــــس: أنثى
الــديــــانــة: الإسلام
المشاركات: 3.143  [ عرض ]
آخــــر نــشــاط
09.02.2016 (19:34)
تم شكره 33 مرة في 28 مشاركة
افتراضي يوحنا الدمشقي "الكذاب الأشر"


قلم د. إبراهيم عوض
(هذا المقال مهدى إلى أ. سامى عامرى، الذى حفزنى، دون أن يقصد أو يدرى، بل دون أن يلقانى أو يكلمنى، إلى كتابة هذه الدراسة، إذ أهدانى من خلال صديق مشترك كتابه: “هل القرآن الكريم مقتبس من كتب اليهود والنصارى؟” كى أنظر فيه، فإذا بى بمجرد تصفحى إياه يقع نظرى على اسم يوحنا الدمشقى (منصور بن سرجون)، فيصحّ منى العزم على الكتابة عنه على ما سوف يطالع القارئ العزيز فى ثنايا هذه الدراسة)
نسمع كثيرا بيوحنا الدمشقي (676- 749م) بوصفه أول من كتب يهاجم الإسلام ويتهم الرسول عليه السلام بأنه نبى مزيف ألَّف القرآن بالاستعانة بكتب اليهود والنصارى ثم ادعى أنه رسول يُوحَى إليه من السماء. وكنت الليلة الماضية أقلب صفحات كتاب يدور حول مؤلفى أهل الكتاب الذين اتهموا النبى عليه السلام بأنه ليس نبيا حقيقيا، وجاءت سيرة هذا اليوحنا، فبزغ فى خاطرى أن أكتب عنه شيئا، فكانت هذه الدراسة.

ويُعَدّ يوحنا الدمشقي واحدا من أكبر آباء الكنيسة الشرقية. وبسبب مكانته الدينية عند قومه نراهم يلقبونه بــ”القديس يوحنا” و”يوحنا ينبوع الذهب”. وكان الدمشقى موظفا قبل ذلك فى بلاط بنى أمية بدمشق. وهو رائد الجدل التنصيري ضد الإسلام، وأصبح ما خطته يداه فى هذا الشأن ركيزة من ركائز ذلك النوع من الجدل، إذ أخذ المجادلون من المنصّرين والمستشرقين الذين جاؤوا بعده يستعينون بأكاذيبه وتشنيعاته ويرددون كثيرا منها. ويتلخص ما كتبه ذلك اليوحنا في الزعم بأن الإسلام ليس دينا سماويا، بل هرطقة مسيحية، وأن النبى محمدا صلى الله عليه وسلم كان على معرفة بأسفار العهدين القديم والجديد، وأنه تعلم على يد الراهب بحيرا، وكان يتلقى القرآن وهو نائم. ومما خلفه لنا هذا اليوحنا كتاب مشهور باسم “De Haeresbius: الهرطقة”، يهاجم فيه الرسول محمدا عليه الصلاة والسلام متهما إياه بأنه نبى زائف
وكان والد يوحنا ذا نفوذ عند بنى أمية، إذ كان يعمل في منصب رفيع في مالية الدولة، وبعد وفاة الأب حل الابن محله. وأثناء تلك الفترة قام أحد البطاركة في كنيسة القسطنطينية بإصدار تعليمات تمنع النصارى من تقديس صور المسيح أو مريم العذراء، فهبَّ يوحنا بكل ما لديه من قوة يدافع عن التمسك بالسجود للأيقونات والصور. فانظر، أيها القارئ الكريم، كيف يدافع هذا الغبى عن السجود للصور والأيقونات، وفى ذات الوقت يهاجم رسول التوحيد النقى، وإن كان هذا الدفاع عن السجود للأيقونات والصور فى الواقع هو الوجه الآخر لاتهاماته الكاذبة لسيد الأنبياء والمرسلين.
ويقول بعض من ترجموا ليوحنا الدمشقى إن الإمبراطور البيزنطي ليو الثالث قدم شكوى للخليفة الأموي بدعوى أنه يحرض على ثورة ضد الإمبراطورية. وقيل: بل زَيَّفَ عليه رسالة يفهم منها أنه كان يراسل أعداء الدولة ويخطط لتسليمهم دمشق. فقام الخليفة بعزله وقطع يديه. وهنا تسرد لنا سيرته حكاية مضحكة لا يصدقها إلا معتوه خلاصتها أن يوحنا دخل غرفته عقب قطع يديه وطرح جسده قُدّام أيقونة العذراء، ملصقا كفبه المبتورتين إلى ساعديه، متوسلا إليها، وهو يذرف الدموع، أن تعيد إلصاق يديه المقطوعتين إلى موضعهما. وللحين غفت عيناه فرأى العذراء تبشره بأن دعاءه قد استجيب وأنه قد شُفِىَ، فاستيقظ فرحا مسرورا. لكن موسوعة “كولومبيا” لا تشير من قريب أو من بعيد إلى تلك الحكاية البلهاء التى ترددها المراجع الكنسية، بل تقول ببساطة إن يوحنا الدمشقى استقال من وظيفته فى البلاط الأموى والتحق بأحد الأديرة الفلسطينية. وهو ما تقوله موسوعة “لاروس” الفرنسية، وإن لم تنص على الأمويين أو فلسطين نصًّا (انظر مقال “اللادينية العربية بوابة التنصير الخلفية” المنشور فى “موسوعات الساحة الألكترونية- الموسوعة الحرة”، ومقالا آخر بموسوعة “الويكيبيديا” عنوانه: “انتقاد شخصية محمد بن عبد الله”، وكذلك ترجمة يوحنا الدمشقى فى كل من “الموسوعة البريطانية” و”الموسوعة اليونيفرسالية” الفرنسية و”موسوعة الإنكارتا” بطبعتيها الإنجليزية والفرنسية و”الموسوعة الكاثوليكية” الإنجليزية، وموسوعة “كولومبيا” الإنجليزية والنسخة العربية من “الموسوعة الأرثوذكسية”، وموسوعة “لاروس” الفرنسية). والطريف أن كبار رجال الدين النصارى ممن يروجون لهذه الحكاية المسلية وأمثالها لا يعتمدون فى علاج أمراضهم على العذراء، بل على الطب والأطباء فى ذات الوقت الذى يغرسون فى رُوع العوامّ أن العذراء عليها السلام تظهر فوق أبراج الكنائس وتشفى من يتجمع هناك من المرضى لمشاهدة ظهورها.
وكنت قبل الآن لا يتيسر لى أن أقرأ إلا “عما” كتبه يوحنا الدمشقى لا “ما” كتبه هو نفسه، وغالبا ما كان هذا الذى أقرؤه عبارة عن إشارة صغيرة إلى ما كتبه هذا المأفون… إلى أن كنت أنظر الليلة الماضية فى كتاب قوى ممتع ألفه الأستاذ سامى عامرى، وهو شابٌّ مسلمٌ مُجِيدٌ واسع الاطلاع ذو أسلوب قوى منساب، وإن كان بحاجة إلى شىء من التنقيح تتكفل به المراجعة النهائية إن شاء الله قبل الدفع به إلى القراء، عنوانه: “هل القرآن الكريم مقتبس من كتب اليهود والنصارى؟”، يعرض فيه لما يزعمه المبشرون والمستشرقون من أن الرسول محمدا عليه الصلاة والسلام قد وضع يده على كتب اليهود والنصارى وألف منها دينا جديدا، ويسوق فى آخره ثبتا كبيرا بأسماء المراجع الهامة التى تتصل بهذا الموضوع، وجاءت فى أثناء الكلام سيرة يوحنا الدمشقى بوصفه أول من قال بهذا الزعم وأن جميع من أَتَوْا بعده كانوا عِيَالاًً عليه، فقلت فى نفسى: ولم لا أبحث عن كتابه الذى ساق فيه هذا الكلام لأقرأه بنفسى؟ وأخذت أبحث عن الكتاب المذكور حتى عثرت، فى قسم “Orthodoxy & Islam” من موقع “Orthodox Christian Information Center”، على الصفحات التى خصصها فى ذلك الكتاب للإسلام، وهى نحو عشر صفحات، مترجمة إلى الإنجليزية، فلم يكن عندى من رد فعل لما قرأتُ سوى اليقين بأن كاتب هذا الكلام كذاب جاهل لا يستحى رغم أنه كان من آباء الكنيسة الشرقية، بما يدل على أن داء الكذب والتدليس متأصل فى نفوس هؤلاء الناس منذ قديم الزمان. وقد وَصَف كاتب مادة “St. John Damascene” فى ” Catholic Encyclopedia: الموسوعة الكاثوليكية” ما سطرته يد يوحنا الدمشقى النجسة على النحو التالى:
“In treating of Islamism he vigorously assails the immoral practices of Mohammed and the corrupt teachings inserted in the Koran to legalize the delinquencies of the prophet”.
