منتديات كلمة سواء الدعوية للحوار الإسلامي المسيحي

منتديات كلمة سواء الدعوية للحوار الإسلامي المسيحي (https://www.kalemasawaa.com/vb/index.php)
-   التاريخ والبلدان (https://www.kalemasawaa.com/vb/forumdisplay.php?f=65)
-   -   ظهور التتار / د/ راغب السرجاني (https://www.kalemasawaa.com/vb/showthread.php?t=10046)

أمــة الله 22.11.2010 20:46

صفعة على خد الكنيسة
لقد عين هولاكو البطريرك اليوناني "يومنيميوس" مكان البطريرك اللاتيني )الإيطالي( الذي قدم قبل ذلك من جنوة، ولا ننسى أن الإمارات الصليبية في الشام هي إمارات مملوكة لنصارى غرب أوروبا، وهم جميعاً على المذهب الكاثوليكي، بينما البطريرك اليوناني الجديد على المذهب الأرثوذكسي، وهو مذهب أوروبا الشرقية، وبالطبع فهناك فارق هائل بين المذهبين، بل هناك أيضًا صراع هائل بين المذهبين، فكانت هذه الخطوة من هولاكو خطوة محسوبة لها مراميها الخطيرة جداً، فهو أولاً يريد إذلال أمير أنطاكية وملك أرمينيا ليعلما أنهما مجرد تابعين له لا رأي لهما، ولا يرقى إلى أذهانهما أن يتعاملا مع هولاكو "كحلفاء" على نفس المستوى، وثانياً هو لا يريد أن يكون هناك استقرار في هذه المناطق لكي لا يتوسع ملك أو أمير في المنطقة على غير رغبته، بل سيجعل كل فريق من حلفائه رقيباً على الآخر، وثالثاً كان هولاكو يريد إقامة علاقات صداقة وجوار مع الإمبراطور اليوناني، وذلك ليضمن استقرار سلطانه على أرض الشام والأناضول، وهي الأرض المجاورة تماماً للإمبراطور اليوناني، فإذا انتهى من أمر الأناضول كله، فقد يفكر في إعادة ترتيب أوراقه من جديد..
وبالطبع كان في هذه الخطوة إهانة كبيرة لأمير أنطاكية، ولكنه كان واقعياً، وأدرك حجمه الطبيعي، وموقفه المهين فلم يعترض، ولكن كبراء قومه ووزرائه اعترضوا عليه، لكن بوهمند أصر على الرضوخ لهولاكو، ووضح لهم قدرهم الحقيقي، فهم يحكمون إمارة لا تُرى على خريطة الدنيا، بينما التتار دولة تصل في ذلك الوقت من كوريا شرقاً إلى بولندا غرباً، وقد اكتسحت في طريقها كل أملاك المسلمين، علماً بأن كل الحروب الصليبية السابقة ـ والتي قامت بها أوروبا ضد المسلمين على مدار عشرات السنين ـ لم تفلح إلا في احتلال بعض الإمارات الصغيرة المتفرقة في تركيا وسوريا وفلسطين ولبنان، ولم تكن الإمارة في الغالب سوى مدينة واحدة تحيط بها بعض القرى..
وهكذا استقر الوضع لهولاكو في شمال سوريا وجنوب تركيا، وبدأ يفكر في التوجه جنوباً لاحتلال مدينة حماة أولاً، ثم المرور على بعد ذلك على مدينة "حمص"، وهي بلد الأمير الخائن الأشرف الأيوبي والموالي له، وذلك ليصل في النهاية إلى "المجاهد" الناصر يوسف الأيوبي وجيشه الرابض في شمال دمشق!..
تسليم "حماة"!
وبينما كان جيش التتار يستعد للتوجه إلى حماة، جاء إلى هولاكو وفد من أعيان حماة وكبرائها يقدمون له مفاتيح المدينة، ويسلمونها له دون قتال.. وذلك برغبتهم وإرادتهم الذاتية، ودون طلب من هولاكو!!.. وقبل منهم هولاكو المفاتيح، وأعطاهم الأمان، ولكنه كان في هذه المرة أماناً حقيقياً، وذلك ليشجع غيرهم على أن يحذوا حذوهم..

وتحرك هولاكو بجيشه الجرار في اتجاه الجنوب، ومر على حماة دون أن يدخلها، وكذلك مر على حمص بلد "صديقه" الأشرف الأيوبي ولم يدخلها كذلك، واتجه مباشرة إلى دمشق، وبينها وبين حمص 120 كيلومترًا فقط..
ولنترك هولاكو قليلاً، ونذهب لمتابعة الموقف في دمشق..
الناصر يوسف يعسكر الآن في جيشه خارج دمشق، والأخبار السيئة جاءت بسقوط حصون ميافارقين، وقتل الكامل محمد الأيوبي بالطريقة البشعة التي أشرنا إليها، ثم جاءت الأخبار أيضاً بسقوط مدينة حلب واستباحتها، ثم سقوط حصن حارم، ثم تسليم حماة وحمص دون قتال.. والخطوة القادمة للتتار هي - ولا شك - دمشق!!..
ماذا يفعل الناصر يوسف الملك الجبان، وقد أعلن حرباً ليست له بها طاقة.. ليس لقوة التتار فقط، بل لضعفه هو في الأساس؟
لقد عقد الناصر يوسف مجلساً استشارياً هاماً يضم قادة جنده.
ماذا نفعل؟

