﴿ بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (90) ﴾ أي كفروا بما أنزل الله على النبي الكريم من قرآن كريم بغيا أي بدافع الحسد فقط اشترى الكفر، ودفع ثمن الكفر الجنة، أسوأ صفقة في التاريخ، ما من إنسانٍ أشد حسرةٍ وندماً يوم القيامة كالذي باع آخرته بدنياه، فمصالحه مع الكفر، أحياناً مصالحه مع المعصية، هناك آية والله أنا أسميها قاصمة الظهر: ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإخوانكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ(24) ﴾التوبة إذا كانت هذه الأشياء أحب إليك من طاعة الله، وطاعة رسوله، وجهاد في سبيله، فالطريق إلى الله مسدود وبالمقابل : ما ترك عبدٌ شيئاً لله إلا عوَّضه الله خيراً منه في دينه ودنياه. الآمر ضامن، والله زوال الكون أهون على الله من أن يضيِّع شاباً آثر طاعة الله على دُنياه، من أرضى الناس بسخط الله أسخط الله عليه الناس وسخط عنه الله، ومن أرضى الله بسخط الناس رضي الله عنه ورضي عنه الناس، تفسير النابلسي |
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (91) ﴾ البقرة إن كنتم تزعمون أنكم متبعون لكتابكم ولن تتبعوا إلا كتابكم، فهل في كتابكم ما ينُصَّ على أن النبي يقتل ؟ أرأيت إلى هذا التناقُض ؟ ومثل هذا التناقض نراه بيننا كمسلمين : يقول لك أحدهم: والله أنا سألت إمام جامع و قال لي: ليس فيها شيء، وانتهت عنده المسألة، هكذا بهذه البساطة ؟ أمتأكد من علمه ؟ أمتأكد من اختصاصه ؟ لماذا إذا أردت أن تبيع بيتك تسأل خمسين دلالاً، ولماذا تكتفي في شؤون الدين بإنسان عابر، إنسان التقيت به صدفةً وسألته فأفتى لك وانتهى الأمر، ولا تعيد هذا السؤال على أحد، بينما من أجل بيع بيتٍ تسأل مئة دلال، ولا تبيع البيت إلا بعد بحثٍ ودرسٍ وتمحيص ودراسة واستقراء، وما إلى ذلك ؟ فهذا تناقض. تفسير النابلسي |
﴿ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (91) ﴾ البقرة توجد في الآية كلمة رائعة وهي كلمة ﴿من قبل﴾ أي لن تستطيعوا أن تقتلوا هذا النبي، اطمئنّوا لن تستطيعوا. قال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ ﴾ 67 المائدة معنى هذه الآية: لن يستطيع أحد أن يغتاله، هذه الآية كانت سبب إسلام إحدى النساء في ألمانيا أن النبي عليه الصلاة والسلام لما جاءه الوحي: ﴿ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ ﴾ صرف حَرَسَهُ، معنى ذلك هو يصدِّق الوحي تصديقاً لا حدود له، لو كانت القضية قضية رؤيا أو أحلام أو شيء مفتعل،لأبقي على حُرَّاسِهِ، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام لما أخبره الله أنه يعصمه من الناس صرف حراسه تصديقا للوحي تفسير النابلسي |
﴿ وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (92) ﴾ أي ظالمون لأنفسكم أي هل من المعقول أن تمشي مع نبي عظيم ووراءك فرعون بقوته وجبروته، وجيشه وأسلحته، وقسوته وظلمه، وأمامك البحر، الأمل بالنجاة صفر : ﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ(61)قَالَ كَلا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِي(62) ﴾ (سورة الشعراء) هؤلاء اليهود رأوا بأم أعينهم كيف أن البحر أصبح طريقاً يبساً، وساروا مع موسى في البحر، وتبعهم فرعون، فلما خرجوا من البحر عاد البحر بحراً، عاد الطريق اليبس بحراً، فغرق فرعون، هل من آيةٍ أعظم من هذه الآية ؟ هل من آيةٍ أعظم في الدلالة على صدق هذا النبي العظيم من هذه الآية ؟ وبعد أن خرجوا من البحر قالوا: يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة، نريد إلهاً نعبده من دون الله. أصبحت العصا ثعباناً مبيناً، نزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين، ضرب البحر بعصاه فإذا هو طريقٌ عظيم، ومع هذا كله اتخذوا عجلاً يعبدونه من دون الله . إذاً المعجزات الحسِّية لا تقدِّم ولا تؤخِّر، هذا الكون بوضعه الراهن أعظم معجزة فمن لم يؤمن به ؛ بقوانينه، وسننه، وعظمته، لن يؤمن بخرق قوانينه . تفسير النابلسي |
﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ (93) ﴾ العهد على الطاعة: ﴿ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ (93) ﴾ هذه من آيات الدالة على عظمته، أي هددناكم بأن يقع الجبل عليكم إن لم تؤمنوا فآمنتم: ﴿ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا (93) ﴾ السماع عند الله عزَّ وجل هو الاستجابة، السماع الذي يريده الله منك أن يعقبه استجابةٌ، لا أن يعقبه تجاهلٌ، ﴿ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ(21)﴾( سورة الأنفال) ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ (93) ﴾ الأصل ان يقولوا سمعنا وأطعنا ولكن قالوا سمعنا وعصينا . لذلك لما أعرضوا عن الله عزَّ وجل تشربت نفوسهم حُبَّ الدنيا، والعجل من ذهب يمثِّل الدنيا، وعندما يكون الإنسان بعيداً عن الله عزَّ وجل تكون الدنيا كل همه ومبلغ علمه، وحب الدنيا يدخل إلى خلاياه تفسير النابلسي |