ونبدأ بعنصر الجهل فى كلام هذا الغبى. وأول ما نتناوله من ذلك قوله إن العرب كانوا طَوَال عمرهم وثنيين يعبدون نجمة الصباح وأفروديت، التى يسمونها فى لغتهم: “كَبَار”، أى الكبيرة. ويتبدى جهله هنا فى قوله إن العرب كانوا دوما وثنيين، إذ الحقيقة أنهم كانوا قبل ذلك موحدين على دين أبيهم إبراهيم، ثم طمس الزمن كثيرا من معالم هذا التوحيد، وإن بقى منهم ناس لم يفارقوا وحدانيتهم الأصلية كانوا ينفرون من الأوثان وعبادتها رغم قلة عددهم، فضلا عمن تحول إلى اليهودية أو النصرانية. ثم أين يا ترى يمكننا أن نجد الإلهة “كَبَار”، تلك التى يزعم ذلك الجاهل أن العرب كانوا يعبدونها؟ الواقع أن العرب لم يكن عندهم إلهة تدعى: “كَبَار”، كما لم يكونوا يعبدون أفروديت على عكس ما يزعم الجاهل، وإن علق محقق الكتاب فى الهامش بما كتبه هيرودوت من أن العرب كانوا يعبدون “أفروديت السماوية” ويسمونها: اللات.
ومن جهله المدقع أيضا تصوره أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يكتب ما ينزل عليه من وحى ثم يتلوه على قومه مكتوبا. وهذا أعجب شىء سمعته فى هذا الصدد، بل أول مرة أقرأ فيها هذا الكلام العجيب، إذ من المعروف الذى لا يجهله أحد سوى ذلك الجاهل المطموس البصيرة أن الرسول لم يكن يمسك فى يده بكتاب يتلو منه على قومه ما يريد تبليغه إليهم من وحى السماء، بل كان يفعل ذلك من حفظه مباشرة.
وفى الآية السادسة عشرة وما بعدها من سورة “القيامة” نقرأ قوله تعالى مخاطبا نبيه محمدا عليه الصلاة والسلام: “لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ* فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَٱتَّبِعْ قُرْآنَهُ* ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ”، وهو ما يشرحه ابن كثير فى تفسيره قائلا: “هذا تعليم من الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم في كيفية تلقيه الوحي من الملك، فإنه كان يبادر إلى أخذه، ويسابق الملك في قراءته، فأمره الله عز وجل إذا جاءه الملك بالوحي أن يستمع له، وتكفل الله له أن يجمعه في صدره، وأن ييسره لأدائه على الوجه الذي ألقاه إليه، وأن يبينه له، ويفسره ويوضحه. فالحالة الأولى جمعه في صدره، والثانية تلاوته، والثالثة تفسيره وإيضاح معناه. ولهذا قال تعالى: “لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ” أي: بالقرآن. كما قال تعالى: “وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءانِ مِن قَبْلِ إَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًا” (طه/ 114). ثم قال تعالى: “إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ” أي: في صدرك، “وَقُرْءَانَهُ” أي: أن تقرأه. “فَإِذَا قَرَأْنَـٰهُ” أي: إذا تلاه عليك الملك عن الله تعالى “فَٱتَّبِعْ قُرْءَانَهُ” أي: فاستمع له، ثم اقرأه كما أقرأك. “ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ” أي: بعد حفظه وتلاوته نبينه لك، ونوضحه، ونلهمك معناه على ما أردنا وشرعنا… وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو يحيى التيمي، حدثنا موسى بن أبي عائشة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحي، يلقى منه شدة، وكان إذا نزل عليه، عرف في تحريكه شفتيه، يتلقى أوله، ويحرك به شفتيه، خشية أن ينسى أوله قبل أن يفرغ من آخره، فأنزل الله تعالى: “لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ”. ومن هذا يتبين أنه لم يكن هناك كتاب ولا كتابة، بل ذاكرة تحفظ ولسان يؤدى ما حفظته الذاكرة، وهو ما تكفل الله به لنبيه على أحسن وجه. وهذا واضح تمام الوضوح، وإلا لرد عليه المشركون فكذبوه بأنه إنما يقرأ عليهم من كتاب فى يده لا من نص محفوظ فى ذهنه.
وغنى عن القول إن ذلك الدمشقى الجاهل لا يقصد أن وحيا قد نزل فعلا على النبى صلى الله عليه وسلم، بل المقصود أنه عليه السلام كان يزعم كذبا أن وحيا ينزل عليه. ويمضى الجاهل فينسب للنبى عليه السلام القول بأن اليهود قد قبضوا على “ظِلّ” المسيح وصلبوه. وهو، بطبيعة الحال، ما لم يقله القرآن ولا النبى عليه الصلاة والسلام كما هو معلوم للجميع. وهذا نص ما جاء فى القرآن المجيد فى هذا الموضوع بسياقه كاملا، والكلام فيه عن بنى إسرائيل: “فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (155) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (156) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (158)”. فأين الكلام عن ظل عيسى هنا؟ لقد قال القرآن إنه قد شُبِّه لليهود، وهذا كل ما هنالك، فلا ظلال ولا يحزنون.
ومما قاله أيضا ذلك اليوحنا أن الله سبحانه وتعالى، حين صعد عيسى إلى السماء بعد نجاته من الصلب، سأله: أأنت قلت للناس: أنا الله وابن الله؟ وأن عيسى قد أجاب قائلا: ارحمنى يا إلهى. أنت تعلم أننى لم أقل هذا وأننى لم أستنكف أن أكون عبدا لك. إلا أن الخطاة من الناس قد اقترفوا الخطيئة فكذبوا علىَّ وكتبوا أننى قلت هذا الكلام، فقال له الله: أنا أعلم بأنك لم تنطق بهذا الكلام.
هذا ما كتبه يوحنا الدمشقى، أما ما جاء فى القرآن عن ذلك الأمر فموجود فى سورة “المائدة”، وها هو ذا نصه بالحرف: “وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118) قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (119)”.
ومن هذه الآيات المباركات يتضح أن الحوار المذكور لم يجر بين الله وعبده المسيح عقب صعود هذا إلى السماء، بل سيجرى يوم القيامة بدليل ما جاء فى آخر الآيات من الإشارة ألى أن ذلك اليوم هو اليوم الذى ينفع فيه الصادقين صدقُهم. وهذا هو يوم القيامة. كما أن السؤال الإلهى لم يكن عما إذا كان عيسى قد قال للناس إنه الله وابن الله، بل عما إذا كان قد قال لهم: اتخذونى وأمى إلهين من دون الله. كذلك ليس فى رد المسيح عليه الصلاة والسلام أية إشارة إلى أن الناس قد كتبوا هذا الكفر أو لم يكتبوه، بل ليس فيه أنهم قالوا هذا أو ذاك عن المسيح، إذ كل ما نقرؤه فى الآيات أن الله سبحانه وتعالى أعلم بما وقع فيه النصارى من تثليث بعدما تَوَفَّى المسيحَ ورفعه إليه.
