﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (65) ﴾ ما ورد في القرآن من أيام الأسبوع إلا الجمعة والسبت، يوم السبت عند اليهود يوم انقطاعٍ عن العمل، يوم عبادة، وعندنا نحن المسلمين يوم الجمعة يوم عبادةٍ واجتماعٍ ماذا فعل اليهود يوم السبت يوم العبادة ؟ أنشؤوا أحواضاً وفتحوها يوم السبت حتى إذا أتت الحيتان يوم سبتهم أغلقوها مساءً، واصطادوها يوم الأحد !!! حيلة شرعيَّة، وهذا يشبه الحيل الشرعية التي يفعلها بعض المسلمين نغير الأسماء فتصير المحرَّمات مباحات، نقوم بتعليلات، اجتهادات، نقول: هذا القرض ليس القصد منه الاستغلال بل هو قرض استثماري وليس فيه تحريم، من قال لك ذلك ؟!! هناك من يجتهد ليحل كل شيء إلى أن أصبح الدين شكلاً بلا مضمون، شكلاً بلا منهج، كل شيء مباح، توجد الآن فتاوى لكل شيء، كل شيء مباح ؛ التمثيل، والغناء، والاختلاط، لم يبق في الدين شيء محرَّم، تحت إطار التطور، المرونة، أين الدين ؟ الدين توقيفي، الدين دين الله عزَّ وجل، الدين ما جاء به الكتاب والسنة، أما أن نفلسف، وأن نكون مرنين، وأن نطوِّر إلى أن نبيح كل شيء، فهذا الشيء ليس من الدين في شيء . فأخطر شيء أن يكون عندك مجموعة فتاوى غير صحيحة لمعاصٍ كبيرة وأنت مرتاح على أن هناك فتاوى فيها، هذه الفتاوى لا تُقْبَل عند الله عزَّ وجل، لذلك أنا أقول لكم دائماً: لكل معصية فتوى، أنت ماذا تريد فتوى أم تقوى ؟ الفتوى موجودة إذا أردت، تجد فتوى لكل معصيةٍ مهما تكن كبيرة، هناك من يفتي بها، والذي يفتي بها جعل من نفسه جسراً إلى النار. ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (65) ﴾ خاسئين أي مهزومين، وأكبر هزيمة أن تُهْزَم أمام نفسك، هذه أكبر هزيمة، مهزوم عند نفسك. مقتطفات من تفسير النابلسى ---------------------- |
﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (66)﴾ البقرة النكال العقاب الشديد، لمَّا جعلهم قردة خاسئين كان هذا تنكيلاً بهم، أي أنه أوقع العقاب بهم ليكون لمن حولهم، ولمن بعدهم، ولكل مؤمنٍ ردعاً وموعظةً، لذلك قالوا: لا عقوبة بلا تجريم، ولا تجريم بلا تشريع، الله شرَّع فلمَّا خالفوا صار هناك جرم، وعندما صار الجرم وجب العقاب، كلام دقيق: (( يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئاً، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئاً، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ، يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْراً فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إِلا نَفْسَهُ )) [مسلم عن أبي ذر ] لا عقوبة بلا تجريم ولا تجريم بلا تشريع، هناك نص، وهناك مخالفة، وهناك عقوبة، هكذا شأن العدل، هكذا شأن الحق جلَّ جلاله، فجعلنا هذا المسخ قردة وخنازير: ﴿ فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا (66) ﴾ لمن حولها: ﴿ وَمَا خَلْفَهَا (66) ﴾ لمن بعدهم: ﴿ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (66) ﴾ أكثر الأحكام الشرعية تصون المال والعرض : سُئل الإمام الشافعي من قِبَل شاعر، قال: يدٌ بخمس مئينٍ ـ أي خمسمئة من الذهب ـ: يدٌ بخمس مئينٍ عسجد وديت ما بالها قُطِعَت في ربع دينارِ *** إذا قُطِعَت في حادث سير فديَّتها خمسمئة دينار ذهبي، لو أن سائقاً أرعنَ أصاب إنساناً وقُطِعَت يده، ديَّتها خمسمئة دينار ذهبي، قال: ما بالها قُطِعَت في ربع دينارِ ؟ أجابه الإمام الشافعي : عزُّ الأمانة أغلاها وأرخصها ذل الخيانة فافهم حكمة الباري *** فقال ابن الجوزي لما سئل عن ذلك: لمَّا كانت أمينة كانت ثمينة فلمَّا خانت هانت. *** لذلك أكثر الأحكام الشرعية تصون المال والعرض، ما الفساد ؟ الفساد هو حرية كسب المال بلا رادع، وحرية ارتكاب الموبقات والشهوات، لذلك هناك جلد، وهناك رجم، وهناك قطع يد، أخطر شيء في الحياة صون الأعراض وصون الأموال. ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (66)﴾ والحمد لله رب العالمين ---------------- تفسير النابلسى --------------------- |
﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً (67) ﴾ البقرة تبين الآيات أن التنطع في الدين والإحفاء في السؤال ، مما يقتضي التشديد في الأحكام ، فمن شدد شدد عليه ؛ وكذلك تبين ضرر التلكؤ في تنفيذ أمر الله وتعمد البحث عن التبريرات لعدم التنفيذ كالإكثار من الاستفسار والتساؤلات غير الضرورية حول الموضوع المطلوب تنفيذه ولذلك نهى الله - تعالى - هذه الأمة عن كثرة السؤال بقوله : ( ياأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين ) ( المائدة : 101 ، 102 ) وفي الحديث الصحيح : عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات ، ومنعا وهات , ووأد البنات . وكره لكم قيل وقال ، وكثرة السؤال ، وإضاعة المال )) رواه البخاري . من تفسير المنار --------------------- ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً (67) ﴾ إن الله أمر بأشياء ونهى عن أشياء وسكت عن أشياء، فالذي أمر به يُقَرِّب، والذي نهى عنه يُبْعِد، والذي سكت عنه لا يُقَرِّب ولا يُبَعِّد. حينما يسكت الشرع عن شيء ينبغي أن يحترم الإنسان سكوت الشرع عنه، لا أن يسأل عنه، سكت عن شيء لحكمة بالغة، كما أن هناك حكمةً بالغة من الأمر هناك حكمةً بالغة من النهي، هناك حكمةٌ بالغةٌ بالغة من الشيء الذي سكت الله عنه، لذلك أيها الأخوة : القرآن الكريم دقيق، مثلاً ذكر القرآن قصة وأغفل بعض التفاصيل، أغفل مكانها وزمانها، أغفل أسماء أشخاصها، أغفل بعض التفاصيل السابقة واللاحقة، حيثُما سكت القرآن عن شيءٍ فاسكت أنت عنه لأن الله عزَّ وجل أراد نموذجاً متكرراً، لم يرد قصة وقعت ولن تقع مرة ثانية، هو أراد نموذجاً، أراد نموذجاً تقتدي به، الأكمل بالمؤمن والأولى أن يأتمر بما أمره الله به، وأن ينتهي عما نهاه عنه، والذي سكت عنه هو مباح، لا تُضَيِّق عليك الخناق، لا تضيق عليك الوثاق، استفد من بحبوحة الله، فالله عزَّ وجل يعطينا درساً بليغاً، درساً بليغاً في التعُنُّت، تعنت بني إسرائيل، درساً بليغاً في انغماسهم بالجزئيات والتفاصيل التي سكت عنها الشرع، قال الله عزَّ وجل: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً (67) ﴾ بقرة نكرة، أية بقرة، أيَّة بقرةٍ صالحةٍ لتنفيذ هذا الأمر ولكن شددوا فشدد الله عليهم ----------- مقتطفات من تفسير النابلسى ------------------------ |
﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً (67) ﴾ لكن لماذا ؟ أنت حينما تتلقى أمر من مساوٍ لك تسأله لماذا ؟ قال لك زميلك في الدائرة: افعل كذا، تقول له: لماذا ؟ دائماً وأبداً حينما تتلقى أمراً من مساوٍ لك، من ندٍ لك تسأله عن الحِكمة، وعن العِلَّة، وما السبب، ولماذا ؟ أما حينما تتلقى أمراً ممن فوقك ممنوعٌ أن تسأله لماذا ؟ أنت مريض لا تعلم في الطب شيئاً، دخلت إلى طبيب وأعطاك أمراً، يجب أن تأتمر بهذا الأمر، أنت جندي في معركة حاسمة والقائد العام أصدر أمراً عليك أن تأتمر، فكيف إذا كنت عبداً لله عزَّ وجل وخالق السماوات أعطى أمراً، قال علماء العقيدة: علَّةُ أي أمرٍ في الكتاب والسنة أنه أمر. ذهب رجل من أهل العلم إلى أمريكا، والتقى بعالمٍ أسلم حديثاً، ودار الحديث حول لحم الخنزير، أفاض هذا العالم المَشْرِقِي في الحديث عن علة التحريم، وعن أضرار لحم الخنزير، وعن الدودة الشريطية، وعن الآثار النفسية التي يتركها هذا اللحم في نفس الآكل، ومضى يتحدَّث لساعاتٍ طويلة عن حكمة تحريم لحم الخنزير، فما كان من هذا العالم الغَرْبِي المُسْلِم حديثاً إلا أن قال: كان يكفيك أن تقول لي: إن الله حرمه. الأمر يُقَيَّم بالآمر: ذات مرة في برنامج سألوا دكتورة في جامعة من جامعات البلاد العربية عن رأيها في التعَدُّد، فقالت: كيف يكون لي رأي في التعدد وقد أباحه الله عزَّ وجل ؟!! الأمر الإلهي هو من خالق السماوات والأرض، الأمر يُقَيَّم بالآمر، من هو الآمر ؟ هو الله، الحكمة المُطلقة، والعلم المطلق، والخبرة المطلقة، والرحمة المطلقة، والعدل المطلق، فحينما يقول الله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ( سورة التحريم: الآية " 8 " ) أي يا من آمنتم بي خالقاً، يا من آمنتم بي إلهاً، يا من آمنتم بي مربياً، يا من آمنتم بعلمي، يا من آمنتم بحكمتي، يا من آمنتم بقدرتي، يا من آمنتم بلُطفي، يا من آمنتم برحمتي، يا من آمنتم بعدلي، أنا آمركم بكذا وكذا، لذلك المؤمن الصادق لمجرَّد أن يتلقى أمراً من الله عزَّ وجل ينصاع إلى تنفيذه من دون أن يسأل عن الحكمة والعِلَّة، إذا سأل بعد التنفيذ ليعلِّم الناس فلا مانع، إذا سأل عن الحكمة والعلة ليكون داعيةً ليقنع الناس لا يوجد مانع، أما أن يعلِّق تنفيذ الأمر على معرفة الحكمة، الكلمة الخطيرة الآن إنه عندئذٍ لا يعبد الله يعبد نفسه. ----------- تفسير النابلسى ------------------------- |
﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً (67) ﴾ سورة البقرة أين التعليل ؟ لا يوجد تعليل، وليس هناك تعليل، ولا ينبغي أن تبحث عن التعليل، لأنه من عند الله، استعمل عقله حتى وصل إلى طبيب من أعلى مستوى علماً وفهماً وإخلاصاً وتديناً وصلاحاً وقدرةً وسمعةً وخبرةً، هداك عقلك إلى هذا الطبيب، دخلت العيادة لا يمكن أن تسأله، انتهى دور العقل، جاء دور النَقل، جاء دور التَلَقِّي، أنت لا تسأل لماذا إلا لمن يساويك. المؤمن الصادق أمام مرحلتين ؛ مرحلة معرفة الله عزَّ وجل ومرحلة معرفة أمره ونهيه هذا الذي لا يقبل على أمر الإله إلا إذا فهم حكمته هو لا يعبد الله أبداً بالتأكيد إنما يعبد نفسه، وأي إنسان حتى المُلحد لو اتضح له الخير في أمر ما فإنه يطبِّقه، هل يطبقه تعبداً ؟ أنا قرأت مرة مقالة عن أستاذ جامعي لا يؤمن بالله إطلاقاً، قال: هو ينام باكراً، ولا يشرب الخمر، ويربِّي أولاده على الصدق، هو يعبد الدنيا، يعبد مصالحه، يعبد ذاته، تقتضي عبادة ذاته أن يكون صادقاً فصدق، تقتضي عبادة ذاته أن يكون أميناً فكان أميناً، هذه ليست عبادة، العبادة أن تُقْبِل على تنفيذ أمر الله عزَّ وجل، وربنا عزَّ وجل جعل أمثلة كثيرة جداً، فمثلاً الله عزَّ وجل أعطى أمراً إلى نبيٍ كريم إلى أبي الأنبياء إبراهيم، أعطاه أمراً لا يمكن أن يُقْبَل بالعقل، قال له: اذبح ابنك، وابنه نبي: ﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ﴾ ( سورة الصافات: الآية " 102 " ) هذه العبودية، أيعقل أن النبي الكريم وهو في الطائف يُتَهم ويسخر منه ويكذَّب، ويناله أذى من أهل الطائف تراه يقول: (( إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى، لكن عافيتك أوسع لي )) [ الطبراني عن عبد الله بن جعفر، ] معاني العبودية لله، والاستسلام لله، والانصياع لله، وتنفيذ أمر الله، وطاعة الله هذه المعاني تملأ القلب سعادةً، أنا عبد علي أن أنفذ . ﴿ بَلْ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنْ الشَّاكِرِينَ(66) ﴾ ( سورة الزمر ) المؤمن الصادق أمام مرحلتين ؛ مرحلة معرفة الله عزَّ وجل، ومرحلة معرفة أمره ونهيه، المرحلة الأولى أن تتعرف إلى الله معرفةً تحملك على طاعته، والمعرفة الثانية أن تعرف أمره ونهيه من أجل التقرُّب منه، فالمؤمن الصادق الكامل لا يعنيه شيءٌ بعد معرفة الله إلا معرفة الأمر والنهي ليطبِّق. -------------------------------------- مقتطفات من تفسير النابلسى -------------------- |
﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً (67) ﴾ السبب الذي جاء في آخر القصة هو أن رجلاً ثرياً من بني إسرائيل قتله ابن أخيه وحمل الجثة وألقاها في قريةٍ ثانية ليوهم أن أهل هذه القرية هم الذي قتلوا هذا الثري، والقصة طويلة جداً، نشبت اتهامات باطلة، ونشبت اختلافات، وحدثت صراعات، وكادت أن تقع فتنةٌ كبيرةٌ جداً، لأن هذه التهمة كُلَّما وجِّهت إلى جهةٍ تُرَدُّ إلى الجهة الثانية، فقالوا: أنقتتل وفينا نبي ؟ فلما سألوا سيدنا موسى عن هذا الأمر، جاء الأمر الإلهي: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً (67) ﴾ قال: بقرة، تُجْزِئُكُم أية بقرة، أي بقرة على الإطلاق، مهما يكن سنها، أو لونها، أو عمرها، أو خصائصها، أو وزنها، أو حجمها، أو وظيفتها، بقرة ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً (67) ﴾ هل من المعقول أن يتحدث نبيٌ كريم هازئاً ؟ ﴿ قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67) ﴾ لا يستهزئ إلا جاهل، الجاهل وحده يستهزئ . ﴿ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ (68) ﴾ أية بقرةٍ يريد ؟ الله عزَّ وجل أمره واضح، قال: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً (67) ﴾ قال تعالى: ﴿ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ (68) ﴾ ليست مسنة ﴿ وَلَا بِكْرٌ (68) ﴾ ولا صغيرةً ﴿ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ (68) ﴾ أي عمرها معتدل ﴿ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (68) ﴾ أي اذبحوها وانتهوا ﴿ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا (69) ﴾ نريد اللون ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69)﴾ وقال: ﴿ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ (70) ﴾ نريد أن تعيِّنها لنا بالذات ﴿ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ (71) ﴾ أي لا تحرث، الذلول هي البقرة التي عوِّدت على الحراثة ﴿ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ (71) ﴾ أي ليست للحراثة ﴿ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ (71) ﴾ ليست لإخراج المياه ﴿ مُسَلَّمَةٌ (71) ﴾ خالية من كل عيب ﴿ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآَنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (71) ﴾ أي فعلوا هذا متباطئين، متكاسلين. ---------- من يربي أولاده تربية صالحة ويترك أمرهم لله يتولَّى الله جلَّ جلاله بعليائه تربيتهم : هذه البقرة لرجل صالح جداً من بني إسرائيل، ترك هذه البقرة واستودعها عند الله أمانةً لابنه، وتركها طليقةً في البراري، فلما كبر ابنه جاءته طواعيةً، فلما انطبقت صفات هذا الأمر الإلهي عليها قيل: أنه طلب ملء جلدها ذهباً -------- مقتطفات من تفسير النابلسى ------------------------ |
﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74)﴾ ﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً (74)﴾ كل إنسان بعيد عن الله له قلبٌ كالصخر ﴿ وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ(8)بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ(9)﴾ ( سورة التكوير ) الذي يتحمل أن يضع بنتاً كالوردة في التراب، ويدفنها، هذا وحش، وهؤلاء الذين يدمِّرون الشعوب هم وحوش كل إنسان بعيد عن الله وحش، وحش بكل ما في هذه الكلمة من معنى ﴿ وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ(8)بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ(9)﴾ ( سورة التكوير ) كل إنسان بعيد عن الله له قلبٌ كالصخر وكل انسان يتصل بالله يمتلئ قلبه رحمةً قال له : ( إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمْ الْأَخْشَبَيْنِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ) [ متفق عليه عن عائشة] الرحمة بسبب اتصالك بالله، كل إنسان قريب من الله رحيم، البعيد قاسٍ ولو كان ملمَّعاً، ومصافحته رقيقة، ابتسامته عريضة، هذه أشياء ظاهرية لا تقدِّم ولا تؤخِّر، أما عند الحاجة تجده وحشاً، فلذلك وصف الله عزَّ وجل هؤلاء قائلاً : ﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ (74)﴾ ماذا يلقي اليهود على الطرقات إنهم يلقون لُعَباً كلها ألغام، طفل برئ يجد لعبة يأخذها يفقد بصره يلقون اللعب المفخخة حتى يأخذها طفل صغير بريء فتنفجر أمامه، هذا الذي يفعلونه كل يوم. الإسلام ليس قضية صلاة شكلية الإسلام اتصال بالله وانضباط : قال تعالى : ﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74)﴾ وقال: ﴿ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ﴾ ( سورة الحشر: الآية " 21 " ) ﴿ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74)﴾ قالوا: " ما عرف التاريخ فاتحاً أرحم من العرب "، رحمة ما بعدها رحمة، إنصاف ما بعده إنصاف، هكذا، مئتان وخمسون مليون مسلم بإندونيسيا أسلموا بالمعاملة فقط. أيها الأخوة، الإسلام ليس قضية صلاة شكلية، الإسلام اتصال بالله، الإسلام انضباط، الإسلام قلب رحيم، الإسلام تفوُّق، هذا هو الإسلام، تخلَّف المسلمون لأنهم فهموا الدين فهماً طقوسياً، فهموه عبـادات جوفاء، ما اتصلوا بالله الاتصال الصحيح لأنهم ما أطاعوه الطاعة التامة. ﴿ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74)﴾ والحمد لله رب العالمين |
﴿ أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) ﴾ الإنسان إذا دعا إلى الله وقابله المدعو بالتكذيب والسخرية والإعراض يتألَّمُ أشد الألم، فلئلا يتسرَّب إلى نفس النبي عليه الصلاة والسلام شيءٌ من الضيق أو من الإحباط .. فإنّ الله عزَّ وجل يخفف عن نبيِّه، ويسري عنه، ويجعله يطمئن إلى أن المدعو إذا لم يؤمن، وإذا لم يستجب، وإذا لم يلتزم فهذا لا يعبِّر عن عدم صدق الداعية، لأن الله عزَّ وجل ما كلَّفه أن يحملهم على الإيمان. قال تعالى: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ (272) ﴾ (سورة البقرة: من آية " 272 " ) لست عليهم بحفيظ : ﴿ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (86) ﴾ ( سورة هود) لست عليهم بوكيل : ﴿ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (66) ﴾ (سورة الأنعام) وقال : ﴿ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ (22) ﴾ (سورة الغاشية) وقال : ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ (56) ﴾ (سورة القصص: من آية " 56 " ) النبي عليه الصلاة والسلام عليه البلاغ أما هذا الإنسان يستجيب أو لا يستجيب، لا يستجيب لجهله، أو لا يستجيب لخبثه، أو لاحتياله هذا شيءٌ آخر. ( موسوعة النابلسى للعلوم الاسلامية ) ---------- |
﴿ أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ (75) ﴾ في القرآن موضوعيةٌ مذهلة، أليس من اليهود من آمن برسول الله وكانت تفيض عينه خُشوعاً، عبد الله بن سلام آمن برسول الله، لولا كلمة منهم ما الذي يحصل ؟ إنسان من اليهود قرأ في التوراة أوصاف النبي وهو ينتظر مجيئه، فلما بعثه الله عزَّ وجل بادر إلى الإيمان به، وإلى نصرته، وكان من أقرب أصحابه إليه، لولا كلمة : ﴿مِنْهُمْ﴾ هذا يحدث ارتباك عند هذا اليهودي ﴿ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ ﴾ ﴿مِنْهُمْ﴾ لو لم تكن هذه الكلمة وهي ثلاثة حروف، لو لم تكن هذه الكلمة في هذه الآية وقرأ الآية عبد الله بن سلام، بماذا يشعر ؟ ﴿ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ (75) ﴾ على الإنسان ألا يعمم أو يطلق الأحكام القطعية بل يجب أن يكون موضوعياً في أحكامه: كل إنسان يقول لك : هلك الناس ؟ لا، بعض الناس لم يهلكوا، أو يقول: الناس لا يوجد فيهم خير، لا : (( إِذَا قَالَ الرَّجُلُ: هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ ـ قَالَ أَبُو إِسْحَقَ: لا أَدْرِي أَهْلَكَهُمْ بِالنَّصْبِ أَوْ أَهْلَكُهُمْ بِالرَّفْعِ ـ )) [مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ] الذي وصفهم بالهلاك وهم ليسوا كذلك، إيَّاكَ أن تعمم، إياك أن تطلق الأحكام القَطْعِيَّة، كن موضوعياً في أحكامك، تفسير النابلسى ------------------ |
وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (76) المنافق يقول بما لا يؤمن، ويؤمن بما لا يقول ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ (145) ﴾ الكافر واضح، والمؤمن واضح، أما المنافق مخيف، له ظاهر وله باطن، له كلام يعلنه وله معانٍ يُبَطِّنُهَا فلذلك : ﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا (76) ﴾ ﴿ أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (77) ﴾ من ضعف الإيمان أن يظن الإنسان أن الحيل الشرعية مقبولة عند الله تعالى : فيسمى الخمر مشروبات روحية ويسمى الربا فوائد ويسمى الفجور فن ويتكلم بالمواعظ والله يعلم ما فى القلوب والمؤمن الحق هو الذى يكون سره مثل علانيته لأنه يعبد من لا يخفى عليه شىء فى الارض ولا فى السماء سبحانه - يعلم السر وأخفى سبحانه - عليم بذات الصدور والحمد لله رب العالمين |
أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (77) يبين الله لنا بأنه يعلم أمرهم وما يفعلون. لقد ظنوا أن الله غافل عندما خلا بعضهم إلي بعض وقالوا: "أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم" .. الله علم وسمع ﴿ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ (78) ﴾ أي أنهم غير متعلمين، يخلطون الحق بالباطل، والخير بالشر، والسُنَّة بالبدعة، ويتَّبعون الأهواء طالب العلم إنسان كبير جداً عند الله، أنت حينما تأتي إلى بيتٍ من بيوت الله تطلب العلم، تسلك طريقاً ينتهي بك إلى الجنَّة: (( مَنْ سَلَكَ طَرِيقاً يَلْتَمِسُ بِهِ عِلْماً سَهَّلَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقاً مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ وَإِنَّ الْمَلائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضاً لِطَالِبِ الْعِلْمِ )) [الدارمي عن أبي الدرداء رضي الله عنه ] فالإنسان عندما يطلب العلم يصبح عنده حارس. يا بني العلم خيرٌ من المال، لأن العلم يحرسك، وأنت تحرس المال، والمال تنقصه النفقة، والعلم يزكو على الإنفاق. قال سبحانه : ﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ ( سورة الزمر ) وقال : ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾ ( سورة المجادلة ) قال سيدنا علي: " يا كُميل الناس ثلاثة ؛ عالمٌ ربَّاني، ومُتَعَلِّمٌ على سبيل نجاة، وهمجٌ رعاع أتباع كل ناعق، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركنٍ وثيق، فاحذر يا كميل أن تكون منهم ﴿ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ (78) ﴾ أي أن بعضهم الآخر ليسوا أميُّين، بعضهم الآخر يعلمون الحقيقة ويعرفون النبيَّ كما يعرفون أبناءهم، الآن دخلنا في موضوع ثانٍ، أنت حينما تعلم قد يكون هذا العلم حُجَّةً عليك، العلم حُجَةٌ لك أو عليك، حينما تعلم ولا تعمل أصبح العلم حجَّةً عليك، وحينما تعلم وتعمل أصبح العلم حجَّةً لك بعض هؤلاء اليهود يعلمون أن النبيَّ رسول الله، يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، ولكن حفاظهم على مكاسبهم، وحفاظهم على رئاستهم لأتباعهم، وحفاظهم على شهواتهم، وعلى هذه المكاسب الكثيرة التي حَصَّلوها بمكانتهم الدينيَّة جعلتهم يركبون رؤوسهم، وينكرون على النبي رسالته. فاليهود منهم أميون، ومنهم غير أميّين، وهؤلاء غير الأميين منهم من استجاب لعلمه فسلم وسعد، ومنهم من حافظ على مكاسب الدنيا فشقي في الدنيا والآخرة. لذلك قالوا : هناك من يُفْتِي بعلمٍ، وهناك من يفتي بغير علمٍ، وهناك من يفتي بخلاف ما يعلم، فالذي يفتي بعلمٍ نجا، والذي يفتي بغير علمٍ هَلَكَ، ولكن الذي يفتي بخلاف ما يعلم أجرم، يعرف الحقيقة ويفتي بخلافها، فهؤلاء الذين ليسوا أميين حافظوا على مكاسبهم، فركبوا رأسهم، وأنكروا نبوَّة النبي عليه الصلاة والسلام. مقتطفات من تفسير النابلسى ------------ |
فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ [البقرة : 79] والدنيا كلها من أولها إلى آخرها ثمن قليل، قال شيخ الإسلام لما ذكر هذه الآيات من قوله: { أَفَتَطْمَعُونَ } إلى { يَكْسِبُونَ } فإن الله ذم الذين يحرفون الكلم عن مواضعه, وهو ينطبق علي من نسب للكتاب والسنة, ما أصله من البدع الباطلة. وذم الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني, وهو ينطبق علي من ترك تدبر القرآن ولم يعلم إلا مجرد تلاوة حروفه، و علي من كتب كتابا بيده مخالفا لكتاب الله, لينال به دنيا وقال: إنه من عند الله, مثل أن يقول: هذا هو الشرع والدين قال القرطبي : في هذه الآية والتي قبلها التحذير من التبديل والتغيير والزيادة في الشرع ، فكل من بدل وغير أو ابتدع في دين الله ما ليس منه فهو داخل تحت هذا الوعيد الشديد ، والعذاب الأليم عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد رواه البخاري ومسلم ، وفي رواية لمسلم : من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد . |
﴿ وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80) ﴾ ولكن ماذا نفعل بهذه الآية : {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}الزلزلة 7، 8 ماذا نفعل بهذه الآية ؟ ماذا نفعل بها ؟ الجواب الإلهي : ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ 81﴾ الله عزَّ وجل لا يغفر إلا من بعد التوبة والإيمان والعمل الصالح: قال: ﴿ بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً (81)﴾ باختياره فعل سيئةً، لم يندم، ولم يَتُب، ولم يستغفر، ولم يصحِّح أما من تاب : ﴿ وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ(153)﴾ (سورة الأعراف) تفسير النابلسي |
وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً ۚ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ ۖ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [البقرة : 80] قال السعدي : ذكر أفعالهم القبيحة, ثم ذكر مع هذا أنهم يزكون أنفسهم, ويشهدون لها بالنجاة من عذاب الله, والفوز بثوابه, وأنهم لن تمسهم النار إلا أياما معدودة, أي: قليلة تعد بالأصابع, فجمعوا بين الإساءة والأمن وفي تفسير الوسيط : أبطل القرآن الكريم دعواهم بأصل عام يشملهم ويشمل غيرهم فقال. ليس الأمر كما تدعون، بل الحق أنه من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته ومات عليها دون أن يتوب إلى الله- تعالى- منها فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ، وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ |
بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـئَتُهُ فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81) سورة البقرة هم قالوا لن تمسنا النار .. قال لن تمسكم فقط بل أنتم فيها خالدون .. وقوله تعالى: "أصحاب النار" .. الصحبة تقتضي نوعا من الملازمة فيها تجاذب المتصاحبين . وقوله تعالى: "وأحاطت به خطيئته" .. إحاطة بحيث لا يوجد منفذ للإفلات من الخطيئة لأنها محيطة به. وأنسب تفسير لقوله تعالى: "كسب سيئة وأحاطت به خطيئته" .. أن المراد الشرك .. لأن الشرك هو الذي يحيط بالإنسان ولا مغفرة فيه .. والله تعالى يقول: إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ( الآية 48 النساء) تفسير الشعراوي |
وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُولَـئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(82) سورة البقرة عندما يذكر الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم .. العذاب والنار، يأتي بالمقابل وهو النعيم والجنة .. وذلك أن المقابلة ترينا الفرق .. وتعطي للمؤمن إحساسا بالسعادة .. لأنه زحزح عن عذاب الآخرة، وليس هذا فقط .. بل دخل الجنة ليقيم خالدا في النعيم .. ولذلك يقول سبحانه وتعالى: فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ (من الآية 185 سورة آل عمران) إذن الفوز في الآخرة ليس على درجة واحدة ولكن على درجتين .. أولى درجات الفوز أن يزحزح الإنسان على النار ولو إلي الأعراف وهذا فوز عظيم .. يكفي إنك تمر على الصراط المضروب فوق النار وترى ما فيها من ألوان العذاب، ثم بعد ذلك تنجو من هذا الهول كله .. يكفي ذلك ليكون فوزا عظيما .. لأن الكافر في هذه اللحظة يتمنى لو كان ترابا حتى لا يدخل النار .. فمرور المؤمن فوق الصراط ورؤيته للنار نعمة لأنه يحس بما نجا منه .. فإذا تجاوز النار ودخل إلي الجنة لينعم فيها نعيما خالدا كان هذا فوزاً آخر تفسير الشعراوي |
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة : 82] قال الفخر الرازي في التفسير الكبير : اعلم أنه سبحانه وتعالى ما ذكر في القرآن آية في الوعيد إلا وذكر بجنبها آية في الوعد ، وذلك لفوائد : أحدها : ليظهر بذلك عدله سبحانه ، لأنه لما حكم بالعذاب الدائم على من أصر على الكفر وجب أن يحكم بالنعيم الدائم على من استقام على الإيمان . وثانيها : أن المؤمن لا بد وأن يعتدل خوفه ورجاؤه وثالثها : أنه يظهر بوعده كمال رحمته وبوعيده كمال حكمته فيصير ذلك سببا للعرفان وجاء في تفسير السعدي : {وَالَّذِينَ آمَنُوا} بالله وملائكته, وكتبه ورسله واليوم الآخر {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} ولا تكون الأعمال صالحة إلا بشرطين: أن تكون خالصة لوجه الله, متبعا بها سنة رسوله. فحاصل هاتين الآيتين, أن أهل النجاة والفوز, هم أهل الإيمان والعمل الصالح، والهالكون أهل النار المشركون بالله, الكافرون به |
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (82) قال زيد بن مسفر البحري : ( أُولَـئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ) كلمة أصحاب : تفيد الملازمة لأنهم لما لازموا العمل الصالح في الدنيا والعمل الصالح وهو سبب لدخول الجنة لازموا الجنة ولذلك : سواء كانت طائفة أهل الخير أو طائفة أهل الشر : من اعتاد على العمل الصالح يكون حاله بهذا الاعتياد في الآخرة على غرار هذا وكذلك: عند الخروج من هذه الدنيا ولذلك قال عليه الصلاة والسلام كما عند مسلم (كل عبد يبعث على ما مات عليه) وجاء في تفسير الطبري : وإنما هذه الآية والتي قبلها إخبار من الله عباده عن بقاء النار وبقاء أهلها فيها, [وبقاء الجنة وبقاء أهلها فيها] ودوام ما أعد في كل واحدة منهما لأهلها تكذيبا من الله جل ثناؤه القائلين من يهود بني إسرائيل: إن النار لن تمسهم إلا أياما معدودة, وأنهم صائرون بعد ذلك إلى الجنة. فأخبرهم بخلود كفارهم في النار، وخلود مؤمنيهم في الجنة وأن الثواب بالخير والشر مقيم على أهله أبدا لا انقطاع له أبدا. |
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ [البقرة : 83] وهذه الشرائع من أصول الدين, التي أمر الله بها في كل شريعة { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ } هذا من قسوتهم أن كل أمر أمروا به لا يقبلونه إلا بالأيمان الغليظة والعهود الموثقة { لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ } هذا أمر بعبادة الله وحده, ونهى عن الشرك به، وهذا أصل الدين فلا تقبل الأعمال كلها إن لم يكن هذا أساسها, فهذا حق الله تعالى على عباده وهو أعلي وأعظم الحقوق ثم قال: { وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا } أي: أحسنوا بالوالدين إحسانا، وهذا يعم كل إحسان قولي وفعلي مما هو إحسان إليهم، وفيه النهي عن الإساءة إلى الوالدين أو عدم الإحسان والإساءة لأن الواجب الإحسان, والأمر بالشيء نهي عن ضده. وللإحسان ضدان: الإساءة, وهي أعظم جرما، وترك الإحسان بدون إساءة, وهذا محرم, لكن لا يجب أن يلحق بالأول، وكذا يقال في صلة الأقارب واليتامى, والمساكين تفسير السعدي |
(( وبالوالدين إحسانا وذي القربى )) قال القرطبي : أي وأمرناهم بالوالدين إحسانا . وقرن الله عز وجل في هذه الآية حق الوالدين بالتوحيد لأن النشأة الأولى من عند الله ، والنشء الثاني - وهو التربية - من جهة الوالدين ، ولهذا قرن تعالى الشكر لهما بشكره فقال : أن اشكر لي ولوالديك . والإحسان إلى الوالدين : معاشرتهما بالمعروف ، والتواضع لهما ، وامتثال أمرهما ، والدعاء بالمغفرة بعد مماتهما ، وصلة أهل ودهما وقال بن كثير : يأتي بعد ذلك حق المخلوقين ، وآكدهم وأولاهم بذلك حق الوالدين ، ولهذا يقرن الله تعالى بين حقه وحق الوالدين ، كما قال تعالى : ( أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير ) [ لقمان : 14 ] وقال تعالى : ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا ) الآية إلى أن قال : ( وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل )الإسرا ء وفي الصحيحين ، عن ابن مسعود ، قلت : يا رسول الله ، أي العمل أفضل ؟ قال : " الصلاة على وقتها " . قلت : ثم أي ؟ قال : " بر الوالدين " . قلت : ثم أي ؟ قال : " الجهاد في سبيل الله " |
(( وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامي والمساكين )) قوله تعالى : واليتامى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كافل اليتيم له أو لغيره أنا وهو كهاتين في الجنة . وأشار مالك بالسبابة والوسطى ، رواه أبو هريرة أخرجه مسلم قوله تعالى : والمساكين روى مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله - وأحسبه قال - وكالقائم لا يفتر وكالصائم لا يفطر . تفسير القرطبي |
(( وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا َ)) [البقرة : 83] قال الحسن البصري : فالحسن من القول يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، ويحلم ، ويعفو ، ويصفح ، وكل خلق حسن رضيه الله . وناسب أن يأمرهم بأن يقولوا للناس حسنا بعد ما أمرهم بالإحسان إليهم بالفعل فجمع بين طرفي الإحسان الفعلي والقولي . قال السعدي : ولما كان الإنسان لا يسع الناس بماله, أمر بأمر يقدر به على الإحسان إلى كل مخلوق, وهو الإحسان بالقول, فيكون في ضمن ذلك النهي عن الكلام القبيح للناس حتى للكفار, ولهذا قال تعالى: { وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } ومن أدب الإنسان الذي أدب الله به عباده, أن يكون الإنسان نزيها في أقواله وأفعاله, غير فاحش ولا بذيء, ولا شاتم, ولا مخاصم، بل يكون حسن الخلق, واسع الحلم, مجاملا لكل أحد, صبورا على ما يناله من أذى الخلق, امتثالا لأمر الله, ورجاء لثوابه |
((وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ ))البقرة : 83 أمرهم بإقامة الصلاة, وإيتاء الزكاة, لما تقدم أن الصلاة متضمنة للإخلاص للمعبود, والزكاة متضمنة للإحسان إلى العبيد. { ثُمَّ } بعد هذا الأمر لكم بهذه الأوامر الحسنة التي إذا نظر إليها البصير العاقل, عرف أن من إحسان الله على عباده أن أمرهم بها,, وتفضل بها عليهم وأخذ المواثيق عليكم { تَوَلَّيْتُمْ } على وجه الإعراض، لأن المتولي قد يتولى, وله نية رجوع إلى ما تولى عنه، وهؤلاء ليس لهم رغبة ولا رجوع في هذه الأوامر، فنعوذ بالله من الخذلان. وقوله: { إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ } هذا استثناء, لئلا يوهم أنهم تولوا كلهم، فأخبر أن قليلا منهم, عصمهم الله وثبتهم. تفسير السعدي |
﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (83) ﴾ الميثاق هو العهد، والبشريَّة جمعاء حينما خُلِقوا في عالَم الذَر قال لهم الله تعالى: ﴿ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ سورة الأعراف العهد أن نأتي إلى الدنيا فنتعرف إلى الله من خلال الكون، والكون كلُّه ينطق بأسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى، أن نأتي إلى الدنيا وأن نستخدم العقل الذي أودعه الله فينا، وأن نصغي إلى صوت الفطرة التي فُطرنا عليها، وأن نستخدم حريَّة الاختيار في اختيار الخير، وأن نستخدم الشهوات كقوَّى محرِّكة لا قوى مدمِّرة، وأن نجعل من الشرع منهجاً لنا، من أجل هذا جئنا إلى الدنيا، وهذا هو العهد الذي عاهدنا ربنا عليه، وهذا مضمون قوله تعالى: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ ﴾ سورة الأحزاب تفسير النابلسي |
مضمون منهج الله عزَّ وجل: لقد تضمّنت هذه الآية العديد من العبادات بالإضافة إلى العبادة الاعتقادية في مطلبها، عبادة اعتقاديَّة: ﴿ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ (83) ُ﴾ عبادات شعائريَّة: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ (83) ُ﴾ عبادات تعامليَّة: ﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ (83) ُ﴾ عبادات قوليَّة: ﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً (83) ﴾ هذا مضمون منهج الله عزَّ وجل: عبادة اعتقاديَّة، وعبادة شعائريَّة، وعبادة تعامليَّة، وعبادة قوليَّة تفسير النابلسي ولذلك فإن الدين شامل لكل نواحي الحياة (( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين )) الأنعام |
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ [البقرة : 84] قال صاحب المنار : (وقد أورد- سبحانه- النهى عن سفك بعضهم دم بعض، وإخراج بعضهم بعضا من ديارهم وأوطانهم، بعبارة تؤكد وحدة الأمة، وتحدث في النفس أثرا شريفا، يبعثها على الامتثال إن كان هناك قلب يشعر، ووجدان يتأثر فقال تعالى: لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ فجعل دم كل فرد من أفراد الأمة كأنه دم الآخر عينه حتى إذا سفكه كان كأنه بخع نفسه وانتحر بيده، وقال تعالى: وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ على هذا النسق، وهذا التعبير المعجز ببلاغته خاص بالقرآن الكريم» قال النبي صلي الله عليه وسلم (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى). (رواه مسلم) |
﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ (85) ﴾ هذا من أخطر أمراض اليهود وأنا أؤكِّد لكم أن المسلمين وقعوا في هذا المرض، يعجبهم من الدين ما هو يسير وسهل أما الانضباط - ضبط الشهوات فلا يعجبهم، كسب المال الحلال فلا يعجبهم، يريد كسب مال كثير ولو من طريق مشبوه، أحياناً يصوم نوافل وهو تارك لأشياء مهمَّة جداً في الدين، ومرتكب مخالفات كبيرة جداً في الدين أعجبه الزواج من الدين كله ، الشيء المريح الذي يعجبه أخذه أما إذا قلت له غض بصرك، فإنه يقول لك أين أذهب بعيوني ؟ وإن قلت له: هذا الدخل فيه شبهة اتركه، فإنه يقول لك: هذا الدخل كبير ويصعب تركه وأنا أضرب أمثلة وهي ليست على سبيل الحصر وقد يكون هناك آلاف من الأمثلة الأخرى هذا الذي يأخذ من الدين ما يعجبه ويدع ما لا يعجبه، هذا وقع في مرض من أمراض اليهود وإذا لم يُقِم المسلم الإسلام في بيته، ولم يضبط بناته، ولم يضبط أولاده، وإذا لم يحرَّر دخله، وإذا لم يكن عمله صحيحاً مشروعاً، ومهنته شريفة منطبقة على الشرع والمنهج، فكيف يسمي نفسه مسلماً ؟ تفسير النابلسي |
﴿ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85) ﴾ وقال: ﴿ أُولَئِكَ (86) ﴾ هؤلاء الذين كُلِّفوا ولكنهم لم يفعلوا ما كلِّفوا به، ونُهوا لكنهم فعلوا ما نهوا عنه: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ (86) ﴾ الآخرة تعني الأبد، والحياة الدنيا تعني سنوات معدودة، اشترى الحياة الدنيا بملاذِّها وشهواتها بالآخرة الأبديَّة: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (86)﴾ الآن أعداء المسلمين في العالَم كله كسبوا الدنيا، أقوياء جداً، أغنياء جداً، الأمور كلها بأيديهم، كسبوا الدنيا تماماً ؛ لكنَّهم ضيَّعوا الآخرة، فما دامت الآخرة حقاً فالمؤمن على ما يعاني أفضل عند الله ألف مرَّة من هؤلاء الذين كسبوا الدنيا وخسروا الآخرة : ﴿ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾سورة الزمر تفسير النابلسي |
أُولَـئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآَخِرَةِ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ(86)سورة البقرة هم نظروا إلي الدنيا فقط .. ونظرة الإنسان إلي الدنيا ومقارنتها بالآخرة تجعلك تطلب في كل ما تفعله ثواب الآخرة .. فالدنيا عمرك فيها محدود ولذلك فإن الإسلام لا يجعل الدنيا هدفا إذن فاجعل وجهتك الآخرة، ففيها النعيم المقيم المتعة فيها على قدرات الله .. ولكن خيبة هؤلاء أنهم اشتروا الدنيا بالآخرة .. ولذلك يقول الحق عنهم: "فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون" لا يخفف عنهم العذاب أي يجب ألا يأمنوا أن العذاب في الآخرة سيخفف عنهم .. أو ستقل درجته أو تنقص مدته وقوله: "ولا هم ينصرون" .. النصرة تأتي على معنيين .. تأتي بمعنى أنه لا يغلب .. وتأتي بمعنى أن هناك قوة تنتصر له أي تنصره .. كونه يغلب .. الله سبحانه وتعالى غالب على أمره فلا أحد يملك لنفسه نفعا ولا ضرا .. ولكن الله يملك النفع والضر لكل خلقه .. ويملك تبارك وتعالى أن يقهر خلقه على ما يشاء .. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاء اللّه))ُالآية 188 سورة الأعراف أما مسألة أن ينصره أحد .. فمن الذي يستطيع أن ينصر أحدا من الله واقرأ قوله سبحانه وتعالى عن نوح عليه السلام: ((وَيَا قَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللّهِ)) (من الآية 30 سورة هود) تفسير الشعراوي |
﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ ﴾ [البقرة: 87] إن من نعم الله العظمى على بني إسرائيل، إعطاءه موسى التوراة فيها هدى ونور، وكتب له فيها من كل شيء موعظة وتفصيلًا لكل شيء؛ فإن النعمة على موسى نعمة على بني إسرائيل، وإن التفضل بإعطاء موسى التوراة تفضُّل على بني إسرائيل الذين أُنزلت التوراة من أجلهم ولخيرهم وإسعادهم، وإنقاذهم مما كانوا فيه من الذلة والجهل والضلال والشقاء، فلم يقدروا هذه النعمة قدرها، ولم يأخذوها بقوة ويتبعوا نهجها المستقيم. وأين نحن : أليس من نعم الله علينا أن ارسل الينا سيدنا محمد رسولا وآتاه القرآن هدي ونورا لنا . فيه عزّنا وسعادتنا من قال به صدق ومن عمل به سعد في الدنيا والآخرة ومن دعا إليه هدي الي صراط مستقيم . فأولي بنا أن نستشعر نعمة القرآن ونحافظ عليها بالقراءة والتدبر والعمل والدعوة اليه |
(( وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ )) وهذه نعمة أخرى أن جعل الله في بني إسرائيل أنبياءَ كثيرين، أرسلهم متتالين بعد موسى، يقفو بعضهم أثر بعض، ويتبع بعضهم بعضًا؛ فهم جميعًا يسلكون طريق موسى، ويدعون إلى ما كان يدعو إليه موسى، يحيون ما يميت الناس من شريعة موسى، ويجددون العمل والحكم بالتوراة التي جاءهم بها موسى، والتي جعلوها وراء ظهورهم؛ وغلَّبوا عليها أهواءهم وآراءهم، وما كتبوه بأيديهم زاعمين أنه من عند الله وما هو من عند الله ولكن قسوة قلوبهم كانت أغلظ من أن يُلينها وعظ أولئك الأنبياء ونصحهم، بل كثيرًا ما طغت تلك القسوة على الأنبياء، ففريقًا كذبوا وفريقًا يقتلون. ( الشيخ محمد حامد الفقي ) أما نحن : فقد ختم الله الأنبياء بنبينا محمد صلي الله عليه وسلم . وببركة ختم النبوة شرف الله أمة الاسلام بعمل الأنبياء فقال سبحانه : { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّه عَلَى بَصِيرَة أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّه وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } فعلينا القيام بما كان يقوم به الأنبياء بالدعوة الي الله والتناصح فيما بيننا والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو شرف هذه الأمة وسبب خيريتها |
{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ}.. [البقرة : 87] أنت عندما يأتيك كتاب . هذا الكتاب لكل المسلمين، فيه أمر، فما هو موقفك من الأمر ؟ فيه نهي، فيه وعد، فيه وعيد، فيه تشريع، فيه حلال، فيه حرام، فيه مواعظ، فيه قصص الأقوام السابقة، فيه المستقبل البعيد، ما موقفك من هذا القرآن ؟ إن هذا القرآن منهج، هل أحللت حلاله ؟ هل حرَّمت حرامه ؟ هل صدَّقت وعده ووعيده ؟ (تفسير النابلسي) يقول الشعراوي رحمه الله : إن كثرةَ الأنبياءِ لبني إسرائيلَ ليست شهادة لهم ولكنها شهادة عليهم إنهم يتفاخرون أنهم أكثرُ الأممِ أنبياءً.. ويعتبرون ذلك ميزة لهم ولكنهم لم يفهموا.. فكثرة الأنبياء والرسل دلالةَ على كثرة فساد الأمة، لأن الرسل إنما يجيئون لتخليص البشريةِ من فساد وأمراض وإنقاذها من الشقاء. وكلما كثُرَ الرسلُ والأنبياءُ دل ذلك على أن القومَ قد انحرفوا بمجرد ذهاب الرسولِ عنهم، ولذلك كان لابد من رسول جديد. تماما كما يكون المريض في حالةٍ خطرةٍ فيكثر أطباؤه بلا فائدةٍ |
{وَآتَيْنَا عِيسَى ابن مَرْيَمَ البينات وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القدس} عيسى ابنُ مريمَ عليه السلام جاء ليرد على المادية التي سيطرت على بني إسرائيل.. وجعلتهم لا يعترفون إلا بالشيء المادي المحسوس.. فعقولهم وقلوبهم أغلقت من ناحية الغيب.. حتى إنهم قالوا لموسى: {أَرِنَا الله جَهْرَةً}.. وحين جاءهم المن والسلوى رزقاً من الله.. خافوا أن ينقطع عنهم لأنه رزقٌ غيبيّ فطلبوا نبات الأرض.. لذلك كان لابد أن يأتي رسول كل حياته ومنهجه أمور غيبية.. مولده أمر غيبي، وموته أمر غيبي ورفعه أمر غيبي ومعجزاته أمور غيبية حتى ينقلهم من طغيان المادية إلى صفاء الروحانية. لقد كان أول أمره أن يأتي عن غير طريق التكاثر الماديّ.. أي الذي يتم بين الناس عن طريق رجل وأنثى وحيوان منويّ.. واللهُ سبحانه وتعالى أراد أن ينزع من أذهان بني إسرائيل أن الأسباب المادية تحكمه.. وإنما هو الذي يحكم السبب. هو الذي يخلق الأسباب ومتى قال: (كن) كان.. بصرف النظر عن المادية المألوفة في الكون.. وأن السبب لا يأتي بالنتيجة وإنما النتيجة من عند مسبب الأسباب وخالق الأسباب سبحانه فهو الفعال فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن تفسير الشعراوي |
{وَآتَيْنَا عِيسَى ابن مَرْيَمَ البينات} البينات هي المعجزات مثل إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله وغير ذلك من المعجزات.. وهي الأمور البينة الواضحة على صدق رسالته. إن كل رسول كان مؤيداً بروح القدس وهو جبريل عليه السلام.. ولكن الله أيد عيسى بروح القدس دائما معه.. وهذا معنى قوله تعالى: {وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القدس}.. وأيدناه مشتقة من القوة ومعناها قويناه بروح القدس في كل أمر من الأمور.. وكلمة روح تأتي على معنيين المعنى الأول ما يدخل الجسم فيعطيه الحركة والحياة.. وهناك روح أخرى هي روح القيم تجعل الحركة نافعة ومفيدة ولذلك سمى الحق سبحانه وتعالى القرآن بالروح.. واقرأ قوله تعالى {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا}[الشورى : 52] والقرآن روح.. من لا يعمل به تكون حركة حياته بلا قيم.. إذن كل ما يتصل بالمنهج فهو روح تفسير الشعراوي |