﴿ قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآَخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (94) ﴾ وهذا الذي وقع بين المسلمين كل فرقةٍ تكفِّر الأخرى وهم يتلون كتاباً واحداً، ومعهم سُنَّةٌ واحدة، هذا مرض ؛ مرض العداوات، مرض البغضاء، مرض المشاحنات، مرض أن تقيم مجدك على أنقاض الآخرين، مرض أن تسفِّه كل رأيٍ إلا رأيك هذا مرض خطير، هذا الذي مزَّق المسلمين، هذا الذي أضعفهم، قال تعالى: ﴿ وَقَالَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾ سورة المائدة الآية 18 معناها ادعاؤكم غير صحيح، لو أن الله قبل دعواكم لما عذَّبكم هناك من يقول الآن: نحن من أمة محمد عليه الصلاة والسلام، وهي أمة مرحومة، أمة محمد المفضلة على أمم العالمين هي أمة الاستجابة . فالذين استجابوا لله وللرسول لما دعاهم، هؤلاء قال الله عنهم:﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾(آل عمران الآية 110) هذه الأمة علة خيريَّتها: ﴿ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾(آل عمران الآية 110) إن لم نؤمن بالله حق الإيمان، ولم نأمر بالمعروف، ولم ننه عن المنكر، فنحن كأية أمة من الأمم، ليس لنا أي شأنٍ عند الله عزَّ وجل. تفسير النابلسي |
﴿ قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآَخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (94) ﴾ والحقيقة : ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ (95)﴾ المستقيم يرجو لقاء الله، المحسن يتمنَّى لقاء الله، المحسن يشتاق إلى الله ؛ لكن الظالم، الفاسق، الفاجر، الذي بنى مجده على أنقاض الناس، بنى ماله على إفقار الناس، هذا لن يتمنى لقاء الله لأن الله سيعذبه وقتها. ﴿ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95) ﴾ بالعكس : ﴿ وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ (96) ﴾ تفسير النابلسي |
وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ۚ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ [البقرة : 96] وجاءت كلمة ( حياة ) نكرة زيادة في تحقيرهم، فهو بيان شدة الحرص على الحياة، ولو كانت حياة بؤس وشقاء، وللإشعار بأن ما يهمهم هو مطلق حياة كيفما كانت، بصرف النظر عن العزة والكرامة، ولا شك أن شدة التهالك على الحياة، تؤدى إلى الجبن، واحتمال الضيم، وتجعل الأمة التي تنتشر فيها هذه الرذيلة لا تفرق بين الحياة الكريمة والحياة الذليلة. قوله ( ومن الذين أشركوا ) قال صاحب الكشاف : فيه توبيخ عظيم، لأن الذين أشركوا لا يؤمنون بعاقبة ولا يعرفون إلا الحياة الدنيا، فحرصهم عليها لا يستبعد لأنها جنتهم، فإذا زاد عليها في الحرص من له كتاب وهو مقر بالجزاء، كان حقيقا بأعظم التوبيخ، فإن قلت: لم زاد حرصهم على حرص المشركين؟ قلت: لأنهم علموا أنهم صائرون إلى النار لا محالة والمشركون لا يعلمون ذلك . تفسير الوسيط |
قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ [البقرة : 97] وروى البخاري في صحيحه- عن أنس بن مالك- رضي الله عنه- قال: سمع عبد الله بن سلام بقدوم النبي صلّى الله عليه وسلّم وهو في أرض يخترف- أى يجنى ثمارها- فأتى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال له: إنى سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي، فما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام أهل الجنة، وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه؟ قال: أخبرنى بهن جبريل آنفا قال: جبريل؟ قال: نعم قال ذلك عدو اليهود من الملائكة- فقرأ النبي صلّى الله عليه وسلّم هذه الآية: قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ ... الآية ثم قال: أما أول أشراط الساعة، فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب! وأما أول طعام أهل الجنة فزيادة كبد الحوت، وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة نزعت فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله. يا رسول الله: إن اليهود قوم بهت، وإنهم إن يعلموا بإسلامى قبل أن تسألهم يبهتونى، فجاءت اليهود فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: أى رجل فيكم عبد الله؟ قالوا: حبرنا وابن حبرنا، وسيدنا وابن سيدنا: قال «أرأيتم إن أسلّم عبد الله بن سلام؟ فقالوا: أعاذه الله من ذلك؟ فخرج عبد الله فقال: «أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله» ، فقالوا: شرنا وابن شرنا، وانتقصوه، قال: فهذا الذي كنت أخاف يا رسول الله |
قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ [البقرة : 97] هذا القرآن الذي نزل مصدقا لكتبكم، هو هاد إلى طريق الفلاح والنجاح، والعاقل لا يرفض الهداية التي تأتيه وتنقذه مما هو فيه من ضلالات ولو كان الواسطة في مجيئها عدوا له، وهو- أيضا- مبشر للمؤمنين برضا الله تعالى- عنهم في الدنيا والآخرة، أما الضالون فقد أنذرهم بسوء العقبى فعليكم أن تتبعوا طريق الإيمان لتكونوا من المفلحين وبذلك يكون القرآن قد أقام حججا متعددة على حماقتهم وعنادهم وجحودهم للحق بعد ما تبين. وتكون الآية الكريمة قد مدحت القرآن بخمس صفات : أولها: أنه منزل من عند الله وبإذنه. وثانيها: أنه منزل على قلب النبي صلّى الله عليه وسلّم. وثالثها: أنه مصدق لما نزل قبله من الكتب السماوية. ورابعها: أنه هاد إلى الخير أبلغ هدى وأقواه. وخامسها: أنه بشارة سارة للمؤمنين. تفسير الوسيط |
مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ [البقرة : 98] فالإيمان بالله وملائكته ورسله وحدة لا تتجزأ فمن كفر بواحد منهم فهو كافر بالجميع. ومعنى عداوة العبد لله: كفره به ومخالفته لأوامره ونواهيه ومعنى عداوته لملائكته: إنكار فضلهم ووصفهم بما ينافي عصمتهم ورفعة منزلتهم. ومعنى عداوته لرسله: تكذيبه لهم وتعمده إلحاق الأذى بهم ومعنى عداوة الله لعبده: غضبه سبحانه- عليه، ومجازاته له على كفره. تفسير الوسيط |
﴿ وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (99) ﴾ هناك علاقة بين التكذيب والفسق وبين الإيمان والاستقامة، سأدلُّك على الطريق، لمجرَّد أن تستقيم على أمر الله تتقبَّل الحق، تتقبَّل الحق بشغفٍ شديد، ويسعدك الحق لأنك مستقيم، ولا تقبل الحق بقدر الفسق . ﴿ وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ (99) ﴾ آيات بيِّنات، واضحات، نيِّرات، مُقنعات، باهرات : ﴿ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (99) ﴾ مثلاً يقول لك إنسان دخله ربوي : هذا الدين لا يتناسب مع العصر، يقول لك : هناك آيات غير معقولة، أمعقول أن يجمد الإنسان ماله ؟ لماذا بدأ يشكُّ في مصداقية كلام الله؟ لأنه انطلق من الربا، إنسان يعيش الاختلاط بكل بشاعته لا يقبل آيات الحجاب أبداً، يرفضها، يقول لك : هذا الحجاب بدعة جاءتنا في العهد العثماني، استمع إلى حجج الفَسَقَة كلهم يتناغمون، كلهم يرفضون الحق، لأنهم إذا رفضوا الحق دافعوا عن أنفسهم، توازنوا، لو قبل معك الحق وهو غير مستقيم انكشف واختل توازنه، صار عنده مشكلة، فلا بد أن يرفض الحق كي يعيد التوازن، تفسير النابلسي |
أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ[البقرة : 100] وهذه من صفات اليهود ويشترك معهم فيها المنافقون " كُلَّمَا " تفيد التكرار, فكلما وجد العهد ترتب عليه النقض، ما السبب في ذلك؟ السبب أن أكثرهم لا يؤمنون، فعدم إيمانهم هو الذي أوجب لهم نقض العهود، ولو صدق إيمانهم, لكانوا مثل من قال الله فيهم: { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ } (تفسير السعدي) أوكلما عاهدوا عهداً نبذه فرق منهم ، أي : طرحوه وانقضوه من النبذ وهو إلقاء الشئ وطرحه لقلة الاعتداد به ومنه سمي النبيذ وهو التمر والزبيب إذا طرحا في الماء وقال الحسن البصري في قوله : ( بل أكثرهم لا يؤمنون ) قال : نعم ، ليس في الأرض عهد يعاهدون عليه إلا نقضوه ونبذوه ، يعاهدون اليوم ، وينقضون غدا . |
﴿ وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101) ﴾ البقرة نبذوا واتبعوا، وأي إنسان لا بد من أن يدرك وأن يتَّبع، فالمؤمن ترك الباطل واتبع الحق، والكافر ترك الحق واتبع الباطل، والويل لمن أعرض عن الحق واتجه إلى الباطل، لمن نبذ كتاب الله المُنَزَّلَ من عند الله، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ـ حبل الله المتين، وصراطه المستقيم، طريق سعادة الإنسان، منهجه القويم ـ واتبع أهواء الناس . أنت أيها الأخ الكريم لابد من أن تسأل نفسك : ما الذي تركته في سبيل الله ؟ وما الذي أقبلت عليه في سبيل الله ؟ الإنسان قد يدع حرفةً فيها معصيةٌ لله، هل تركت شيئاً في سبيل الله ؟ هل أعرضت عن نظريَّةٍ باطلة؟ ماذا تركت وماذا أخذت؟ هناك حقٌ صِرف، وباطلٌ متنوِّعٌ . ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾ ( سورة الأنعام ) تفسير النابلسي |
((وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ ۖ )) من الآية 102 من سورة البقرة ولما كان من العوائد القدرية والحكمة الإلهية أن من ترك ما ينفعه، وأمكنه الانتفاع به فلم ينتفع, ابتلي بالاشتغال بما يضره, فمن ترك عبادة الرحمن, ابتلي بعبادة الأوثان, ومن ترك محبة الله وخوفه ورجاءه, ابتلي بمحبة غير الله وخوفه ورجائه, ومن لم ينفق ماله في طاعة الله أنفقه في طاعة الشيطان, ومن ترك الذل لربه, ابتلي بالذل للعبيد، ومن ترك الحق ابتلي بالباطل. كذلك هؤلاء اليهود لما نبذوا كتاب الله اتبعوا ما تتلوا الشياطين وتختلق من السحر على ملك سليمان حيث أخرجت الشياطين للناس السحر، تفسير السعدي |
{وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ} أي: بتعلم السحر, فلم يتعلمه، {وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا} بذلك. { يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ } من إضلالهم وحرصهم على إغواء بني آدم، ((وما أنزل على الملكين )) قال القرطبي : ما نفي وذلك أن اليهود قالوا : إن الله أنزل جبريل وميكائيل بالسحر ، فنفى الله ذلك . والمعني : وما كفر سليمان ، وما أنزل على الملكين ، ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت ، هذا أولى ما حملت عليه الآية من التأويل ، وأصح ما قيل فيها ولا يلتفت إلى سواه |
﴿ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ (102) ﴾ الشياطين يعلِّمون الناس السحر، يتعاونون مع الإنس لإبطال الحق وإظهار الباطل، يتعاونون مع الإنس لشيوع المعصية، فكل علاقةٍ بين الإنس والجن هي علاقة إضلال، كل علاقةٍ بين الإنس والجن هي علاقة تزوير، هي علاقة صرف الناس عن الله عزَّ وجل، وعن دين الله، وعن كتاب الله . ما من شيءٍ يقرِّبنا إلى الله عزَّ وجل إلا أمرنا النبي به، وما من شيءٍ يبعدنا عن الله عزَّ وجل إلا نهانا النبي عنه، فإذا كان التعاون مع الجن نافعاً، وينفعنا، ويفيدنا، ويقرِّبنا لكان الأولى أن يأمرنا النبي به، إذاً كل شيء لم يرد في السنَّة ينبغي أن لا نفعله لأنه لا نفع منه ﴿ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ (102) ﴾ السحر منتشر في بلاد المسلمين، الساحر ليس على شيء أما المؤمن معه كتاب الله، معه منهج الله، معه سُنة رسول الله ليس لك إلا هذا القرآن، وليس إلا هذه الآيات، وكل إنسان معه سلاح فتَّاك ضد الشيطان ؛ استعذ بالله . تفسير النابلسي |
((فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِه)) وخصص سبحانه هذا اللون من السحر بالنص عليه للتنبيه على شدة فساده. وعلى شناعة ذنب من يقوم به. لأنه تسبب عنه التفريق بين الزوجين اللذين جمعت بينهما أواصر المودة والرحمة. ثم نفى- سبحانه- أن يكون السحر مؤثرا بذاته فقال تعالى: ((وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ)) أى: أن أولئك السحرة لن يضروا أو ينفعوا أحدا بسحرهم إلا بإذن الله وقدرته، ((وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ )) فما يتعلمون من السحر انما يضرهم في دينهم ودنياهم . ولا يأتي لهم بالنفع وإن ظهر لهم ذلك ((وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ )) ولقد علموا ان من استبدل السحر بكتاب الله ليس له من حظ في الجنة، لأنه قد اختار الضلال وترك الهدى، واختيارهم للسحر لم ينشأ عن جهلهم بضرره، وإنما هم الذين اختاروه ومالوا إليه متعمدين وعالمين بعاقبته السيئة. ((وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ.)) ولبئس شيئا باع به أولئك السحرة حظوظ أنفسهم تعلم ما يضر من السحر والعمل به، ولو كانوا ممن ينتفعون بعلمهم لما فعلوا ذلك. تفسير الوسيط |
﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ آَمَنُوا وَاتَّقَوْا (103) ﴾ خالق الكون يقول لك: لو أنك فعلت كذا وكذا لكان خيراً لك . لمجرد أن تؤمن بالله إيماناً يحملك على طاعته فأنت من أولياء الله، وينطبق عليك تعريف الولي: ﴿ أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ(62)الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ(63) ﴾ (سورة فاطر) حينما يصعد عملٌ طيبٌ خالصٌ إلى الله عزَّ وجل يعود عليك منه، هذه المثوبة، ثاب أي رجع، العمل الصالح المبني على إيمان صحيح، الخالص لله عزَّ وجل له عند الله ثواب، ثواب حدِّث ولا حرج، يلقي الله على قلبك السكينة، وهي أثمن شيءٍ يملكه الإنسان على الإطلاق . إذا ألقى الله في قلبك السكينة، وألقى في قلبك الطمأنينة، وألقى في قلبك السعادة، وألقى في قلبك اليقين، وتعلَّقت بما عنده، وزهدت بما فيما أيدي الناس، ورجوت رحمته، وخفت من عذابه هذا هو الثواب . الثواب عمل صالح، صالحٌ في إجراءاته، صالحٌ في نيَّته، أساسه إيمانٌ صحيح هذا يصعد إلى الله عزَّ وجل ويعود سكينةً، وطمأنينةً، وسعادةً، ورضىً، وتوفيقاً، ونجاحاً، وفلاحاً، وسعادةً في الدنيا والآخرة، تفسير النابلسي |
﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (103) ﴾ البقرة إذاً هم لا يعلمون، وفي آيات أخرى أثبت الله لهم العلم، قال ﴿ يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (7) ﴾ ( سورة الروم الآية: 7 ) بجمع الآيات نستنتج أنك إن عرفت الله تعلم، فإن لم تعرفه أنت لا تعلم . العلم والجهل هما العاملان الحاسمان في السعادة والشقاء، والدليل ماذا يقول أهل النار وهم في النار ؟ ﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾ ( سورة الملك ) إذا كنت مع الله كان الله معك، إذا اتبعت منهج الله سعدت في الدنيا والآخرة، إن خالفت كلام الله عزَّ وجل شقيت في الدنيا والآخرة . تفسير النابلسي |