ولا يقف جهل الجاهل عند هذا الحد بل يتعداه إلى الأوليات: فمثلا نراه يكتب أن محمدا (أو “هذا المحمد” بنص عبارته الوقحة) قد ألف كثيرا من الكتب المضحكة معطيا كل كتاب اسما خاصا. وطبعا لم يكتب محمد شيئا على الإطلاق، بل كان يتلقى الوحى فيبلغه للناس شفاها: مسلميهم وكافريهم ويهودهم ونصاراهم على السواء. كما أنه لم يكن هناك كتب كثيرة، بل كتاب واحد هو القرآن الكريم. أما السور فهى أجزاء من القرآن وليست كتبا، وإلا فهل يوجد فى الدنيا كتاب يتكون من سطر واحد كما هو الحال فى سورة “الصمد” و”الكوثر”، أو سطرين كما فى سورتى “العصر” و”قريش”، أو عدة أسطر أو نصف صفحة أو صفحة مثلا ككثير من السور القرآنية؟
ومن جهله أننا نجده يسمى سورة “النساء” باسم “المرأة”، بصيغة المفرد لا الجمع، واصفا إياها كعادته فى الجهل بأنها “كتاب”، ويقول إن كتابا قرآنيا آخر يحمل اسم “ناقة الله”، وهو ما لا وجود له فى القرآن، بل الموجود سورة “الشمس”، وأن الله عز وجل قال لعيسى بعدما استجاب لدعائه بإنزال مائدة من السماء: “لقد آتيتكم مائدة غير قابلة للفساد”. وكل هذا لا وجود له فى القرآن ولا حتى فى الحديث. وهذا ما جاء فى سورة “المائدة” فى ذلك الموضوع: “إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (112) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (113) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لأَوَّلِنَا وَآَخِرِنَا وَآَيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ (114) قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (115)”.
ومن السور التى تناولها الجاهل الدمشقى بالحديث سورة “البقرة”، وقد سماها كالعادة: “كتابا”، فماذا قال بشأنها؟ لقد ذكر أنها تحتوى على كثير جدا من الأشياء المضحكة التى تمنعه كثرتها من تناولها بالكلام. لكنه استمر فأشار إلى أن محمدا (يقصد القرآن) قد شرع للمسلمين الختان: للرجال والنساء على السواء، وأنه نهاهم عن حفظ السبت والعِمَاد. وطبعا لا وجود لشىء من هذا بتاتا فى “البقرة” ولا فى أية سورة أخرى من سور القرآن، أو من الكتب التى ألفها محمد كما يدعى هذا الجهول.
فهذا عن جانب الجهل فيما كتبه الدمشقى عن الرسول عليه السلام وعن القرآن. وفى محاضرة للمطران جاورجيوس (خضر) بدمشق بتاريخ ٣٠ حزيران ٢٠٠٨م (وهى موجودة على الرابط التالى: http://www.ortmtlb.org.lb/sermons/damascene.htm) نسمع ذلك المطران يؤكد أن يوحنا الدمشقى لم يكن مؤهلا بما فيه الكفاية لتناول القرآن. قال: “في هذا المناخ عمل آل منصور، الذين انحدر منهم ذاك الذي نوجز سيرته هنا. هل كانوا عربًا قبل الفتح؟ وكانت قبائل عربية كثيرة قد استوطنت بلاد الشام. لا نستطيع أن نؤكّد ذلك. الثابت انّهم كانوا يتكلّمون اليونانية مثل كل أهل المدن السورية، والسريانية كانت لغة الريف. ولكني أميل الى الاعتقاد أنهم انكبّوا على العربية فور الفتح، إذ كان عليهم أن يخاطبوا الخلفاء. وقناعتي أن يوحنا الدمشقي ألم بالعربية، إذ نعلم انه كان نديمًا للخليفة يزيد. فاللغة المشتركة بينهما كانت بالضرورة عربيةً ما. ولكن ظنّي أنه لم يكن يملك النص إلى درجة فهمه السليم للقرآن، إذ أخطأ في موضع أو في غير موضع في فهمه للمصادر الإسلامية في كتابه الصغير: “جدل بين مسيحي ومسلم”. غير أننا لم نعثر على أثر منه بالعربية، إذ كان يكتب باليونانية لأهل دينه مفسّرًا العقيدة. ولم يكن يتوقّع أن يقرأه العرب الفاتحون. يبقى أن الأخطل كان صديقًا للعائلة، ولا بد إذًا من أن الذي نؤرّخ له قرأ الشعر العربي. إلى هذا ينبغي التأكيد أن معرفة يوحنا للعربيّة كانت أضعف من معرفته اليونانية، ولاسيّما أن هذه كانت لغة البيت والكنيسة. وما يثبّت نظريّتنا هذه أن أساس الثقافة عند يوحنا جاء من أن أباه وجد أسيرا مسيحيا عند العرب فطلب تحريره إلى بيته، وكان هذا يعرف كل علوم العصر، وأوكل اليه كل تربية ابنه، فأخذ هذا عنه البلاغة والفيزياء والحساب والهندسة وعلم الفلك واللاهوت وما أهّله أن يقتبس من الفلسفة اليونانيّة الكثير”.
والآن جاء دور الكذب. وقبل أن نتعرف إلى الأساليب التدليسية التى انتهجها هذ اليوحنا فى محاربة دين الله ننقل هذه العبارة من مادة “St. John Damascene” فى “The Catholic Encyclopedia: الموسوعة الكاثوليكية” الإنجليزية:
” In treating of Islamism he vigorously assails the immoral practices of Mohammed and the corrupt teachings inserted in the Koran to legalize the delinquencies of the prophet.”
