﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (113) ﴾ البقرة من الذي سيحكم بينهم ؟ الله عزَّ وجل، ومن الذي كلمته هي الفاصلة ؟ ومن الذي يقول: أنتم على حق وأنتم على باطل وانتهى الأمر ؟ هو الله عزَّ وجل، فلذلك لنا وقفةٌ يوم القيامة، أنت ادّعِ ما شئت، وامدح نفسك بما شئت، وأسبغ على شخصك كل صفات القداسة، كلام بكلام، لكن الله متكفِّلٌ أن يفصل بينك وبين الآخرين يوم القيامة، جعل الله عزَّ وجل يوم القيامة يوم الفصل، ويوم الدينونة، ويوم الحق . ﴿ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113) ﴾ البقرة والله عزَّ وجل هو الحكم، وهو يعلم السرَّ وأخفى، يعلم حقيقة العمل، تفسير النابلسي |
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا ۚ أُولَٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ[البقرة : 114] أي: لا أحد أظلم وأشد جرما, ممن منع مساجد الله, عن ذكر الله فيها, وإقامة الصلاة وغيرها من الطاعات. {وَسَعَى} أي: اجتهد وبذل وسعه {فِي خَرَابِهَا} الحسي والمعنوي، فالخراب الحسي: هدمها وتخريبها, وتقذيرها، والخراب المعنوي: منع الذاكرين لاسم الله فيها، وهذا عام, لكل من اتصف بهذه الصفة . فجازاهم الله, بأن منعهم دخولها شرعا وقدرا, إلا خائفين ذليلين, فلما أخافوا عباد الله, أخافهم الله {لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ} أي: فضيحة وعار {وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} وإذا كان لا أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه, فلا أعظم إيمانا ممن سعى في عمارة المساجد بالعمارة الحسية والمعنوية, كما قال تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} بل قد أمر الله تعالى برفع بيوته وتعظيمها وتكرريمها, فقال تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} تفسير السعدي |
﴿ وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (115) ﴾ البقرة سواءٌ اتجه المسلمون إلى بيت الله الحرام فثمَّ وجه الله، أو حينما اتجهوا إلى بيت المقدس فثمَّ وجه الله، وإذا صليت في ليلةٍ غائمةٍ ولم تهتدِ إلى القبلة، فصليت باجتهادك، ثم تبيَّن لك أن هذا الاجتهاد غير صحيح فالصلاة مقبولة، فثم وجه الله، ولو كنت مسافراً فقبلتك جهة دابَّتك، ولو كنت خائفاً فقبلتك جهة أَمْنِكَ، أو مريضاً لا سمح الله فقبلتك جهة راحتك (النابلسي) ((إن الله واسع عليم)) يوسع على عباده في دينهم ، ولا يكلفهم ما ليس في وسعهم . ويسع علمه كل شيء . وهو الجواد الذي يسع عطاؤه كل شيء ، وهو واسع المغفرة أي لا يتعاظمه ذنب . وهو المتفضل على العباد وغني عن أعمالهم. (من تفسير القرطبي) ((إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ(115)) يسع خلقه كلهم بالكفاية والإفضال والجود والتدبير . عليم بأفعالهم لا يغيب عنه منها شيء ولا يعزب عن علمه ، بل هو بجميعها عليم. (من تفسير الطبري) |
وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ۗ سُبْحَانَهُ ۖ بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ [البقرة : 116] { وَقَالُوا } أي: اليهود والنصارى والمشركون, وكل من قال ذلك: { اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا } فنسبوه إلى ما لا يليق بجلاله وهو - تعالى - قد حلم عليهم, وعافاهم, ورزقهم مع تنقصهم إياه. { سُبْحَانَهُ } أي: تنزه وتقدس عن كل ما وصفه به المشركون والظالمون مما لا يليق بجلاله، فسبحان من له الكمال المطلق, من جميع الوجوه, الذي لا يعتريه نقص بوجه من الوجوه. ومع رده لقولهم, أقام الحجة والبرهان على تنزيهه عن ذلك فقال: { بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } أي: جميعهم ملكه وعبيده, يتصرف فيهم تصرف المالك بالمماليك, وهم قانتون له مسخرون تحت تدبيره، فإذا كانوا كلهم عبيده, مفتقرين إليه, وهو غني عنهم, فكيف يكون منهم أحد, يكون له ولدا, والولد لا بد أن يكون من جنس والده, لأنه جزء منه. والله تعالى المالك القاهر, وأنتم المملوكون المقهورون, وهو الغني وأنتم الفقراء، فكيف مع هذا, يكون له ولد؟ هذا من أبطل الباطل . والقنوت نوعان: قنوت عام: وهو قنوت الخلق كلهم, تحت تدبير الخالق، وخاص: وهو قنوت العبادة. فالنوع الأول كما في هذه الآية، والنوع الثاني: كما في قوله تعالى: { وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ } تفسير السعدي عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " قال الله تعالى : كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك ، وشتمني ولم يكن له ذلك ، فأما تكذيبه إياي فيزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان ، وأما شتمه إياي فقوله : لي ولد . فسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولدا " .. انفرد به البخاري وفي الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله ; إنهم يجعلون له ولدا ، وهو يرزقهم ويعافيهم " . |
بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ [البقرة : 117] مبدعها وخالقها علي غير مثال سابق يقول الطبري : فمعنى الآية إذًا: وقالوا اتخذ الله ولدا ، سبحانه أن يكون له ولد! بل هو مالك السموات والأرض وما فيهما كل ذلك مقر له بالعبودية بدلالته على وحدانيته. وأنى يكون له ولد ، وهو الذي ابتدع السموات والأرض من غير أصل ، كالذي ابتدع المسيح من غير والد بمقدرته وسلطانه ، الذي لا يتعذر عليه به شيء أراده! بل إنما يقول له إذا قضاه فأراد تكوينه: " كن " ، فيكون موجودا كما أراده وشاءه. فكذلك كان ابتداعه المسيح وإنشاؤه ، إذْ أراد خلقه من غير والد. |
((وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا اللّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ (118))سورة البقرة وكأن كل المعجزات التي أيد الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم لم تكن كافية لإقناعهم . مع أن القرآن كلام معجز وقد أتى به رسول أمي . سألوه عن أشياء حدثت فأوحى الله بها إليه بالتفصيل . جاء القرآن ليتحدى في أحداث المستقبل وفي أسرار النفس البشرية . وكان ذلك يكفيهم لو أنهم استخدموا عقولهم ولكنهم أرادوا العناد كلما جاءتهم آية كذبوا بها وطلبوا آية أخرى (الشعراوي) ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْْ﴾ الأقوام السابقة رأوا البحر أصبح طريقاً يبساً، وهناك من رأى ناقةً خرجت من الجبل، ومن رأى نبياً كريماً وهو سيدنا إبراهيم عليه السلام أُلقي في النار فلم يحترق، هناك أقوامٌ كثيرون رأوا معجزاتٍ حسيَّةً فلم يؤمنوا، فالذي لا تهزُّه آيات الكون لا يهزُّه خرقُها . ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي أن قلوب الشاردين عن الله متشابهة، وأقوالهم متشابهة، ومواقفهم هيَ هي، والكافر هو هوَ، والمنافق هو هوَ في كل زمان ومكان (النابلسي) ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ قد وضحنا العلامات الدالة على صدق الرسل بما لا يحتاج معها إلى سؤال آخر وزيادة أخرى . فكل موقن, قد عرف من آيات الله الباهرة, وبراهينه الظاهرة, ما حصل له به اليقين, واندفع عنه كل شك وريب. (السعدي) |
إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ۖ وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ [البقرة : 119] المرسِل هو الله الرحمن الرحيم أرسل من ؟ أرسل سيد المرسلين وخاتم النبيين ورحمة الله للعالمين وصفه الله فقال : (( وإنَّك لعلي خلق عظيم )) أرسله لمن ؟ أرسله للناس كافة أرسله لي ولك ليخرجنا من ظلمات الشرك والجهل الي نور التوحيد والعلم فما ترك شيئا يقربنا الي الله إلا أمرنا به وما ترك شيئا يبعدنا عن الله إلا نهانا عنه جاء بالدين الحق الشامل لكل نواحي الحياة في عبادتنا ومعاملاتنا ومعاشراتنا وأخلاقنا حتي مع الحيوان والطير والجماد علمنا كيف نسعد في الدنيا والآخرة أرسله الله بالحق بشيرا لمن أطاعه بالسعادة في الدنيا والآخرة ونذيرا لمن عصاه بالشقاء في الدنيا والآخرة فكان حريصا علي هداية الناس وكان متواصل الأحزان علي أحوال الناس وبعدهم عن الله فقال الله له : (( وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ )) لما رآه مهلك نفسه حتي يؤمن الناس ويدخلوا في دين الله وينعموا برضوان الله صلي الله عليك يا سيدي يا رسول الله |
﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ (120)﴾ البقرة أي ليس في الإسلام مجاملات، ولا مداهنة، فالحق حق والباطل باطل ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى(120)﴾ هدى الله الذي جاءني هو وحده الهدى ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (120) ﴾ أحياناً يجتهد الإنسان اجتهاداً خاطئاً أن يجامل الشاردين عن الله عزَّ وجل، فيقول في نفسه: آخذ شيئاً مما عندهم، واستفيد منهم . كلمة دقيقة ومثل بليغ: إذا بلعت السفينة من ماء البحر شيئاً فالبحر سوف يبتلعها كلَّها، فليحافظ المؤمن على استقامته، وعلى طهارته، وعلى صفاء قلبه، وعلى طاعته لله عزَّ وجل، والله هو الفعَّال النابلسي |
( وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ )) 120 البقرة إن العِلّةَ الأصليّة في عدم رِضا اليهود والنصارى عنا هي أننا لم ندخل في دينهم، ليس الذي ينقصهم هو البرهان، ولا الاقتناع بأننا على حق، فهم يعرفون محمدًا كما يعرفون أبناءهم، ويعلمون أنّ ما جاء به من عند الله تعالى هو الحق، لكنهم لن يرضوا ولو قدّمنا إليهم ما قدّمنا، ولو تودّدنا إليهم ما تودّدنا، لن يرضيهم من هذا كله شيء، إلا أن نتبع ملتهم ونترك ما معنا من الحق. وهذه الحقيقة ثابتة في زمن الرسول ومن بعده، فـ(لن) هنا تأبيدية. |
(( قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ ۗ )) 120 سورة البقرة على سبيل الحصر والقصر، هدى الله هو الهدى، وما عداه ليس بهدى، فلا براح منه، ولا فِكاك عنه، ولا محاولة فيه، ولا ترضية على حسابه، ولا مساومة في شيء منه قليل أو كثير، ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، وحذار ـ يا محمد ويا أمة محمد ـ أن تميل بكم الرغبة في هدايتهم وإيمانهم أو صداقتهم ومودتهم عن هذا الصراط الدقيق، وإِن مِلتم عن الهدى فهي الأهواء، |
((وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنْ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ )) [البقرة:120] فإن الخطاب للرسول والأمر لأمته وفيه تهديد ووعيد شديد للأمة عن اتباع طرائق اليهود والنصارى بعد ما علموا من القرآن والسنة عياذا بالله من ذلك تهديد مفزع، وقطع جازم بأن مصيرهم إلى الضعف والفرقة والخلاف وليس لهم من الله ولاية، ولن ينصرهم الله. وحالنا في هذا العصر تفسير عملي لآخر الآية |
وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ ۗ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ [البقرة : 120] ذكر الشيخ ابن عُثيمين - رحمه الله - في تفسيره فوائد للآية الكريمة : أوَّلاً: بيان عناد اليهود والنَّصارى؛ فإنَّهم لن يرضَوا عن أحدٍ مهْما تألَّفهم وبالَغ في ذلك حتَّى يتَّبع ملَّتهم. ثانيًا: الحذر من اليهود والنَّصارى، فإنَّ مَن تألَّفهم وقدَّم لهم تنازُلات، فإنَّهم سيطلبون المزيد، ولن يرضَوا عنه إلاَّ باتّباع ملَّتهم. ثالثًا: أنَّ الكفَّار من اليهود والنَّصارى يتمنَّون أنَّ المسلمين يكونون مثلهم في الكُفر؛ حسدًا لهم؛ رابعًا: استدلَّ كثيرٌ من الفقهاء بقوله تعالى: ﴿ حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ﴾ - حيث أفرد الملَّة - على أنَّ الكفر ملَّة واحدة خامسًا: أنَّ ما علَيْه اليهود والنَّصارى ليس دينًا، بل هو هوى سادسًا: أنَّ العقوبات إنَّما تقع على العبد بعد أن يأْتيه العلم، وأمَّا الجاهل فلا عقوبةَ عليه سابعًا: أنَّ منِ اتَّبع الهوى بعد العلم فهو أشدُّ ضلالة؛ ثامنًا: أنَّ هذا التَّحذير في قوله تعالى: ﴿ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ﴾ موجَّه إلى رسول الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - فكيف بمَن دونه؟ تاسعا : أنَّ ما عليه اليهود والنصارى من دينٍ باطل منسوخٌ بشريعة الإسْلام |
الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [البقرة : 121] قال السعدي في تفسير هذه الآية : أي: يتبعونه حق اتباعه, والتلاوة: الاتباع، فيحلون حلاله, ويحرمون حرامه, ويعملون بمحكمه, ويؤمنون بمتشابهه، وهؤلاء هم السعداء من أهل الكتاب, الذين عرفوا نعمة الله وشكروها, وآمنوا بكل الرسل, ولم يفرقوا بين أحد منهم. فهؤلاء, هم المؤمنون حقا, لا من قال منهم: { نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه } ولهذا توعدهم بقوله { وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } وقال النابلسي في تفسير هذه الآية : أي : إن هؤلاء الذين آتيناهم الكتاب إذا تلوه حق تلاوته، إذا تلوه كما أُنزل عليهم من دون تحريفٍ أو تغيير، إذا تلوه حق تلاوته يؤمنون بمحمدٍ صلى الله عليه وسلَّم، لأن هذه الرسالات متتالية، وكل رسالةٍ تنسخ الرسالة السابقة، والذي آمن بالله عزَّ وجل ينصاع إلى أمره وإلى الإيمان بما جاءه مجدَّداً عن الله عزَّ وجل . |
((الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ)) َ[البقرة : 121] قد تُفهم الآية وحدها بمعنىً آخر : تلاوة الكتاب حق تلاوته أي أن تحسن قراءته، وأن تحسن فهمه، وأن تحسن تدبُّره، وأن تحسن العمل به، فإن قرأته وفهمته وتدبَّرته فقد أحسنت تلاوته، ومعنى التدبر : أي أين أنت من هذه الآية ؟ هل أنت مطبقٌ لها، قد تفهمها ولكن يجب أن تقول: ما علاقتي بها، هل أنا مطبقٌ لها ؟ هل أنا مقصرٌ في تطبيقها ؟ هل أنا مغطَّى بهذه الآية ؟ هل هذه الآية تعنيني ؟ التدبر أن تنظر ما علاقتك بهذه الآية من أجل أن تأخذ موقفاً . النابلسي |
((الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ)) [البقرة : 121] القرآن الكريم من دقة نظمه أن الآية إذا نُزِعَت من سياقها لها معنى مستقل، فإذا وضعت في سياقها لها معنىً آخر، مثلاً حينما قال الله عزَّ وجل: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾(سورة الطلاق) جاءت هذه الآية في سورة الطلاق، أي من يتقِ الله في تطليق زوجته يجعل الله له مخرجاً في إرجاعها، طلَّقها طلاقاً سنياً، طلقها طلقةً واحدة، وطلقها في طهرٍ ما مسها فيه، ولم يطلِّقها في حيض، ولم يطلقها في موضوعٍ لا علاقة لها به، وأبقاها عنده، هذه المشكلة بعد أيام تلاشت، فأرجعها وحُلَّت المشكلة، فمن اتقى الله في تطليق زوجته يجعل الله له مخرجاً إلى إرجاعها . وهذا هو المعنى الخاص . لو نزعت هذه الآية من سياقها فهي قانون، من يتق الله في كسب ماله يجعل الله له مخرجاً من إتلافه، ومن يتقِ الله في اختيار زوجته يجعل الله له مخرجاً من الشقاق الزوجي، ومن يتقِ الله في تربية أولاده يجعل الله له مخرجاً من عقوق الأولاد، ومن يتقِ الله في التوحيد يجعل الله له مخرجاً من الشرك، من يتقِ الله في الإيمان يجعل الله له مخرجاً من الكفر، فهذه الآية يمكن أن تُكتب عليها مجلَّدات، النابلسي |
الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [البقرة : 121] من يكفر بمحمدٍ صلى الله عليه وسلَّم من يكفر برسالته التي جاءته من عند الله عزَّ وجل: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (121)﴾ إذا عُرض عليك الحق ورفضت دعوة الله عزَّ وجل فأنت محتقرٌ لنفسك : ﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ (130) ﴾سورة البقرة الدين وحده إذا رفضته فأنت محتقرٌ لنفسك، ما عرفت قيمة نفسك، ولا عرفت حقها، ولا عرفت أنك المخلوق الأول الذي كرَّمه الله بهذا الدين . النابلسي |
﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (122) ﴾ البقرة هذا لبني اسرائيل وقد تكلمنا عليه سابقا ولكن ماذا عني وعنك ألا نستحضر نعمة الله علينا بأن جعلنا مسلمين موحدين نعرف طريقنا الي الله ومتبعين لخير الخلق نبي الهدي والرحمة سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم وفضلنا علي العالمين بقيامنا بهذا الدين فجعلنا من خير أمة أخرجت للناس ألا نسجد لله شكرا علي هذه النعمة فالحمد لله علي نعمة الإسلام ونعمة الإيمان ونعمة القرآن |
وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ [البقرة : 123] سبق الكلام علي ذلك عند تدبر الآية رقم 48 من سورة البقرة فلنحذر ذلك اليوم الذي لا ينفع فيه إلا الإيمان والعمل الصالح . ولا ينفع وقتها الندم . ولا يقبل أن يفتدي المرء نفسه ولو بملئ الأرض ذهبا . ولا تنفع الشفاعة ولا تقبل إلا ممن أذن له الرحمن ورضي له قولا فاليوم عمل وغدا الحساب والجزاء فلنتهيأ لذلك اليوم ونعمل قبل فوات الأوان اللهم أعنّا علي ذكرك وشكرك وحسن عبادتك |
وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ[البقرة : 124] الله ابتلاه وامتحنه بكلمات أي بأوامر ونواهي كما هي عادة الله في ابتلائه لعباده ليتبين الكاذب الذي لا يثبت عند الابتلاء والامتحان من الصادق الذي ترتفع درجته ويزيد قدره ويزكو عمله وكان من أجلِّهم في هذا المقام الخليل عليه السلام. فأتم ما ابتلاه الله به وأكمله ووفاه فشكر الله له ذلك فقال: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} أي يقتدون بك في الهدى ويحصل لك الثناء الدائم والأجر الجزيل والتعظيم من كل أحد فلما اغتبط إبراهيم بهذا المقام وأدرك هذا, طلب ذلك لذريته لتعلو درجته ودرجة ذريته، وهذا أيضا من إمامته ونصحه لعباد الله ومحبته أن يكثر فيهم المرشدون، فأجابه الرحيم اللطيف وأخبر بالمانع من نيل هذا المقام فقال: { لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ } أي لا ينال الإمامة في الدين من ظلم نفسه وضرها وحط قدرها لمنافاة الظلم لهذا المقام . فإنه مقام طريقه الصبر واليقين ونتيجته أن يكون صاحبه على جانب عظيم من الإيمان والأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة والمحبة التامة والخشية والإنابة تفسير السعدي |
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين جزاك الله خيرا على هذا التدبر القيم لآيات الله العزيز الحكيم |