أمــة الله 22.11.2010 20:47

بطل في مستنقع الأذلاء!!
كان المجلس يضم معظم أمراء الجيش، وعلى رأسهم الأمير زين الدين الحافظي، وكان يضم أيضاً الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري، وهو من أمراء المماليك البحرية الذين فروا قبل ذلك من مصر أثناء فتنة دارت بين المماليك هناك، واستقبله الناصر يوسف، وضمه إلى قواده لما له من الكفاءة العسكرية العالية جداً، والقدرات القيادية الهائلة..
بدأ الاجتماع، ولم يكن يخفى على الحضور مظاهر الرعب والهلع التي يعاني منها الناصر يوسف، والتي انتقلت منه بعد ذلك إلى معظم أمرائه..
وبدا واضحاً أيضاً أن الناصر يوسف لا يميل مطلقاً إلى الحرب، ولا يقوى على اللقاء، وكذلك أمراؤه، فبدأ معظم الحضور يتخاذلون، ويتحدثون عن الفجوة الهائلة بينهم وبين التتار، ثم انتقل الحديث إلى أمير الجيش الأمير زين الدين الحافظي فقام يعظم من شأن التتار، ويهون من شأن المسلمين، ويشير على الناصر يوسف ألا يقاتل..
هنا انتفض الأمير ركن الدين بيبرس، وكانت فيه حمية كبيرة للدين، وحماسة عالية للقضاء على التتار، ورغبة جارفة في المواجهة.. لكنه وجد نفسه في مجموعة من المتخاذلين والخونة..
صرخ الأمير ركن الدين بيبرس في وجه زين الدين الحافظي، ثم سبّه سبًّا عنيفاً، بل إنه لم يتمالك نفسه فقام وضربه، وقال له: أنت سبب هلاك المسلمين..
وطبعاً كلام "بيبرس" وإن كان موجهاً إلى زين الدين الحافظي إلا أن المقصود الأول من الكلام هو الناصر يوسف نفسه.. فهو من أهم أسباب هلاك المسلمين.. لكن بيبرس كان يخاطب مجموعة من الأموات.. والموتى لا يسمعون!.. فما وقعت كلماته في قلب أحد..
"إنك لا تُسمع الموتى ولا تُسمع الصمَّ الدعاء إذا ولَّوا مُدبرين"
وهؤلاء موتى!.. وصُمٌّ!.. ومُدْبرون!..
ومن ثَمَّ اتخذوا القرار المناسب في رأيهم..
والقرار............. هو الفرار !!!!!!!!!..
الأمير الناصر يوسف سيفر، والأمراء سيفرون، والجيش سيفر، وستبقى مدينة دمشق وشعبها الكبير دون حماية ولا دفاع!!..
وإنا لله وإنا إليه راجعون..
ولم يجد ركن الدين بيبرس حلاً مع هؤلاء فتوجه إلى غزة بفلسطين، وهناك راسل سلطان مصر ليذهب عنده على أمل التوحد في لقاء التتار.. وبالفعل استقبله سلطان مصر بحفاوة، وسنأتي لتفصيل ذلك مستقبلاً إن شاء الله..
وخلت دمشق من الأمراء والحراس..
ومدينة دمشق مدينة كبيرة وحصينة، وكان يتوقع لها الثبات فترة طويلة قبل أن تسقط، ولكن الأمراء من أمثال الناصر يوسف يأمرون بالمقاومة ويحضون عليها ما دامت بعيدة عن أرضهم، فإذا اقتربت جيوش العدو من مدينتهم كانت الخطة البديلة دائماً هي.. الفرار..
حدث ذلك في دمشق، ويحدث كثيراً إذا وجد أمثال هؤلاء الأمراء الأقزام..