فالرسول الكريم، حسبما يدلّس هذا الكذاب بدم بارد وضمير لا يعرف الخجل، قد وقعت يده على العهدين: القديم والجديد، أى على الكتاب المقدس (طبعا باللغة العربية، إذ إن محمدا لم يكن يعرف إلا لغة قومه)، ثم حدث أن قابل راهبا آريوسيا تحدث معه، فقام فى نفسه أن يؤلف دينا جديدا. هكذا خَبْط لَزْق! لقد قرأ الكتاب المقدس، ثم قابل الراهب وتحدث معه، فابتدع ديانة جديدة! وهل هناك شىء آخر يحتاجه إنشاء دين جديد سوى هذا؟ ألا يرى القارئ أن ذلك الدمشقى الكذاب يتحدث عن تأليف الديانات وكأنه يصف الكيفية التى يتم بها صنع الكبيبة الشامى؟ وليعذرنى القارئ إذا ذكرت الكبيبة الشامى فى سياقنا هذا، فيوحنا دمشقى، أى من الشام، إذ دمشق جزء من سورية، وسورية جزء من الشام. بل إن أهل سوريا ليسمون دمشق نفسها: “الشام” كما نطلق نحن هنا على القاهرة اسم “مصر”. فكان من اللائق أن نأتى بشىء يناسب الموقف حتى يكون هناك اتساق فى الكلام. أليس كذلك؟
أما بخصوص هذا الراهب الآريوسى فقد علق محقق كتاب يوحنا الدمشقى الذى ورد فيه هذا الكلام عن سيد الأنبياء والمرسلين بأنه قد يكون هو الراهب بحيرا، الذى قابل محمدا فى صباه عند بُصْرَى بالشام وقال إنه يرى فيه علامة النبوة: “This may be the Nestorian monk Bahira (George or Sergius) who met the boy Mohammed at Bostra in Syria and claimed to recognize in him the sign of a prophet.”. إذن فمحمد قد قابل الراهب فى صباه. وهل من الممكن أن يفكر صبى فى الثانية عشرة أو نحوها فى اختراع دين جديد؟ أليس هذا من كذابنا الدمشقى سخافة وتنطعا؟ والعجيب أنه يرمى النبى محمدا الصادق الأمين بتأليف الوحى والتدليس على الناس بزعمه أن هذا الوحى إنما ينزل عليه من السماء. بالله من المدلس هنا؟ أليس هو يوحنا الدمشقى ذا الوجه الجامد والجلد الغليظ الكثيف؟ هل رأى منكم أحد أو سمع أو حتى قرأ أن الصبيان يخترعون الأديان أو يفكّرون مجرد تفكير فى اختراعها؟ ولست أنا وحدى الذى يقول هذا، فقد قاله قبلى مثلا توماس كارلايل الكاتب والمفكر الأسكتلندى صاحب كتاب “الأبطال”، إذ سخّف تلك الدعوى المتهافتة، نافيا أن يثمر لقاء بين الصبى محمد وأحد الرهبان الأجانب الذين لا يعرفون اللغة العربية فى الطريق إلى الشام، وبحضرة رجال القافلة القرشية، وطبعا لمدة دقائق معدودة لا أكثر، شيئا ذا بال. َدَعْ عنك تفكير ذلك الصبى فى تأليف ديانة جديدة! بل إن هناك من الأوربيين من يشكون فى وقوع مثل ذلك اللقاء أصلا كإدمون باور (انظر Joseph Huby, Christus: Manuel d’Histoire des Religions, Beauchenese et ses Fils, Paris, 1946, P. 780). وبالله إذا كان هناك مثل ذلك الراهب فلماذا لم يتكلم بما وقع ويعلن الحقيقة موضحا أن ذلك النبى الجديد ليس فى الحقيقة سوى ذلك الصبى الذى التقاه فى بصرى قبل سنين وتعلم منه ما ساعده على تأليف ديانته الجديدة؟ أو لماذا لم ينبر أحد القرشيين الذى كانوا يرافقونه فى تلك الرحلة التجارية ورَأَوْا وسمعوا ما دار بينه وبين الراهب المذكور فيفضح محمدا وينسف دينه بكل سهولة؟
وهذا هو خبر بحيرا حسبما ذكره ابن إسحاق فى السيرة النبوية: “أخبرنا الشيخ أبو الحسين أحمد بن محمد بن النقور البزاز قراءة عليه وأنا أسمع قال: أخبرنا أبو طاهر محمد بن عبد الرحمن المخلص قال: قرئ على أبي الحسن رضوان بن أحمد وأنا أسمع قال: حدثنا أبو عمر أحمد بن عبد الجبار العطاردي قال: حدثنا يونس بن بكير عن محمد بن إسحق قال: وكان أبو طالب هو الذي أضاف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه بعد جده، فكان إليه ومعه. ثم إن أبا طالب خرج في ركب إلى الشام تاجرا. فلما تهيأ للرحيل وأجمع السير صَبَّ له رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ بزمام ناقته وقال: يا عم إلى من تكلني لا أب لي ولا أم؟ فرق له أبو طالب وقال: والله لأخرجن به معي ولا يفارقني ولا أفارقه أبدا، أو كما قال. فخرج به معه، فلما نزل الركب بُصْرَى من أرض الشام، وبها راهب يقال له: بحيرا في صومعة له، وكان أعلم أهل النصرانية، ولم يزل في تلك الصومعة قَطُّ راهب إليه يصير علمهم عن كتاب فيهم فيما يزعمون يتوارثونه كابرا عن كابر، فلما نزلوا ذلك العام ببحيرا، وكانوا يمرون به قبل ذلك فلا يكلمهم ولا يعرض لهم، حتى إذا كان ذلك العام نزلوا به قريبا من صومعته، فصنع لهم طعاما كثيرا. وذلك، فيما يزعمون، عن شيء رآه وهو في صومعته في الركب حين أقبلوا حتى نزلوا بظل شجرة قريبا منه، فنظر إلى الغمام حتى أظلت تحتها. فلما رأى ذلك بحيرا نزل من صومعته، وقد أمر بذلك الطعام فصُنِع، ثم أرسل إليهم فقال: إني قد صنعت لكم طعاما يا معشر قريش، وأنا أحب أن تحضروا كلكم: صغيركم وكبيركم، وحركم وعبدكم. فقال له رجل منهم: يا بحيرا، إن ذلك اليوم لشأنا. ماكنت تصنع هذا فيما مضى، وقد كنا نمر بك كثيرا، فما شأنك اليوم؟ فقال له بحيرا: صدقت. قد كان ما تقول. ولكنكم ضيف، وقد أحببت أن أكرمكم وأصنع لكم طعاما تأكلون منه كلكم: صغيركم وكبيركم. فاجتمعوا إليه، وتخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين القوم، لحداثة سنه، في رحال القوم تحت الشجرة. فلما نظر بحيرا في القوم لم ير الصفة التي يعرف ويجد عنده، قال: يا معشر قريش، لا يتخلفْ أحد منكم عن طعامي هذا. قالوا له: يا بحيرا، ما تخلف إلا غلام في رحالهم. قال: فلا تفعلوا. ادعوه، فليحضر هذا الطعام معكم. فقال رجل مع القوم من قريش: واللات والعزى إن هذا للؤم بنا. يتخلف ابن عبد الله بن عبد المطلب عن الطعام من بيننا! ثم قام إليه فاحتضنه، ثم أقبل به حتى أجلسه مع القوم. فلما رآه بحيرا جعل يلحظه لحظا شديدا، وينظر إلى أشياء من جسده قد كان يجدها عنده في صفته. حتى إذا فرغ القوم من الطعام وتفرقوا قام بحيرا فقال له: يا غلام، أسألك باللات والعزى إلا أخبرتني عما أسألك عنه. وإنما قال له بحيرا ذلك لأنه سمع قومه يحلفون بهما. فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: لا تسلني باللات والعزى شيئا، فو الله ما أبغضت شيئا قط بغضهما. فقال له بحيرا: فبالله إلا أخبرتني عما أسألك عنه. قال: سلني عما بدا لك. فجعل يسأله عن أشياء من حاله: من نومه، وهيئته، وأموره، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره فيوافق ذلك ما عند بحيرا من صفته. ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضعه من صفته التي عنده. فلما فرغ منه أقبل على عمه أبي طالب فقال له: ما هذا الغلام منك؟ قال: ابني. قال له بحيرا: ما هو بابنك، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا. قال: فإنه ابن أخي. قال: فما فعل أبوه؟ قال: مات وأمه حبلى به. قال: صدقت. ارجع بابن أخيك إلى بلده، واحذر عليه اليهود، فوالله لئن رَأَوْه وعرفوا منه ما عرفت ليَبْغُنَّه شرا، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن، فأسرعْ به إلى بلاده. فخرج به عمه أبو طالب سريعا حتى أقدمه مكة حين فرغ من تجارته بالشام. فزعموا فيما يتحدث الناس أن زبيرا وتماما ودريسا، وهم نفر من أهل الكتاب قد كانوا رَأَوْا من رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك السفر الذي كان فيه مع عمه أبي طالب أشياء فأرادوه، فردهم عنه بحيرا، وذكَّرهم اللهَ عز وجل وما يجدون في الكتاب من ذكره وصفته، وأنهم إن أجمعوا لما أرادوا لم يخلصوا إليه، حتى عرفوا ما قال لهم وصدقوه بما قال، فتركوه وانصرفوا. فقال أبو طالب في ذلك من الشعر يذكر مسيره برسول الله صلى الله عليه وسلم وما أرادوا منه (أولئك النفر) وما قال لهم فيه بحيرا:
إن ابن آمنة النبي محمدا * عندي بمثل منازل الأولادِ
لما تعلق بالزمام رَحِمْتُه * والعِيسُ قد قلّصْنَ بالأزوادِ
فارفضَّ من عينيَّ دمعٌ ذارفٌ * مثل الجمان مفرّق الأفرادِ
راعيت فيه قرابةً موصولةً * وحفظتُ فيه وصية الأجداد
وأمرتُه بالسير بين عمومةٍ * بيض الوجوه مَصَالِتٍ أنجادِ
ساروا لأبعدِ طِيّةٍ معلومةٍ * فلقد تباعَدَ طِيّةُ المرتادِ
حتى إذا ما القوم بصرى عاينوا * لاقوا على شَرَكٍ من المرصادِ
حَبْرًا فأخبرهم حديثا صادقا * عنه ورَدَّ معاشر الحسادِ
قوما يهودا قد رَأَوْا ما قد رأى * ظل الغمام وعز ذي الأكيادِ
ساروا لقتل محمد فنهاهمُ * عنه، وأجهد أحسن الإجهاد
فثنى زبيرا بحيرا فانثنى * في القوم بعد تجادلٍ وبعادِ
ونهى دريسا فانتهى عن قوله * حبر يوافق أمره برشاد
وقال أبو طالب أيضا:
ألم ترني من بعد هَمٍّ هممتُه * بفرقة حُرّ الوالدين كرامِ
بأحمدَ لما أن شددتُ مطيتي * برحلي، وقد ودعتُه بسلام
بكى حَزَنًا، والعِيسُ قد فَصَلَتْ بنا * وأخذتُ بالكفين فضل زمامِ
ذكرى أباه ثم رقرقتُ عبرة * تجود من العينين ذات سجام
فقلت: تروَّحْ راشدا في عمومة * مواسين في البأساء غير لئامِ
فرُحْنا مع العِير التي راح أهلها * شآمي الهوى، والأصل غير شآمي
فلما هبطنا أرض بصرى تشرفوا * لنا فوق دور ينظرون جسام
فجاد بحيرا عند ذلك حاشدا * لنا بشراب طيب وطعامِ
فقال: اجمعوا أصحابكم لطعامنا * فقلنا: جمعنا القوم غير غلام
يتيم، فقال: ادعوه، إن طعامنا * كثير، عليه اليوم غير حرامِ
فلما رآه مقبلا نحو داره * يوقِّيه حَرَّ الشمس ظِلُّ غمام
حنا رأسه شبه السجود وضمه * إلى نحره والصدر أي ضمامِ
وأقبل رَكْبٌ يطلبون الذي رأى * بحيرا من الأعلام وسط خيام
فثار إليهم خشية لعُرَامهم * وكانوا ذوي دَهْىٍ معا وعُرَامِ
دريسا وتماما وقد كان فيهمُ * زبير، وكلُّ القوم غير نيام
فجاءوا وقد هموا بقتل محمد * فردهمُ عنه بحسن خصامِ
بتأويله التوراة حتى تفرقوا * وقال لهم: ما أنتم بطغام
فذلك من أعلامه وبيانه * وليس نهار واضح كظلام
وقال أبو طالب أيضا:
بكى طربا لما رآنا محمد * كأن لا يراني راجعا لمعادِ
فبتُّ يجافيني تهلل دمعه * وقرَّبْتُه من مضجعي ووسادي
فقلت له: قَرِّبْ قَعُودك وارتحل * ولا تخش مني جفوة ببلادي
وخَلِّ زمام العيسى وارتحلَنْ بنا * على عزمة من أمرنا ورشاد
ورُحْ رائحا في الراشدين مشيَّعا * لذي رحمٍ في القوم غير مُعَادِ
فرُحْنا مع العير التي راح ركبها * يؤمّون من غوريِّ أرضِ إياد
فما رجعوا حتى رَأَوْا من محمد * أحاديث تجلو غم كل فؤادِ
وحتى رأوا أحبار كل مدينة * سجودا له من عصبة وفراد
زبيرا وتماما، وقد كان شاهدا * دريسا، وهَمُّوا كلهم بفسادِ
فقال لهم قولا بحيرا وأيقنوا * له بعد تكذيب وطول بعاد
كما قال للرهط الذين تهودوا * وجاهدهم في الله كل جهاد
فقال ولم يملك له النصح: رُدَّه * فإن له أرصاد كل مضاد
فإني أخاف الحاسدين، وإنه * أخو الكتب مكتوب بكل مداد”
ونحن، على الأقل، لا نسلم بكل ما جاء فى القصة، وبخاصة هذا الشعر المنسوب إلى أبى طالب، فهو منظوم بأسلوب يختلف اختلافا شديدا عن أسلوب الشعر فى تلك الفترة. بل إنه ليشبه النظم المتخشب الذى لم يكن الجاهليون يعرفونه. وحسنا عمل ابن هشام عندما حذفه من سيرة ابن إسحاق، التى أعمل فيها قلم تنقيحه وتهذيبه كما هو معلوم للدارسين. فمثلا كيف يسمى أبو طالب ابن أخيه الصبى الصغير بـ”النبى”؟ وإذا كان أبو طالب قد آمن قبل الأوان بنبوة ابن أخيه، فلم يا ترى لم يؤمن بتلك النبوة بعدما أصبحت حقيقة واقعة؟ وكيف لم يذكّره النبى بذلك الإيمان القديم حين لم يسارع مع المسارعين إلى الدخول فى دينه؟ ومتى وصَّى أجداد أبى طالب بمحمد؟ ولم وَصَّوْا به؟ وماذا قالوا فى وصيتهم تلك يا ترى؟ أكانوا يقصدون أنه سيكون نبيا وأن واجب أقربائه الحفاظ عليه من الأذى؟ ولكن لماذا كانوا يتوقعون الأذى؟ وهل كانوا يعلمون الغيب؟ فمن أنبأهم بذلك الغيب؟ كذلك ففى لغة ذلك الشعر ما يدل على أنه لا يمكن أن يكون شعرا جاهليا، إذ متى كان الجاهليون يعرفون “الجهاد”، بله عبارة “جاهَد فى الله”؟ إنهم لم يكونوا يعرفون إلا الغزوات القبلية التى تقوم على السلب والنهب لا الجهاد الدينى. ثم إن عبارة “وجاهَدهم في الله كل جهاد”، تشبه أن تكون صدى لقوله تعالى فى سورة “الحج” يخاطب المسلمين: “وجاهِدوا فى الله حق جهاده”، الذى لم يكن نزل بعد لأنه لم يكن هناك قرآن أصلا حتى ذلك الحين.