﴿ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ (124) ﴾ وقال:﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾سورة العنكبوت لابد من أن تُبتلى، سُئل الإمام الشافعي: أيكون الابتلاء أولا أم التمكين ؟ فقال رضي الله عنه: لن تُمكَّن قبل أن تُبتلى النبي امتحن بالضعف بالطائف . وامتحن امتحان القهر، كذَّبوه، وسخروا منه، وأساءوا إليه وامتحن امتحان النصر فتواضع، ودخل مكَّة فاتحاً دخلها مطأطئ الرأس حتى كادت ذؤابة عمامته تلامس عنق بعيره تواضعاً لله عزَّ وجل . وامتحن امتحان الفقر، دخل بيته صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: أعندكم شيء نأكله ؟ قالوا: لا، قال: فإني صائم . وامتحن امتحان الغنى فشكر . وامتحن بموت الولد . وامتحن امتحان الإفك علي زوجته عائشة رضي الله عنها وانقطع الوحي أربعين يوماً وهو صابر، هذا امتحان شديد . وامتحن امتحان الهجرة، وامتحن بمؤامرات حيكت ضدَّه، وبشعراء هَجَوْهُ فصبر وتحمل صلي الله عليه وسلم تفسير النابلسي |
﴿ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ (124) ﴾ قال البغوي : ومعنى الابتلاء: الاختبار والامتحان والأمر، وابتلاء الله للعباد ليس ليعلم أحوالهم بالابتلاء، لأنه عالم بهم، ولكن ليظهر علمه للعباد . ولا بد من أن نُمتحن، وقال النابلسي : قل ما شئت، أعطِ نفسك الحجم الذي تريد، لكن الله متكفِّلٌ أن يُحَجِّمك، أن يضعك في ظرفٍ دقيق يكشف لك حجمك الحقيقي . يمتحن الإنسان في اليوم مئات المرات فإما أن ينجح وإما أن يرسب عند الله أنت مثلاً تقول: أنا لا آخذ درهماً حراماً . صح، ترفض الألف والألفين، والعشرة آلاف، جاءك مليونان تفكِّر، وتقول: عندي أولاد . رسبت في الامتحان . فالإنسان يمتحن والدنيا كلها امتحان، وأنت ممتحن كل يوم بالغنى والفقر . وبالزوجة والولد . وبامتحانات اخري كثيرة قال صلى الله عليه وسلم : (عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له) رواه الإمام مسلم في صحيحه عن صهيب بن سنان رضي الله عنه، |
"وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا" من الآية 125 سورة البقرة تأمل كلمة البيت وكلمة مثابة .. بيت مأخوذ من البيتوته وهو المأوى الذي تأوى إليه وتسكن فيه وتستريح وتكون فيه زوجتك وأولادك .. ولذلك سميت الكعبة بيتا لأنها هي المكان الذي يستريح إليه كل خلق الله .. ومثابة يعني مرجعا تذهب إليه وتعود .. ولذلك فإن الذي يذهب إلي بيت الله الحرام مرة يحب أن يرجع مرات ومرات .. إذن فهو مثابة له لأنه ذاق حلاوة وجودة في بيت ربه . لأن الحجيج وهم في بيت ربهم يذهب عنهم الهم والكرب .. ولذلك فإن الحق سبحانه وتعالى يقول: ((فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ)) (من الآية 37 سورة إبراهيم) أفئدة وليست أجساما وتهوى أي يلقون أنفسهم إلي البيت من خواطر الشعراوي |
((وإذ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً (125)) البقرة أيها الأخوة الكرام ربنا عزَّ وجل لحكمةٍ أرادها اتخذ بيتاً له هو البيت الحرام، ومن قصد هذا البيت ابتغاء وجه الله يلقى فيه شعوراً لا يعرفه إلا من ذاقه، هذا الشعور المُسعد يجعله يتمنَّى أن يعود إليه معنى ثاب ؟ أي رجع، وهذه السعادة التي تعمر قلب الحاج والمعتمر من خلق الله عزَّ وجل، وهذا الأمن قد يفقده أغنى الأغنياء، وقد يفقده أقوى الأقوياء، ولكنه عطاءٌ إلهي خاصٌ بالمؤمن . بالمناسبة فالله عزَّ وجل قادر أن يخلق الأمن في أخطر الظروف ؛ وقادر أن يخلق الخوف في آمن الظروف، فالأمن من خلق الله يلقيه في قلب المؤمن، ﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾ سورة الأنعام وحدهم، ﴿ وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾ سورة الأنعام النابلسي |
﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى(125)﴾ البقرة بماذا قام إبراهيم ؟ قام بالإخلاص ماذا فعل سيدنا إبراهيم ؟ بنى البيت، فاجعل أنت من عملك :﴿ وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً (79)﴾ سورة الأنعام وقال:﴿ قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾سورة الأنعام الآية: 162 فهذا الإخلاص هو أحد خصائص هذا النبي الكريم، تتخذ من الإخلاص سبب اتصالٍ لك بالله عزَّ وجل، بنى البيت، فبناؤه للبيت عمل شاق يبتغي به وجه الله، فاجعل من عملك الصالح سبباً لاتصالك بالله عزَّ وجل، سيدنا إبراهيم عبد الله عبادة مطلقة، أمره بذبح ابنه فتلقى هذا الأمر بالانقياد لثقته المطلقة بحكمة الله وهذه أعلى درجة في العبودية مقام إبراهيم تعبُّده لله عزَّ وجل، ومقام إبراهيم توكُّله، وتفكُّره، وعمله الصالح، فإن أردت أن تصل إلى الله فاجعل من خصائص هذا النبي سبباً إلى الله عزَّ وجل تفسير النابلسي |
﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ (125)﴾ البقرة هذا البيت نُسب إلى الله عزَّ وجل، إلى ذات الله . وهؤلاء الذين يقومون على خدمة بيوت الله هذا عمل عظيم، أنتم قد لا تنتبهون ترون السجاد نظيفاً، الأرض نظيفة، الجدران نظيفة، البلور ممسوحاً، المرافق العامة جميلة، هناك جنود مجهولون يخدمون هذا البيت، خدمة من أعلى مستوى لوجه الله تعالى، هؤلاء من قدوتهم ؟ هذا النبي الكريم ابراهيم عليه السلام ﴿َلِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125)﴾ الإنسان يطوف، فعندما يصل إلى بغيته يعكف، فلما عرف عظمة الله عزَّ وجل ركع له وسجد، فالطواف ثم العكوف ثم الركوع والسجود . هذه أحوال السالكين إلى الله عزَّ وجل، يطوف حول كماليات الله، ثم يستقر على تعظيم الله وعبادته، ثم يرى في النهاية أنه يجب أن يخضع وأن يستعين به، إياك نعبد وإياك نستعين، والقرآن كله جُمع في الفاتحة، والفاتحة جُمعت في إياك نعبد وإياك نستعين، بالنهاية يجب أن نعبده، ويجب أن نستعين به على عبادته. تفسير النابلسي |
﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آَمِناً (126) ﴾ البقرة هنا يوجد نقطة دقيقة قال تعالى : ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً (97)﴾(سورة آل عمران) أي أن الله عزَّ وجل أمرنا أن نجعله آمناً، قال: ينبغي أن يكون آمناً . فماذا يستنبط من هذا الحكم ؟ أي أن هذا بيتٌ من بيوت الله فإياك أن تفعل شيئاً تجر لهذا البيت شبهة، أو استفهام، أو مشكلة، ﴿ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً(18) ﴾( سورة الجن.) لا تعمل عملاً تسبب إشكالاً لرواد المسجد، لا تثر شبهة، ولا تعمل فيه عملاً لا يرضي الله عزَّ وجل، ادخله وأنت مخلص لربك، ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آَمِناً (126) ﴾ البقرة أعظم دعاء أن يكون البلد آمناً، الحروب مدمرة، والحروب الأهلية مُهلكة، وجود بلد آمن من نعم الله الكبرى، ولا يجوز أن تقيم في بلدٍ لا أمن فيه، هذا حكم شرعي . تفسير النابلسي |
﴿ وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ ﴾ من الآية 126 سورة البقرة هذه دعوة سيدنا إبراهيم . إذا ذهب أحدنا إلى مكة لزيارة بيت الله الحرام ورأى ما يعرض في المحلات من أنواع الفواكه يصدِّق هذه الآية: ﴿ وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ ﴾ هناك أنواع من الفواكه لا تعلم اسمها، فواكه العالم كله تساق إلى بيت الله، حتى أن هذه الثروات التي أوجدها الله في بلادهم هي من إكرام الله لحجاج بيت الله الحرام، جعلهم أغنياء ليعتنوا بالحجاج، أما إذا نقض المؤمنون عهد الله وعهد رسوله عندئذٍ يسلط الله عليهم عدواً يأخذ ما في أيديهم، وهذا من دلائل نبوة النبي عليه الصلاة والسلام، تفسير النابلسي |
﴿ وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ (126) ﴾ سورة البقرة هؤلاء عبادك المؤمنون، هم يستحقون هذا الإكرام المؤمنون فقط . ﴿ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126) ﴾ أي أنك إذا وجدت كافراً غنياً جداً، قوياً جداً، ويتمتع بصحة من أعلى درجة وهو يعصي الله، وينتهك حرمات الله ويؤذي الناس فلا يختل توازنك، هذا هو الجواب: أمتعه قليلاً ؛ ثم أقصمه، فالله عزَّ وجل يعطي كل إنسان ولكنه يحب المؤمنين، ويرزق كل إنسان ولكنه يقرِّب الطائعين، والله يعطي الصحة والذكاء والمال والجمال للكثيرين من خلقه، ولكنه يعطي السكينة بقدرٍ لأصفيائه المؤمنين. وأعطى الله المُلك والمال لمن يحب ومن لا يحب . أعطي الملك لسيدنا سليمان عليه السلام وأعطاه لفرعون لعنه الله . وأعطى المال لسيدنا عثمان وسيدنا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما وأعطاه لقارون لعنه الله إذاً ليس الملك مقياساً ولا المال مقياساً، المقياس أن تكون طائعاً لله، تفسير النابلسي |
﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آَمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً (126) ﴾ سورة البقرة ألا يوجد ملوك ماتوا وتركوا كل شيء، هذا المتاع القليل: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنْ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً(77)﴾(سورة النساء) خالق الكون يقول لك: يا عبدي متاع الدنيا قليل . لا تعبأ بالدنيا، والله إن أسعد الناس بها أرغبهم عنها، وأشقاهم فيها أرغبهم فيها، الدنيا تغر، وتضر، وتمر، لا أحد ينتبه للموت، الموت ينهي كل شيء ؛ ينهي غنى الغني، وقوة القوي، ووسامة الوسيم، وفقر الفقير، وضعف الضعيف، وقهر المقهور، كله ينتهي بالموت، ولذلك الدنيا دار من لا دار له ولها يسعى من لا عقل له، فأنت أيها المؤمن كن مع الله : كن مع الله تر الله معك .. واترك الكل وحاذر طمعك وإذا أعطاك من يمنعـه .. ثم من يعطي إذا ما منعك تفسير النابلسي |
((رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ)) من الآية 126 سورة البقرة وفيه أهمية الدعاء والتضرع الي الله فقد صح عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم- أنه قال: الدعاء هو العبادة. ثم قرأ: ((وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين)) الآية 60 سورة غافر " رواه أحمد وأصحاب السنن وغيرهم . وكذلك فضيلة محبة وطلب الخير للناس ولا أمر يدل على مدى إيمان المرء بربه، أكثر من أن يحب لغيره ما يحب لنفسه من خير، فيدعو لإخوانه بالخير الذي يدعو لنفسه، وبالهدى والتقى والعفاف والرحمة، ويستغفر لهم ربهم حتّى يهديهم ويهتدي بهم. وأن يدعو لكل من يعرف من المسلمين وغير المسلمين، في ظهر الغيب بالصلاح والهداية وحسن العمل، حيث يكلف الله مَلكًا يرد على الداعي قائلًا ولك بالمثل، فهذا من حسن الثواب من الله تعالى عز وجل. قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ دَعَا لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ قَالَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِ : آمِينَ ، وَلَكَ بِمِثْلٍ ) رواه مسلم (2732) |
((رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ)) من الآية 126 سورة البقرة الأمن والرزق نعمتان من أعظم النعم علي الانسان فكل الحروب والمنازعات من أجل الاستحواذ عليهما وكل اقتصاد العالم مبني عليهما لذلك فقد امتن الله علي قريش بهما : ((لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف)) سورة قريش وقال : ((وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ)) سورة النحل لذلك كانت دعوة سيدنا ابراهيم مشتملة علي هاتين النعمتين فقال : ((رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ)) من الآية 126 سورة البقرة |
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ النَّارِ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ[البقرة : 126] لأنه رب للجميع فهو يرزق الجميع فالرب هو المعطي الرزاق الوهاب لكل الخلق مهما كانت عقائدهم وأعمالهم لأنه لو منع الرزق فمن يرزق غيره . {إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ ۖ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [العنكبوت : 17] فلفظ الرب دل على توحيد الربوبية المتضمن أنه وحده الرب المربي الخالق الفاطر المالك، ولفظ الله دل على توحيد الإلهية المتضمن أنه وحده الإله المعبود بالمحبة والخوف والرجاء الذي لا تصلح العبادة، والذل والخضوع والحب إلا له . |
وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة : 127] بإظهار قواعد البيت وبناء الكعبة عليها وهما يقومان بهذا العمل العظيم يصاحبه التضرع الي الله أن يتقبل منهما . والقبول من الله يعني ان يرضي ويثيبهما عليه . وافتتاح الدعاء بكلمة ( ربنا ) فيها من الخضوع لله والاجلال له . وهذا من أعظم آداب الدعاء مما يجعله أقرب للاستجابة وختما دعاءهما بذكر اسمين من أسمائه الحسنى، ليؤكدا أن رجاءهما في استجابة دعائهما وثيق، وأن ما عملاه ابتغاء مرضاته جدير بالقبول. لأن من كان سميعا عليما بنيات الداعين وصدق ضمائرهم، كان تفضله باستجابة دعاء المخلصين في طاعته غير بعيد. قرأ أحد الصالحين : (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا) فبكي وقال : يا خليل الرحمن ، ترفع قوائم بيت الرحمن وأنت مشفق أن لا يتقبل منك . وهذا كما حكى الله تعالى عن حال المؤمنين المخلصين في قوله تعالى (والذين يؤتون ما آتوا) أي : يعطون ما أعطوا من الصدقات والنفقات والقربات ( وقلوبهم وجلة ) [ المؤمنون : 60 ] أي : خائفة ألا يتقبل منهم |
وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) ﴾ سورة البقرة العبرة بعملٍ يقبله الله، والله عزَّ وجل يقبل من الأعمال ما كان خالصاً له، يقول العلماء : " العمل لا يقبل إلا بشرطين ؛ إذا كان خالصاً وصواباً، خالصاً ما ابتغي به وجه الله، وصواباً ما وافق السنة " . ثلاث علامات تؤكِّد لك إخلاصك: العلامة الأولى: أنْ يستوي عندك الجهر والسر، أيْ الجلوة والخلوة، والباطن والظاهر، والسريرة والعلانية، العلامة الثانية: ألا يتأثر الإنسان المؤمن المخلص أبداً لرد فعلٍ سيئ لعمله الصالح، وهو لا يبتغي مديح الناس، ولا ثناءهم، ولا استحسانهم، ولا يستجدي عطفهم، بل هو يبتغي بعمله وجه الله عزَّ وجل، العلامة الثالثة: أن العمل الصالح إذا كان خالصاً ارتفع إلى السماء وعادت منه سكينةٌ على قلبك . تفسير النابلسي |