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا (104) ﴾ البقرة كان المؤمنون يخاطبون النبي عليه الصلاة والسلام ويقولون: يا رسول الله راعنا أي ارعنا نحن أتباعك، انصحنا، دُلَّنا على الخير . كان الصحابة الكرام في أعلى درجات الأدب حينما قالوا للنبي عليه الصلاة والسلام: راعنا . أي ارعنا، أي أحطنا برعايتك، دلَّنا على الخير يا رسول الله . لكن لكلمة (راعنا) في لغة اليهود معنىً قبيح، لغة سباب، أي اسمع لا أسمعك الله، بلغة اليهودي، فاليهود كانوا يسبون النبي بقلوبهم، فلما سمعوا أصحاب رسول الله يقولون: راعنا . قالوا: جاءتنا فرصة كي نسبه علانيةً فكانوا يقولون: يا رسول الله راعنا، علم سيدنا سعد بن معاذ ذلك فقال: " والله ما سمعت واحداً يقول للنبي راعنا إلا ضربت عنقه "، اختلف الوضع . ﴿ وَقُولُوا انْظُرْنَا (104) ﴾ هذا معنى يستنبط منه أن كل كلمةٍ تحتمل معنيين، وأنت تريد المعنى السليم ابتعد عنها، هذا سمَّاه العلماء سد الذرائع، فقد تفعل شيئاً لا غبار عليه، ولكنه قد يقود إلى ما هو محرم، فقد تزرع العنب في مكان لا يباع إلا للخمَّارات، فبذلك تكون زراعة العنب محرمة سداً للذريعة، قد تسب إنساناً فيسب الله، سُباب هذا الإنسان محرَّم، من هو الذي يسب أباه؟ يسب أبا الرجل فيسب أباه، فالتحريم تحريم سد ذريعة، هذا حكم شرعي، أنه إذا احتملت كلمة معنيان، فالأولى أن تبتعد عن استخدامها، وأن تستخدم كلمة تحتمل معنى واحداً، وهذا من بلاغة الإنسان وفصاحته . تفسير النابلسي |
مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [البقرة : 105] الحاسد لغباوته يسخط على قدر الله، ويعترض عليه لإنعامه- سبحانه- على المحسود والله- تعالى- هو صاحب التصرف المطلق في الإعطاء والمنع فكان من الواجب على هؤلاء الذين لا يودون أن ينزل أى خير على المؤمنين أن يريحوا أنفسهم من هذا العناء، وأن يتحولوا عن ذلك الغباء، لأن الله- تعالى- يهب خيره لمن يشاء. (تفسير الوسيط) قال الدكتور راتب النابلسي : يتضح في هذه الآية أن الشارد عن الله عزَّ وجل لا يتمنَّى الخير للمؤمن، بينما المؤمن يتمنَّى الخير لغيره، لأنه منضبطٌ بمنهج الله، وسَمَت نفسه باتصالها بالله فصار يحب الخير لكل الخلق، ولكن المؤمن ما يكون له أن يتودَّد لغير المؤمن . التودُّد أساسه الحب، فإذا كان الله لا يحب الكافرين، ولا يحب الفاسقين، ولا يحب الظالمين فكيف تحبُّ من لا يحبُّه الله ؟ يقول الله عزَّ وجل: ﴿ لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ (22)﴾( سورة المجادلة ) وأهل الكفر والشرك لا يتمنَّون الخير لكم، ولا يحبونكم . مع أن المؤمن يتمنى الخير لغير المؤمن، وبغضه له بغضٌ لعمله لا لذاته، وبمجرَّد أن يعود الشارد عن الله إلى الله يحبه المؤمن، لمجرَّد أن يؤمن غير المؤمن يصبح له ما للمؤمنين وعليه ما على المؤمنين . |
﴿ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ (105) ﴾ البقرة الخير الذي من عند الله وحده لا يخضع لرغبة أحد، فأنت إذا تمنيت الخير لفلان أو لم تتمن له الخير لا تمنِّيك يعطيه الخير ولا عدم تمنيك يمنع عنه الخير الشيء الثاني: رحمة الله لمن طلبها: ﴿أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ (218)﴾( سورة البقرة) رحمة الله لمن طلبها وقدّم موجباتها وهي محجوبة عن الكافرين والظالمين والفاسقين: رحمة الله للمحسنين: ﴿ إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (56) ﴾( سورة الأعراف ) رحمة الله للطائعين، رحمة الله للمُصَّلين، رحمة الله للعابدين، رحمة الله للمُخلصين، رحمة الله للتائبين، كان عليه الصلاة والسلام في أعلى درجات الأدب وهو يقول: (اللَّهُمَّ إني أسألُكَ مُوجِباتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ ) ﴿ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105) ﴾ رحمته تابعةٌ لمشيئته، والخير من الله وحده، لا يوجد خير في الأرض إلا من الله، وكل مسلم يعقد الآمال على غير الله سيخيب ظنُّه، وكل مسلم يتوجَّه إلى غير الله لينال منه الخير سيخيب ظنه، وهذا نوعٌ من الشرك |
مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة : 106] أي أن الله قادر أن يعطي الأحكام الشديدة دفعة واحدة، القرآن نزل بالتدريج والتحريم بدأ بالتدريج، وهذه حكمة الله عزَّ وجل، أي خذ الأمر بالتدريج ، لذلك تحتاج الدعوة إلى الله ـ كما يقولون ـ إلى التدرُّج لا إلى الطَّفرة، إلى التربية لا إلى التَعْرِيَة، الإحسان قبل البيان، القدوة قبل الدعوة، الأصول قبل الفروع (تفسير النابلسي) ((أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)) الم تعلم يا من آمنت بالله ربا أن من صفات الله العلم والقدرة والحكمة فإذا كنت آمنت به فيجب أن تسلم وتخضع له وتعلم أن ما يقدره الله هو الخير لك فإذا قرأت قول الله عز وجل : ((مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ )) فما عليك إلا أن تقول سمعنا وأطعنا ايمانا بحكمة الله وعلمه وقدرته . ولا تلتفت لأقوال المشككين من اليهود والملحدين |
(مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ ) من قدح في النسخ فقد قدح في ملكه وقدرته فقال: { أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } ومن تأمل ما وقع في القرآن والسنة من النسخ, عرف بذلك حكمة الله ورحمته بعباده, وإيصالهم إلى مصالحهم, من حيث لا يشعرون بلطفه . (تفسير السعدي) يقول بن كثير : يرشد الله تعالى بهذا إلى أنه هو المتصرف في خلقه بما يشاء ، فله الخلق والأمر وهو المتصرف ، فكما خلقهم كما يشاء ، ويسعد من يشاء ، ويشقي من يشاء ، ويصح من يشاء ، ويمرض من يشاء ، ويوفق من يشاء ، ويخذل من يشاء ، كذلك يحكم في عباده بما يشاء ، فيحل ما يشاء ، ويحرم ما يشاء ، ويبيح ما يشاء ، ويحظر ما يشاء ، وهو الذي يحكم ما يريد لا معقب لحكمه . ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون . ويختبر عباده وطاعتهم لرسله بالنسخ ، فيأمر بالشيء لما فيه من المصلحة التي يعلمها تعالى ، ثم ينهى عنه لما يعلمه تعالى . . فالطاعة كل الطاعة في امتثال أمره واتباع رسله في تصديق ما أخبروا . وامتثال ما أمروا . وترك ما عنه زجروا |
أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ ۗ وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ [البقرة : 108] والمراد بذلك, أسئلة التعنت والاعتراض وأما سؤال الاسترشاد والتعلم, فهذا محمود قد أمر الله به ولهذا ثبت في الصحيحين من حديث المغيرة بن شعبة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينهى عن قيل وقال ، وكثرة السؤال ، وإضاعة المال وفي صحيح مسلم : " ذروني ما تركتكم ، فإنما هلك من قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ، فإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ، وإن نهيتكم عن شيء فاجتنبوه " (وَمَنْ يَتَبَدَّل الْكُفْر بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيل) وَهَذِهِ السَّبِيل هِيَ الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم الَّذِي أُمِرْنَا بِمَسْأَلَتِهِ الْهِدَايَة لَهُ بِقَوْلِهِ : { اهْدِنَا الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ } . لذلك علينا أن نتبع هدي رسول الله في كل حياتنا ولا نستبدله بعادات وتقاليد أهل الكفر . فمن أعرض عن هدي رسول الله وطريق الذين أنعم الله عليهم من الصحابة والتابعين فقد ضل سواء السبيل |
(( وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً )) من الآية 109 سورة البقرة الإنسان بفطرته ينبغي أن يكون مؤمناً، فالإنسان فطرته هي حب الحق، وطاعة الله، فإذا ابتعد عن الحق وعصى الله عزَّ وجل يختل توازنه، هذا الاختلال مُزعج، كيف يستعيد هذا الاختلال ؟ هناك ثلاث حالات ؛ حالة واحدة صحيحة وحالتان مرضيَّتان . 1ـ الحالة الصحيحة أن يصطلح مع الله ويتوب إليه ويستسلم لأمره ويطيعه 2ـ أن تطعن بالمؤمنين لتوهم نفسك أن الناس جميعاً هكذا 3ـ الشيء الثالث: أن تتعلَّق بفكرٍ ضال يُغَطِّي انحرافك، ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً (109)﴾ ذلك ليستعيدوا توازنهم، هم حينما كفروا اختل توازنهم، لأنهم خالفوا فطرتهم، خالفوا جبلَّتهم، فلمَّا رأوا المؤمنين ملتزمين، منيبين، محبِّين، متعاونين، سعداء فهذا الشيء مقلق، فتمنوا أن يختل توازنهم مثلهم وأن يعودوا كفَّاراً . تفسير النابلسي |
(( وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً )) من الآية 109 سورة البقرة يقول د. راتب النابلسي : حدَّثني رجل يعمل في التجارة كان مُسرفاً في المعاصي، ذهب إلى بيت الله الحرام وحجَّ وتاب إلى الله، فلما عاد إلى بلده كان في جَلْسةٍ مع أصدقائه القُدامى ـ وهذا خطأٌ كبير ـ قال له أحدهم: اشرب . قال: أنا تبت إلى الله . قال له: كم كلَّفتك الحجَّة ؟ قال له: حوالي خمسين ألفاً، قال له: هذه خمسون ألفاً واشرب . هذا سلوك يومي، يريد المنحرف أن يجعل كل الناس منحرفين، الكذَّاب يريد أن يجعل كل الناس كاذبين، الذي يخون الأمانة يريد أن يحمل الناس جميعاً على خيانة الأمانة، هذه حقيقة، فالمنحرف يودُّ أن ينحرف الناس معه كي يستأنس، كي يشعر أن كل الناس هكذا . |
(وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ۖ ) 109 البقرة لكن هذا الحسد من عند أنفسهم، ما الحسد ؟ هذه جبلَّةٌ في الإنسان، هل هي مذمومةٌ دائماً ؟ لا، بل هي حسب ما توجه إليه . حينما تتمنى أن تزول النعمة عن أخيك هذا حسد، بصرف النظر عن تحوِّلها إليك أو عدم تحوُّلها إليك، وحينما تفعل بنفسك ما يزيل النعمة عن أخيك فهذه جريمة، أما حينما تتمنى أن تكون عالماً كعلم أخيك، حافظاً كحفظ أخيك، لك عملٌ طيبٌ كعمل أخيك هذه غِبْطَة، . عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ، فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا، فَهُوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ، وَآنَاءَ النَّهَارِ». والحسد هنا المراد به الغبطة أي يتمني مثله من الخير تفسير النابلسي |