علاوة على أنه من المستبعد تماما أن تكون ثم مؤامرة على الصبى الصغير فلا يبالى العم بها، تاركا للراهب الأجنبى الذى قابله مصادفة فى بصرى مسؤولية إحباطها، مع اكتفائه بالفرجة وكأنه يشاهد مسرحية مسلية! ترى ألو كانت هذه القصة صحيحة أكان النبى يُغْفِلها فلا يتخذها شاهدا على صدق دعوته، على أقل تقدير: فى المرحلة المبكرة حين كان المكيون يقفون سدا منيعا دون بلوغها آذان الناس وقلوبهم وعقولهم؟ ثم إذا استحضرنا أن أبا طالب نفسه لم يعتنق الإسلام رغم حبه الشديد لابن أخيه فإنه يغلب على ظننا أن القصة، على الأقل: فى هذا الجانب منها، غير حقيقية. ثم مَنْ زبير وتمام ودريس هؤلاء؟ لا أحد يعرف عنهم شيئا. ترى من أين أَتَوْا؟ وأين اختفَوْا؟ وإلى أية قبيلة يَعْتَزُون؟ وما الذى كان قد أتى بهم إلى بُصْرَى؟ لا جواب. لماذا؟ لأنهم لم يكن لهم فى الحقيقة أى وجود. وهل يعقل أن الله لم يظلل محمدا من حر الشمس ويهصر له أغصان الشجرة إلا هذه المرة فقط، ثم يدع سبحانه وتعالى ذلك فلا يعمله بعدها قط ولا حتى بعد نبوته، التى امتدت ثلاثة وعشرين عاما كان يقاسى طوالئذ حر الشمس مثلما يقاسيه أى إنسان آخر؟ لقد كان أحرى بهذه المعجزة أن تقع فى غزوة تبوك مثلا حين بلغت حرارة الشمس درجة شديدة وبلغ العطش بالمسلمين مبلغا معنتا حسبما تصوره بعض الروايات التى أوردها الطبرى فى تفسير الآية 117من سورة “التوبة”، إذ تقول إن المسلمين “خرجوا في غزوة تبوك: الرجلان والثلاثة على بعير، وخرجوا في حرّ شديد، وأصابهم يومئذ عطش شديد، فجعلوا ينحرون إبلهم فيعصرون أكراشها ويشربون ماءها. كان ذلك عُسْرَة من الماء، وعُسْرَة من الظَّهْر، وعُسْرَة من النفقة”، ومن هنا سميت بغزوة “العُسْرَة”. ولماذا، بعد فشل اليهود الثلاثة فى تآمرهم هذا، لم يكرروه ويحاولوا قتل النبى مرة أخرى؟ بل لماذا لم يذكره الرسول أو أحد أصحابه فى المدينة حين ظهرت شرور يهود وشرعوا يثيرون له صلى الله عليه وسلم ولدينه فى المدينة المشاكل؟ وقبل ذلك كله كيف عرف بحيرا أن محمدا الصبى لا بد أن يكون يتيما؟ المفترض أنه، إذا كان يعلم صفة النبى، فإنه يعلمها من الكتاب المقدس. لكن الآيات التى تتحدث فى الكتاب المقدس عن النبى ليس فيها أنه سيكون يتيما. كذلك فإن آية سورة “الصف”، التى تتحدث عن تبشير عيسى بنبينا عليهما السلام، لا تقول أكثر من أن المسيح قد ذكر اسمه ليس إلا.
والملاحظ أن كتب الصحاح لم تأت بأى ذكر للراهب بحيرا بتاتا، بل لقد حاولت أن أجده فى موقع “الدرر السنية” الخاص بالأحاديث النبوية بكل أنواعها فلم أعثر عليه (باسم “بحيرى” بالياء اللينة) إلا فى الحديث التالى الذى أورده ابن كثير فى “البداية والنهاية”: “خرج أبو طالب إلى الشام ومعه رسول الله صلى الله عليه وسلم في أشياخ من قريش. فلما أشرفوا على الراهب، يعني بحيرى، هبطوا فحلوا رحالهم، فخرج إليهم الراهب. وكانوا قبل ذلك يمرون به فلا يخرج ولا يلتفت إليهم. قال: فنزل وهم يحلون رحالهم، فجعل يتخللهم حتى جاء فأخذ بيد النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هذا سيد العالمين. وفي رواية البيهقي زيادة: هذا رسول رب العالمين بعثه الله رحمة للعالمين. فقال له أشياخ من قريش: وما علمك؟ فقال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق شجرة ولا حجر إلا خر ساجدا، ولا يسجدون إلا لنبي. وإني أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه. ثم رجع فصنع لهم طعاما فلما أتاهم به وكان هو في رِعْيَة الإبل فقال: أرسلوا إليه. فأقبل، وغمامة تظله. فلما دنا من القوم قال: انظروا إليه، عليه غمامة. فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فَيْءِ الشجرة. فلما جلس مال فيء الشجرة عليه. قال: انظروا إلى فَيْءِ الشجرة مالَ عليه. قال: فبينما هو قائم عليهم وهو يَنْشُدهم ألا يذهبوا به إلى الروم، فإن الروم إن رَأَوْه عرفوه بالصفة فقتلوه، فالتفت فإذا هو بسبعة نفر من الروم قد أقبلوا، قال: فاستقبلهم، فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: جئنا أن هذا النبي خارج في هذا الشهر فلم يبق طريق إلا بُعِث إليه ناس. وإنا أُخْبِرْنا خبره إلى طريقك هذه. قال: فهل خلفكم أحد هو خير منكم؟ قالوا: لا. إنما أخبرنا خبره إلى طريقك هذه. قال: أفرأيتم أمرا أراد الله أن يقضيه، هل يستطيع أحد من الناس رَدَّه؟ فقالوا: لا. قال: فبايعوه وأقاموا معه عنده. قال: فقال الراهب: أَنْشُدكم اللهَ أيكم وَلِيُّه؟ قالوا: أبو طالب. فلم يزل يناشده حتى رده وبعث معه أبو بكر بلالا، وزوده الراهب من الكعك والزيت”. وقد حكم المحدثون على هذا الحديث بأن “فيه غرابة” طبقا لما جاء فى موقع “الدرر السنية”.
أما أنا فلى عليه بعض الملاحظات الهامة، وهى: هل يعقل أن يكون بحيرا دون كل الخلق الذين كانوا فى المكان هو وحده الذى لاحظ الغمامة وسجود الشجر والحجر؟ ثم يكف يسجد الحجر بالله عليك أيها القارئ؟ لو أن للحجر ارتفاعا مثلما للشجر لقلنا إنه قد مال وانحنى. أما، وليس للحجر ارتفاع كالعمود مثلا، فكيف يسجد؟ ثم لماذا لم يحدث هذا للنبى عليه السلام قبل البعثة أو بعدها إلا تلك المرة فحسب؟ كذلك كيف يصح أن يقال إن أبا بكر قد أرسل بلالا مع النبى فى طريق العودة، وبلال لم يكن من رجال أبى بكر فى ذلك الوقت حتى يكلفه بتلك المسؤولية؟ ذلك أن بلالا كان قبل الإسلام عبدا لأمية بن خلف، ولم يعتقه أبو بكر إلا بعد الدعوة، أى بعد هذا بأعوام كثيرة. وفوق هذا فقد كان أبو بكر فى ذلك الوقت غلاما مثل محمد، فكيف تتحدث عنه القصة بوصفه رجلا ناضجا مسؤولا يرسل معه بلالا كى يضمن ألا يتعرض لأذًى فى طريق العودة؟ وهل يصح التصديق بأن الروم الثلاثة يمكن أن يُسَمُّوا الشخص الذى يريدون أن يقتلوه بـ”النبى”؟ إنهم بهذا إنما يدينون أنفسهم ويحكمون عليها بالكذب والكفر والإجرام، إذ الأنبياء عند من يؤمنون بنبوتهم لا ينبغى أن يُقْتَلوا، ولا يفكر فى قتلهم إلا كافر. بل من أخبرهم يا ترى أن ذلك النبى الذى أرادوا التخلص منه قد خرج إلى الشام وأنه يمر بهذه الطريق؟ أكانوا يعلمون الغيب؟ فمن أعلمهم به، والغيب لا يعلمه إلا الله؟ واضح أن فى القصة أشياء غير قليلة لا يهضمها العقل.