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين جزاك الله خيرا وجعل تدبرك للقرآن في ميزان حسناتك يوم القيامة |
{أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تهوى أَنْفُسُكُمْ استكبرتم} هناك هَوَى بالفتحة على الواو وهَوِيَ بالكسرة على الواو.. هَوَى بالفتحة على الواو بمعنى سقط إلى أسفل.. وهَوِيَ بالكسرة على الواو معناه أحب وأشتهى. اللفظان ملتقيان.. الأول معناه الهبوط، والثاني حب الشهوة والهوى يؤدي إلى الهبوط.. ولذلك فإن الله سبحانه وتعالى حينما يشرع يقول (تَعَالَوْا) ومعناها؟ إرتفعوا من موقعكم الهابط إذن فالمنهج جاء ليعصمنا من السقوط ورسول الله صلى الله عليه وسلم.. يعطينا هذا المعنى، وكيف أن الدين يعصمنا من أن نهوى ونسقط في جهنم : روى الإمام البخاري بسنده عن أَبَي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: (إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ النَّاسِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا, فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ جَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي تَقَعُ فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا, فَجَعَلَ يَنْزِعُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَقْتَحِمْنَ فِيهَا, فَأَنَا آخُذُ بِحُجَزِكُمْ عَنْ النَّارِ وَهُمْ يَقْتَحِمُونَ فِيهَا) ومعنى آخذ بحجزكم أي آخذ بكم.. وكأننا نقبل على النار ونحن نشتهيها باتباعنا شهوتنا.. ورسول الله بمنهج الله يحاول أن ينقذنا منها تفسير الشعراوي |
﴿ وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ (88) ﴾ حينما تعتقد أو تتوهَّم أن الله خلق إنساناً وجعله لا يهتدي فهذا خطأٌ شنيعٌ في العقيدة كل إنسانٍ خلقه الله، خلقه وعنده استعدادٌ كامل أن يهتدي إلى الله وأن يعرفه، وأن يسعد في الدنيا والآخرة، إن قضاء الله لم يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار ". الله لم يجبرك، لو أن الله أجبر عباده على الطاعة لبطل الثواب، ولو أجبرهم على المعصية لبطل العقاب إن الله أمر عباده تخييراً، ونهاهم تحذيراً، وكلف يسيراً، ولم يكلف عسيراً، وأعطى على القليل كثيراً الخلل الكبير لمجرد أن تعتقد أن الله أجبرك على الطاعة أو على المعصية آيات من القرآن الكريم تبين أن الله أمر عباده تخييراً ونهاهم تحذيراً: قال تعالى:﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً (3)﴾ سورة الإنسان وقال:﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ (148) ﴾ سورة البقرة مقتطفات من تفسير النابلسي |
﴿ وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ (88) ﴾ أي نحن لا نهتدي، فرد الله عليهم قال : ﴿ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ (88) ﴾ أي أبعدهم بكفرهم، وهذه الباء باء السببية، أي بسبب كفرهم هناك ثلاث آيات مهمة اساس هذه الآية : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ(67)﴾ سورة المائدة ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(51)﴾ سورة المائدة ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ(6)﴾ سورة المنافقون من تلبَّسَ بالفسق أو الظلم أو الكفرلا يهديه الله عزَّ وجل، لأن فسقه وظلمه وكفره حجابٌ بينه وبين الله أي أن الإنسان إذا ابتعد عن الكفر والظلم والفسق، فهو معرضٌ لهداية الله عز وجل فالإنسان مخلوق مخير، فلو أن الإنسان اختار الكفر أو الفسق أو الظلم لا يجبره الله عزَّ وجل على الإيمان والاستقامة والعدل . يدعوه ويرَغِّبه ويبين له ثمار الطاعة ولكن لا يجبره عليها مقتطفات من تفسير النابلسي |
﴿ وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ (89) ﴾ الكتاب هو القرآن مصدق لما معهم من التوراة . وكانوا يقولون لأهل يثرب يأتينا نبي نؤمن به ونقاتلكم به قتل عاد فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به والله عز وجل يقول: ﴿ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ﴾ البقرة فهل من معرفةٍ بديهيةٍ، صادقةٍ، أكيدةٍ، ثابتةٍ، كأن يعرف الإنسان ابنه ؟! الاختلاف عند نقص المعلومات شيءٌ طبيعي، (( كان الناس أمةً واحدةً فاختلفوا )) أما الاختلاف عند توافر الحقائق قد يكون بسبب الحسد، أو البغي، أو المصالح، والأهواء، والنزعات وما إلى ذلك، هذا أقذر أنواع الخلافات بين الناس. ﴿ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُواْ الكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ﴾ آل عمران فإذا أردنا أن نلتفت إلى المسلمين اليوم ؛ الإله واحد، والنبي واحد، والقرآن واحد، والتشريع واحد، فلمَ هذا الاختلاف ؟! إنه اختلاف البغي، والحسد، وتضارب المصالح والأهواء تفسير النابلسي |
﴿ فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (89) ﴾ يمكن أن يقبل الله عزَّ وجل منك عذراً إن كنت لا تعلم، لكن إذا علمت ليس لك عذر أبداً، العلم خطير، حجةٌ لك إن طَبَّقْتَهُ، وحجةٌ عليك إن لم تطبقه، هذا الذي يعلم ولا يعمل، هذا الذي يعرف وينحرف هذا غضب الله عليه، ومعنى قول الله عزَّ وجل : ﴿ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ(7) ﴾ ( سورة الفاتحة) المغضوب عليهم هم الذين عرفوا وانحرفوا، هل من مسلمٍ على وجه الأرض لا يعلم أن الصلاة حق وأن الصيام حق وأن الحج حق وأن الزكاة حق وأن الصدق حق وأن الأمانة حق وأن الوفاء بالوعد حق وأن الحفاظ على العهد حق وأن الإنصاف حق ؟ هذه أشياء بديهية، فلماذا يأكل المسلمون أموال بعضهم بعضاً ؟ لماذا يرفعون أمرهم إلى القضاء وفي القضاء عشرات بل مئات الألوف من القضايا ؟ لماذا يعتدي بعضهم على أعراض بعض ؟ هذا الذي عرف وانحرف له عند الله جزاءٌ كبير. على الإنسان أن يكون معه حجة يقدمها لله عز وجل يوم القيامة عن كل عمل يقوم به في الدنيا تفسير النابلسي |
جميع الأوقات حسب التوقيت الدولي +2. الساعة الآن 10:11. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2025, Jelsoft Enterprises Ltd.