﴿ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا (109)﴾ البقرة طبيب الأمراض الجلديَّة عندما يأتيه مريض مصاب بمرض جلدي، فهو يُشفق عليه بالضبط المؤمن أمام المنافقين أو الكافرين يشفق عليهم لعلمه بخطورة ما هم عليه وسوء عاقبته . لذلك: ﴿ فَاعْفُوا (109)﴾عن هؤلاء، لأنهم مرضي . والمرض سببه الإعراض عن الله مرض واحد له مئات الأعراض، فالأعراض ليست أمراضاً ولكنها أعراض مرض واحد، المرض الواحد الخطير هو الإعراض عن الله، وكل شيء يزعجك من الكافر هو أعراض لهذا الإعراض، الحسد والكِبر والبَغي والعدوان والكذب والاحتيال من أعراض مرض الإعراض عن الله . لذلك هذه الأعراض لا تعالج ينبغي أن يعالج مرض الإعراض عن الله بالتوبة إليه والصلح معه . حينما تقبل على الله تزول عنك كل أعراض مرض الإعراض فتتحول الي المسامح العفو، الكريم، اللطيف، الرحيم، المؤمن، الطيب تفسير النابلسي |
﴿ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ (109)﴾ البقرة أي أزيلوا أثر هذا الشيء من نفوسكم، العفو أن لا تحاسبه على خطئه، ولا تعاقبه، أما الصفح أن تزيل هذا من نفسك ﴿ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ (109)﴾ أمر الله عزَّ وجل أن ينصر المؤمنين، لكن هناك وقتاً لا نعلمه: ﴿ وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ (46) ﴾(سورة يونس الآية 46) ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109)﴾ أي إنه قدير أن يظهر الحق، ولكنه يظهره في وقتٍ مناسب . وقد شاءت حكمة الله أن يتصارع الحق والباطل في كل مكان وفي كل زمان وهذا مما يقوي الحق تفسير النابلسي |
وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [البقرة : 110] الصلاة هي العبادة البدنية التي تؤكد حسن صلة العبد بخالقه والزكاة هي العبادة المالية التي تؤكد حسن صلة العبد بالمخلوق طاعة للخالق . وقوله (( لِأَنْفُسِكُمْ )) ليشعرك بأن ما تقدمه من خير إنما يعود نفعه إليك، وأنك ستجد عند الله نظير ذلك الثواب الجزيل، والأجر العظيم، وقوله : (( من خير )) ليشمل كل انواع الخير مهما قل حجمه في نظرك فسوف يجازيك عليه {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)} الزلزلة وفي قوله، (( عند الله )) إشارة إلى ضخامة الثواب، وأنك وإن لم تجده في الدنيا فاعلم أنه لن يضيع عند الله وقوله «إن الله بما تعلمون بصير» لتأكيد أنه لا يخفي عليه شيء كما أنه عليم بالنوايا وراء كل عمل وفي الحديث عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوي ... ) متفق عليه |
وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى (111) ﴾ البقرة قال اليهود: لن يدخل الجنَّة إلا من كان يهودياً . توهموا أن الجنة لهم وحدهم، والنصارى قالوا: لن يدخل الجنَّة إلا من كان نصرانياً . هذا ادعاء، ﴿ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111) ﴾ البقرة أين العمل الذي يؤهِّلكم لدخول الجنَّة ؟ أين التضحية التي ضحيتم بها ؟ أين الالتزام الذي التزمتم به ؟ يقول لك أكثر المسلمين الآن بسذاجةٍ مضحكة: الحمد لله نحن مسلمون، نحن من أمة محمَّد . أين البرهان ؟ أكثر الناس يقول: أنا إيماني أقوى من إيمانك . لكن بيتك كله معاصي، عملك كله معاصي، مالك كله حرام، هذا الكلام فارغ إذاً: ﴿ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111) ﴾ تفسير النابلسي |
﴿ وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى (111) ﴾ البقرة كل إنسان يتوهَّم أنه على حق وحده وما سواه على باطل، وأن الجنَّة له وحده وأن ما سواه إلى جهنَّم، فهذا ضيقٌ في الأفق، وهذا تحجيرٌ لرحمة الله عزَّ وجل: ﴿ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111) ﴾ إذا قال الإنسان: أنا مؤمن . عليه أن يقدِّم بُرهاناً، إذا قال: أنا ملتزم، أين التزامك ؟ أنا ورع، أين ورعك ؟ أنا مسلم، أين إسلامك ؟ أنا تقي، أين تقواك ؟ أنا محسن أين إحسانك ؟ هذه الازدواجيَّة تجدها عند معظم الناس، إذا حدَّثك تُعجب بكلامه فإذا عاملك يسقط كلامه عندك، وحينما يكون الناس ذوو كلام طَيِّب وفعل قبيح يسقطون من عين الله، اجلس الآن في أي مجلس تجد فيه تبادل مديح، فإذا تفرَّق هؤلاء من المجلس طعن بعضهم ببعض إنه نفاق، هذا الذي تمدحه في وجهه لماذا تذمُّه في غيبته ؟ ولماذا تمدحه وأنت تعلم أنه ليس على حق ؟ لماذا تمدحه وتعلم أنه فاسق ؟ تفسير النابلسي |
بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة : 112] ذكر سبحانه وتعالى البرهان الجلي العام لكل أحد, فقال: { بَلَى } أي: ليس بأمانيكم ودعاويكم, ولكن { مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ } أي: أخلص لله أعماله, متوجها إليه بقلبه، { وَهُوَ } مع إخلاصه { مُحْسِنٌ } في عبادة ربه, بأن عبده بشرعه, فأولئك هم أهل الجنة وحدهم. { فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ } وهو الجنة بما اشتملت عليه من النعيم، { وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } فحصل لهم المرغوب, ونجوا من المرهوب. ويفهم منها, أن من ليس كذلك, فهو من أهل النار الهالكين، فلا نجاة إلا لأهل الإخلاص للمعبود, والمتابعة للرسول. تفسير السعدي |
بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة : 112] العمل المقبول عند الله- تعالى- يجب أن يتوفر فيه أمران: أولهما: أن يكون خالصا لله وحده. ثانيهما: أن يكون مطابقا للشريعة التي ارتضاها الله تعالى وهي شريعة الإسلام. فمتى كان العمل خالصا ولم يكن صوابا لم يتقبل، ولهذا قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» فعمل الرهبان ومن شابههم وإن فرض أنهم مخلصون فيه لله فإنه لا يتقبل منهم حتى يكون ذلك متابعا للرسول محمد صلّى الله عليه وسلّم المبعوث فيهم وإلى الناس كافة، وفي أمثالهم قال الله- تعالى ((وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً)) وأما إن كان العمل موافقا للشريعة في الصورة الظاهرة، ولكن لم يخلص عامله القصد لله، فهو أيضا مردود على فاعله، وهذا حال المرائين والمنافقين ولهذا قال تعالى: ((فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً)) تفسير بن كثير |
﴿ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ (112) ﴾ البقرة أي وجدته مطيعاً لله، وجدته وقَّافاً عند كلام الله، وجدته مؤتمراً بما أمر الله منتهياً عما نهى الله عنه، يرتاد بيوت الله، يبتعد عن أماكن اللهو، ويجعل دخله حلالاً، ويبتعد عن الدخل الحرام، ويُقيم الإسلام في بيته، إذا حدَّثك فبالقرآن والسنة، وإن نظر ضبط بصره وغَضَّه عن محارم الله، وإن استمع لا يستمع إلى منكر، إن نطق لا ينطق إلا بالحق، إن تكلَّم ذكر الله وإن سكت فكَّر في خلق الله، وإن رأى أدرك العبرة مما يرى . فقد سُئلت السيدة عائشة عن خلق رسول الله فقالت: (كان خُلُقُه القرآن) رواه مسلم تفسير النابلسي |
﴿ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ (112) البقرة ﴿ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾ هذه الكلمة مطلقة، محسن في كل شيء محسن في عمله المهني، محسن في بيته، محسن في أفراحه، الفرح لا يستخفُّه، محسن في أحزانه، الحزن لا يسحقه، إنفاقه ولو كان غنياً ينفق الدرهم في مكانه الصحيح، محسن في كسب ماله لا يُخادع الناس، ولا يغشُّهم، ولا يحتال عليهم، ولا يأكل المال الحرام، ولا يأكل المال بالخِداع، فكلمة﴿ مُحْسِنٌ ﴾ مطلقة لذلك حينما يموت المؤمن تبكي عليه السماء والأرض، والكافر إذا مات لا تبكي عليه السماء ولا الأرض قال تعالى: ﴿ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمْ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ (29) ﴾(سورة الدخان) تفسير النابلسى |
﴿ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ (112) ﴾ البقرة فالاستسلام هو الاستقامة، والإحسان هو العطاء، وكل واحد منا لو سأل نفسه هذا السؤال: يا نفس ماذا قدَّمتِ ليوم القيامة ؟ ماذا قدَّمت للمسلمين ؟ ما العمل الذي يمكن أن تعرضيه على الله عزَّ وجل ؟ هذا سؤال دقيق . هناك إنسان يعيش لذاته، وهناك إنسان يعيش للآخرين، فقيمتك عند الله تساوي عملك الصادق، وأنت في الدنيا هنا من أجل العمل الصالح . ﴿ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ (112) ﴾ إسلام الطاعة وإسلام الإخلاص، أي أنه أطاع الله مخلصاً ثمَّ أعطى مما أعطاه الله، المؤمن الصادق يقدِّم جزءاً من اختصاصه، ومن حرفته، ومن خبرته، مما مكَّنه الله منه لوجه الله عزَّ وجل، فالطبيب يعالج المرضى الفقراء لوجه الله، والمحامِي المؤمن يتولَّى قضايا لأُناس فقراء لوجه الله، والتاجر المؤمن يؤدي زكاة ماله وينصح المسلمين، ومن كانت هذه صفته : ((فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (112)) البقرة تفسير النابلسي |
﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ (113) ﴾ والكتاب واحد: ﴿ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ (113) ﴾ بربكم أليس هذا واقع المسلمين ؟ كتاب واحد، نبيٌ واحد، سُنَّةٌ واحدة، هدفٌ واحد، ومنهج واحد، وإله واحد . والمسلمون فرق وطوائف، كلٌ يدعي أنه وحده على الحق . وكلٌ يطعن بالآخرين. هدف ذكر قصة بني إسرائيل في القرآن لكي نأخذ حذرنا، فكل مرضٍ وقع فيه بنو إسرائيل نحن مرشَّحون أن نقع فيه، وهذا مرض من الأمراض : الفرقة، والتنازع، والطعن، والتكفير . الاختلاف أنواع: هناك اختلافٌ أساسه نقص المعلومات، وهذا الاختلاف سهل جداً يعالج بالمعلومات وهناك اختلافٌ أساسه الحَسَد، والبَغي، وتنازع المصالح والمراكز ﴿ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ (19)﴾سورة آل عمران الاختلاف الثالث اختلاف محمود، اختلاف التنافُس على بلوغ أعلى درجات الجنَّة . ﴿ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ (213) ﴾سورة البقرة تفسير النابلسي |
جميع الأوقات حسب التوقيت الدولي +2. الساعة الآن 10:11. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2025, Jelsoft Enterprises Ltd.