وقد أعاد النصارى صياغة القصة، ولكن على أساس أن بحيرا كان أستاذا لمحمد عَلَّمه النصرانية الآريوسية، فأخذها عنه ولفق منها دينه الجديد. وربما كان أول من قال بذلك هو يوحنا الدمشقى نفسه. وقد فعلوا ذلك انتقاما من الإسلام على طريقتهم فى حرب الأفكار إذ يستعينون بالكذب والتضليل والتدليس دون أدنى قدر من الحياء، بعدما خرج الشام من يد النصرانية واكتسح الدينُ الجديدُ المنطقةَ بل العالم اكتساحا.
وقد عاودت البحث فى الأحاديث النبوية عن “بحيرا”، ولكنْ بالألف هذه المرة، فعثرت عليه فى الأحاديث الخمسة التالية التى أُورِدها مشفوعة بأحكامها عند أهل الصنعة، ثم أحللها كما حللت الحديث السابق الذى رواه ابن كثير فى “البداية والنهاية”. وهذه هى: 1- (حديث) في سفر النبي صلى الله عليه وسلم، وهو مراهق، مع أبي طالب إلى الشام، وقصة بحيرا (الراوي: أبو موسى الأشعري- المحدث: الذهبي- المصدر: ميزان الاعتدال- الصفحة أو الرقم: 2/581- خلاصة حكم المحدث: منكر). 2- أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه صحب النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ابن ثمان عشرة سنة، والنبي صلى الله عليه وسلم ابن عشرين سنة، وهم يريدون الشام في تجارة، حتى إذا نزل منزلا فيه سدرة قعد في ظلها، ومضى أبو بكر إلى بحيرا يسأله عن شيء، فقال له: من هذا الرجل الذي في ظل السِّدْرة؟ فقال: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب. فقال: هذا والله نبي. ما استظل تحتها بعد عيسى إلا محمد. ووقع في قلب أبي بكر. فلما بعث نبي الله صلى الله عليه وسلم اتبعه (الراوي: أبو موسى الأشعرى- المحدث: السخاوي- المصدر: الأجوبة المرضية- الصفحة أو الرقم: 2/884-خلاصة حكم المحدث: إسناده ضعيف). 3- أن أبا بكر الصديق صحب النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ابن ثمان عشرة سنة، والنبي صلى الله عليه وسلم ابن عشرين سنة، وهم يريدون الشام في تجارة، حتى إذا نزل منزلا فيه سدرة قعد في ظلها، ومضى أبو بكر إلى راهب يقال له: بحيرا يسأله عن شيء، فقال له: من الرجل الذي في ظل الشجرة؟ قال: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب. قال: هذا والله نبي، ما استظل تحتها بعد عيسى بن مريم إلا محمد. ووقع في قلب أبي بكر الصديق. فلما بُعِث النبي صلى الله عليه وسلم اتبعه (الراوي: عبد الله بن عباس- المحدث: السيوطي- المصدر: الخصائص الكبرى- الصفحة أو الرقم: 1/86- خلاصة حكم المحدث: إسناده ضعيف). 4- أن كوكبة من فرسان الروم أقبلت على بحيرا كأنها تبحث عن شيء. فلما سألها: ما جاء بكم؟ قالوا: جئنا لأن نبيا يخرج هذا الشهر، فلم يبق طريق إلا بعث إليها الناس للقبض عليه. فجادلهم بحيرا حتى أقنعهم بعبث ما يطلبون (الراوي: أبو موسى الأشعري- المحدث: الألباني- المصدر: فقه السيرة- الصفحة أو الرقم: 66- خلاصة حكم المحدث: صحيح، وإسناده صحيح). 5- التقاؤه بالراهب بحيرا، الذي تفرس فيه ورأى معالم النبوة في وجهه وبين كتفيه. فلما سأل أبا طالب: ما هذا الغلام منك؟ قال: ابني، قال: ما ينبغي أن يكون أبوه حيا! قال: فإنه ابن أخي، مات أبوه وأمه حبلى به. قال: صدقت. ارجع به إلى بلدك واحذر عليه يهود (الراوي: أبو موسى الأشعري- المحدث: الألباني- المصدر: فقه السيرة- الصفحة أو الرقم: 65- خلاصة حكم المحدث: صحيح).
والواقع أن قول الروم الثلاثة إنهم علموا أن نبيا يخرج ذلك الشهر هو قول غير مفهوم، إذ لم يخرج النبى عليه السلام فى ذلك الشهر، بل كان عليه أن ينتظر النبوة عِقْدَيْن آخرين، وهو ما يدل على أن الكلام فى ذلك الموضوع غير منضبط. وفوق هذا كيف كان باستطاعتهم التعرف على النبى صلى الله عليه وسلم بين تلك الأرجاء الشاسعة من الشام وبلاد العرب، وكذلك بين سكان المنطقة كلهم، وهم بالملايين؟ ثم لماذا لم يذكِّر الرسول عليه السلام القرشيين المشركين بتلك الحادثة فى أوائل الدعوة بغية إقناعهم بصحة رسالته حين كانوا يكذّبونه ويعلنون كفرهم به ويصرون عليه ويحيكون له المؤامرات ويؤذونه بالقول والعمل لا يتورعون عن شىء من ذلك؟ هل يُعْقَل أن يكون فى يده عليه الصلاة والسلام وتحت إمرته هذا الدليل الصلب الذى يصعب رده ولا يكلفه فى ذات الوقت شيئا ثم يهمله تماما على هذا النحو الغريب؟ ثم كيف عرف بحيرا أن أحدا غير الأنبياء لم يجلس تحت تلك السدرة؟ أكان يشمّ على ظهر يده؟ أم أوحى الله له بهذا الغيب العجيب؟ أم كان حيا طوال تلك الدهور من لدن آدم حتى محمد، وجالسا فى مكانه يرقب الشجرة ليل نهار لا ينام ولا يلتفت بعيدا عنها ولا يغادر موضعه أبدا ولو لقضاء الحاجة؟ بل قبل ذلك ما الذى أتى بعيسى عليه السلام إلى بُصْرَى أصلا؟ وهل يمكن أن تعيش سدرة طوال تلك الأحقاب حتى ليجلس تحتها كل الأنبياء حسبما جاء فى الخبر؟ الحق أن فى القصة أشياء لا يرتاح إليها المنطق. ولكن فى كل الأحوال لا يمكن المماراة فى أن بحيرا، حتى لو قبلنا كل ما جاء فى تلك القصص، لم يقض مع الصبى الصغير إلا دقائق معدودة، وفى رفقة كبار رجال القافلة على الأقل. فمثل ذلك الوقت لا يتيح لأحد أن يعلِّم أحدا شيئا. ولو افترضنا المستحيل وسلمنا بما افتراه يوحنا الدمشقى وقلنا إن بحيرا قد علم محمدا النصرانية فعلا فى تلك الدقائق (على طريقة “كيف تتعلم الإنجليزية فى ثلاثة أيام بدون معلم؟”) لَعَلِمَ بذلك أولئك المكيون ولحاربوا به الرسول حين أتى بالإسلام، فقصموا ظهر دعوته فى الحال. لكنهم لم يفعلوا شيئا من هذا رغم أنهم لم يتركوا وسيلة من الوسائل القذرة إلا واستغلوها لمحاربته هو ودينه. فما معناه؟ معناه أن شيئا من ذلك لم يحصل بتاتا. أما بحيرا ومن يعلمون من أصحابه الرهبان بما جرى بينه وبين الغلام القرشى فلم يكونوا ليسكتوا عن إعلان ما حدث واتخاذه أداة يفضحون محمدا بها. ولكنهم هم أيضا لم يفتحوا أفواههم بكلمة. فما معنى هذا للمرة الثانية إلا أن كل ما زعمه ذلك اليوحنا هو كذب أبلق وتدليس رخيص مثله بالضبط؟