﴿ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) ﴾ سورة البقرة منهج الله عزَّ وجل فيه ترك وفيه بذل، فإنسان ترك الغيبة، وترك النميمة، وابتعد عن الكذب والاحتيال فسلم، بذل من ماله، وبذل من وقته وجهده وإمكاناته وخبرته فسعد، وأنت بالاستقامة على أمر الله تسلم، وبالعمل الصالح تسعد، بل إن علة وجودك على وجه الأرض بعد أن تؤمن بالله هو العمل الصالح، لأنه حينما يأتي ملك الموت لا يندم الإنسان إلا على عمل صالحٍ فاته: ﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ ﴾(سورة المؤمنون) العمل الذي ينتهي عند الموت من أعمال الدنيا، والذي يستمر بعد الموت من أعمال الآخرة، فهذا مقياس دقيق دائماً وأبداً، عند كل عمل اسأل نفسك: هل ينتقل معي هذا العمل إلى القبر أم يبقى في البيت ؟ فالذي يبقى لا تحفل به كثيراً، والذي ينتقل معك إلى القبر احرص عليه . تفسير النابلسي |
رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة : 128] والإسلام هو الخضوع لله والإخلاص في أداء ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه. وخص الذرية بالدعاء لأنهم إذا صلحوا صلح بهم الأتباع وَأَرِنا مَناسِكَنا أى: علمنا شرائع ديننا وأعمال حجنا والمنسك هو غاية العبادة والطاعة، والتوبة تسند إلى العبد فيقال: تاب فلان إلى الله ومعناها الندم على ما لابس من الذنب، والإقلاع عنه، والعزم على عدم العود إليه، ورد المظالم إن استطاع، أو نية ردها إن لم يستطع وتسند إلى الله فيقال: تاب الله على فلان، ومعناها حينئذ توفيقه إلى التوبة، أو قبولها منه. فمعنى وَتُبْ عَلَيْنا وفقنا للتوبة أو تقبلها منا. إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ التواب: كثير القبول لتوبة المنيبين إليه، وقبول توبتهم يقتضى عدم مؤاخذتهم بما يأتونه من سيئات، ثم بعد تخلصهم من عقوبة الخطيئة أو المعاتبة عليها ينتظرون من رحمة الله أن تحفهم بإحسان. (تفسير الوسيط) |
رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة : 128] قال ابن جرير : يعنيان بذلك ، واجعلنا مستسلمين لأمرك ، خاضعين لطاعتك ، لا نشرك معك في الطاعة أحدا سواك ، ولا في العبادة غيرك . وإن من تمام محبة عبادة الله تعالى أن يحب أن يكون من صلبه من يعبد الله وحده لا شريك له ; ولهذا لما قال الله تعالى لإبراهيم ، عليه السلام : ( إني جاعلك للناس إماما ) قال :( ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين ) وهو قوله : ( واجنبني وبني أن نعبد الأصنام ) [ إبراهيم : 35 ] . وقد ثبت في صحيح مسلم ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له " تفسير بن كثير |
رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128)﴾ بشكل مختصر المسلم إنسان مستسلم لله عزَّ وجل، مستسلم في طاعته لله عزَّ وجل، وفي عباداته، والإنسان الذي يفعل ما يراه لصالحه، ويعلِّق تطبيق أي أمرٍ على ما إذا كان هذا الأمر نافعاً له أو ضاراً هذا لا يعبد الله إنما يعبد ذاته، فالمسلم الحق ينطلق إلى تطبيق الأمر لعلةٍ واحدة هي أنه أمر إلهي، وما دام الله قد أمر ينبغي له أن يُطاع، والآمر جلَّ جلاله هو خالق الكون . عندما يكون الإنسان مع طبيب يثق بشهاداته العالية، وخبراته المتراكمة، وورعه إذا قال له توجيهاً، لا يفكر أن يسأله لأنه إنسان متفوق، فكيف مع الواحد الديان ؟! فنحن نبحث عن علَّة الأمر، ونبحث عن حكمة الأمر وهذا الشيء يقوي الدعوة، فإن أردت أن تكون داعيةً ينبغي لك أن تعلم حِكَمَ الأمور، ولكن المسلم الصادق حينما يثبت له أن هذا أمر الله عزَّ وجل لا يتردَّد ثانيةً في تطبيقه، ولا يعلِّق تطبيق هذا الأمر على معرفة حكمته النابلسي |
﴿ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ (128)﴾ سورة البقرة شاع الآن منهج جديد بين المسلمين، منهجٌ ليس من صُلب هذا الدين، وهو أنه لماذا أمرنا الله بكذا ؟ أقنعني !! أليس هذا الأمر في آيةٍ قرآنيةٍ ؟ ألا تؤمن أنت أن هذا القرآن كلام الله عزَّ وجل ؟ وأن هذا القرآن قطعي الثبوت ؟ وهذه الآية قطعيَّة الدلالة ؟ فأنت عليك أن تطبِّق، لكن الله جلَّ جلاله إكراماً لمن كان عبداً له، طائعاً، منصاعاً، مستسلماً، يكشف له حكمة هذا الأمر، فيجمع العبد عندئذٍ بين فضل العابد الذي استسلم لأمر الله، وعلم العالم الذي فقه حكم الله عزَّ وجل ﴿ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ (128)﴾ البقرة وقال: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾ ( سورة الأحزاب الآية: 36 ) إن خيارك في المباحات، أسافر أو لا أسافر، أشتري هذا البيت أو لا أشتري هذا البيت، أعمل في التجارة أو في الوظيفة، أوافق على هذه الفتاة أن أتزوجها أو لا أوافق، أما إذا كان هناك حكم إلهي مقطوعٌ به مجرَّد التفكير في فعله أو عدم فعله ضعفٌ في الإيمان. (تفسير النابلسي) |
جميع الأوقات حسب التوقيت الدولي +2. الساعة الآن 10:11. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2025, Jelsoft Enterprises Ltd.