ويمضى الكذاب القرارىّ فى مزاعمه السخيفة التى لا تنطلى إلا على من كان فى قلبه وعقله مرض فيدعى أن محمدا قد وقع على العهدين القديم والجديد فقرأهما ولفق منهما دينه مدعيا أنه وحى سماوى. وسؤالنا هو: أين يا ترى صادف الرسول عليه السلام الكتاب المقدس؟ هل كانت فى مكة مكتبات يستعار منها مثل تلك الكتب؟ أم هل كان يستعيرها من بعض المستشرقين ممن كانوا يعيشون فى مكة يدرّسون بجامعتها؟ أم ماذا؟ ومن الذى شاهده يا ترى وهو يطالع تلك الكتب ويحفظ ما فيها؟ إنه لم يشاهَد يوما وفى يده كتاب، فكيف ينجّم يوحنا المدلس ويقول هذا الكلام بلا أدنى دليل؟ أهذا هو ما علمهوه دينُه؟ وهل تُنْصَر الأديان بهذا الكذب؟ ثم كيف نفسر تلك الاختلافات بين رواية القرآن ورواية الكتاب المقدس للموضوعات المشتركة بين الكتابين ويتصادف رغم ذلك أن يكون كلام القرآن هو الموافق للمنطق والتاريخ، وكلام الكتاب المقدس مناقضا لهما؟ وكيف تصادف أيضا أن يكون القرآن وحدانىّ الدعوة نقى الوحدانية إلى آخر المدى، والعهد القديم مجسِّدًا للإله فى بعض مواضعه، والأغلبيةالساحقة من أتباع العهد الجديد مثلثين؟
والعجيب الغريب أن دمشقينا الكذاب الذى اتهم النبى الكريم بأنه كان يستعين بكتب اليهود والنصارى وتعلم على يد راهب نصرانى هو هو نفسه الذى زعم أن الرسول كان يأتيه القرآن وهو نائم. فبالله لماذا يأيته القرآن وهو نائم إذا كان هو يؤلفه تأليفا، ويزيفه تزييفا؟ أرأيتم مزيفا يؤلف ما يريد تزييفه وهو نائم؟ إن التزييف والتأليف عملية إرادية واعية، أما ما يقع أثناء النوم فلا وعى ولا إرادة، إذ يكون الإنسان سلبيا تام السلبية. ولكن متى كان الكذابون من أمثال يوحنا الدمشقى يحترمون العقل والمنطق والقراء الذين يطالعون ما يكتبون؟ وعلى كل حال فها هى ذى بعض الروايات التى تتعلق بنبوة سيد البشر بدءا من الإرهاصات الأولى قبل أن تكون نبوة، وصولا إلى الأشكال التى كان ينزل بها الوحى عليه صلى الله عليه وسلم، أسوقها بغض النظر عن مدى صحتها أو ضعفها، فالمهم أن نرى هل فى الروايات الإسلامية ما يمكن أن يكون يوحنا الدمشقى قد استند إليه فى الزعم بأن رسول الله كان يأتيه القرآن فى نومه أَوْ لا.
ففى “صحيح الترمذى” عن عائشة أنها قالت: “أول ما ابتدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من النبوة حين أراد الله كرامته ورحمة العباد به أن لا يرى شيئا إلا جاءت كفلق الصبح. فمكث على ذلك ما شاء الله أن يمكث، وحُبِّبَ إليه الخلوة، فلم يكن شيء أحب إليه من أن يخلو”. فهذا قبل نزول الوحى عليه أيام تحنثه تأهيلا من السماء له كى يكون نبيا، لكنه لم يكن نبيا بعد. وفى “عمدة التفسير” يورد الشيخ أحمد شاكر رواية عن أسماء بنت يزيد هذا نصها: “إني لآخذة بزمام العضباء، ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ نزلت عليه “المائدة” كلها، وكادت من ثقلها تدقّ عضد الناقة”. وفى “صحبح البخارى” عن الصديقة بنت الصديق أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها وأرضاها أن آيات براءتها قد نزلت على النبى فى بيت أبويها، “فأخذه ما كان يأخذه من البُرَحاء، حتى إنه ليتحدر منه العرق مثل الجمان، وهو في يومٍ شاتٍ، من ثقل القول الذي أنزل عليه”. وفى “مجمع الزوائد” للهيثمى عن زيد بن ثابت: “كنت أكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان إذا نزل عليه أخذته بُرَحَاءُ شديدة، وعَرِقَ عرقا شديدا مثل الجمان، ثم سُرِّيَ عنه. فكنت أدخل بقطعة العُسُب أو كسره فأكتب وهو يملي عليَّ. فما أفرغ حتى تكاد رجلي تنكسر من ثقل القرآن حتى أقول: لا أمشي على رجلي أبدا. فإذا فرغت قال: اقرأه. فأقرؤه. فإن كان فيه سقط أقامه (أى كان الرسول يراجع ما يكتبه زيد حتى يتحقق أنه كتب ما أملاه عليه بنحو صحيح لم يخرم منه حرفا)، ثم أَخْرُج به إلى الناس”. ومن حديث الشيخ شاكر فى كتاب “مسند أحمد” من رواية الفاروق رضى الله عنه: “كان إذا نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي يُسْمَع عند وجهه دَوِيٌّ كدَوِيّ النحل. فمكثنا ساعة، فاستقبل القبلة ورفع يديه فقال: اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تُهِنّا، وأعطنا ولا تحرمنا وآثِرْنا ولا تُؤْثِر علينا، وارض عنا وأرضنا. ثم قال: لقد نزلتْ عليَّ عشر آيات من أقامهن دخل الجنة. ثم قرأ علينا “قد أفلح المؤمنون” حتى ختم العَشْر”. فأين النوم هنا؟ ألا يدل هذا كله على أن يوحنا الدمشقى كذابٌ أَشِر؟
تتمة المقال على الصفحة التالية اضغط على الرابط
http://www.burhanukum.com/w/146
الدكتور إبراهيم عوض
للمزيد من مواضيعي

 






المزيد من مواضيعي


توقيع كلمة سواء


رد باقتباس
رد

العلامات المرجعية

الكلمات الدلالية
"الكذاب, الأشر", الدمشقي, يوحنا


الذين يشاهدون هذا الموضوع الآن : 1 ( 0من الأعضاء 1 من الزوار )
 
أدوات الموضوع
أنواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة موضوعات جديدة
لا تستطيع إضافة رد
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

رمز BB تمكين
رمز[IMG]تمكين
رمز HTML تعطيل

الانتقال السريع

الموضوعات المتماثلة
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى ردود آخر مشاركة
المخلص | فيديو : لقاء هام حول "إنجيل يوحنا ومجهولية الكاتب" - معاذ عليان معاذ عليان قناة المخلص 1 22.04.2014 13:20
حوار بين الأخ "الإشبيلي" والضيف "تنوير" حول "حقيقة وجود إله للكون" الاشبيلي الرد على الإلحاد و الأديان الوثنية 51 26.11.2011 18:23
بعد صدمة نشر المصريون وثائق إسلام كامليا بخط يدها .. مستشار البابا يحرض على اعتقال "شهود إسلام كاميليا" ومنع الصحف المصرية من النشر عن قضيتها كلمة سواء غرائب و ثمار النصرانية 1 15.09.2010 19:07
جدعنة الشهيدة "مروة" كانت وراء اعتناق "أنجيلا" الألمانية للإسلام miran dawod ركن المسلمين الجدد 0 12.07.2009 12:54



لوّن صفحتك :