تسليم "دمشق"!!
ووقع أهل دمشق في حيرة كبيرة.. ماذا يفعلون؟! جيوش التتار ستأتي إليهم في غضون أيام قليلة جداً.. والتتار لا يبقون على أخضر ولا يابس، وشعب دمشق لم يتدرب قبل ذلك على جهاد، وليست له دراية بفنون القتال، والجند المحترفون والأمراء القواد هربوا وتركوا مواقعهم..
لقد كان الموقف في غاية التردي..
وهنا اجتمع أعيان دمشق وكبراؤها، واتفقوا على أن يفعلوا مثلما فعل أهل "حماة"، فيأخذوا مفاتيح المدينة، ويسلموها إلى هولاكو، ثم يطلبوا الأمان منه، ولم يخالف هذا الرأي إلا قلة من المجاهدين قرروا التحصن في قلعة دمشق، والدفاع حتى النهاية..
وصدق ظن هولاكو عندما أعطى الأمان الحقيقي لأهل حماة، فإن ذلك دفع غيرهم من أهل المدن الكبرى أن يفعلوا مثلهم..
وخرج وفد من أعيان دمشق يستقبل جيش هولاكو، ويسلمه مفاتيح المدينة ومقاليد الحكم في دمشق..
موت "منكوخان"..
في هذه الأثناء حدث أمر لم يكن في حسبان هولاكو في هذا التوقيت.. لقد مات "منكوخان" زعيم دولة التتار، وجاءت الأخبار بذلك إلى هولاكو قبل أن يصل إلى دمشق، وبالطبع كانت هذه أزمة خطيرة، فمنكوخان يحكم دولة مهولة اتسعت في وقت قياسي، وحدوث أي اضطراب في الحكم قد يهدد هذه الدولة العظيمة بالتفكك، كما أن هولاكو - بلا شك ـ هو أحد المرشحين لحكم دولة التتار، فهو أخو منكوخان، وهو حفيد جنكيزخان، وله الانتصارات العظيمة الكثيرة، وله الفتوحات المبهرة.. ويكفيه فخرًا أنه أوَّل مَن أسقط الخلافة الإسلامية في التاريخ.. فكانت كل هذه المؤهلات تجعل هولاكو من أوائل المرشحين لحكم دولة التتار بكاملها، بدلاً من حكم منطقة الشرق الأوسط فقط..
لذلك لما وصل خبر وفاة منكوخان، لم يتردد هولاكو في أن يترك جيشه، ويسرع بالعودة إلى قراقورم عاصمة التتار للمشاركة في عملية اختيار خليفة منكوخان، وترك هولاكو على رأس جيشه أكبر قواده وأعظمهم "كتبغا نوين"، وهو كما ذكرنا قبل ذلك من التتار النصارى..
وأسرع هولاكو بالعودة، حتى إذا وصل إلى إقليم فارس جاءته الرسل من قراقورم بأنه قد تم اختيار أخيه "قوبيلاي" خاقاناً جديداً للتتار، ومع أن الأمر كان صدمة كبيرة لأحلام هولاكو، وكان على خلاف توقعاته، بل وعلى خلاف قواعد الحكم التي وضعها جنكيزخان قبل ذلك، إلا أنه تقبل الأمر بهدوء، وآثر أن يمكث في منطقة الشرق الأوسط، لا سيما وقد رأى الخيرات العظيمة في هذه المناطق، لكنه لم يرجع مرة أخرى إلى الشام، بل ذهب إلى تبريز (في إيران حالياً)، وجعلها مركزاً رئيسياً لإدارة كل هذه الأملاك الواسعة، وتبريز بالإضافة إلى حصانتها وجوها المعتدل، فإنها تتوسط المساحات الهائلة التي دخلت تحت حكم هولاكو حتى الآن، فهو يحكم بداية من أقاليم خوارزم والتي تضم كازاخستان وتركمنستان وأوزبكستان وأفغانستان وباكستان، ومروراً بإقليم فارس وأذربيجان، وانتهاء بأرض العراق وتركيا والشام.. والذي شجعه أكثر على عدم الرجوع إلى الشام هو أن ما تبقى في بلاد الشام يعتبر جزءاً بسيطاً ضعيفاً ليس فيه مدن كبيرة، لاسيما أنه قد سمع قبل رجوعه بفرار جيش الناصر يوسف الأيوبي في اتجاه الجنوب إلى فلسطين تاركاً وراءه دمشق دون حماية.. غير أن هولاكو لم ينس أن يرسل رسالة هامة إلى "كتبغا" يؤكد له فيها على ضرورة الإمساك بهذا المتمرد الصعلوك "الناصر يوسف الأيوبي"..

أمــة الله 22.11.2010 20:47



ونعود إلى دمشق..
لقد وصل أعيان المدينة وهم يحملون مفاتيحها إلى جيش التتار، فاستقبلهم القائد الجديد كتبغا، وقبل منهم التسليم، وأعطاهم الأمان، وتقدم بجيشه لدخول المدينة العظيمة دمشق!..
ها هي "دمشق" عاصمة الخلافة الأموية تسقط كما سقطت من قبل "بغداد" عاصمة الخلافة العباسية!!..
سقطت دمشق!.. واحدة من أعظم مدن الإسلام قاطبة.. ومن أهم ثغور الجهاد.. ومن أرقى دور العلم..
ها هي الجيوش التترية تزحف على دمشق، وتنساب من أبوابها إلى داخلها دون أدنى مقاومة!!
أواه يا دمشق!!..
يا درّة الشام.. ويا قلب العالم الإسلامي!!..
أين أبو عبيدة بن الجراح وخالد بن الوليد ويزيد بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة رضي الله عنهم أجمعين، والذين فتحوا هذه المدينة الحصينة منذ أكثر من ستة قرون؟
أين معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه الذي حكم الدنيا من هذا المكان؟
أين عمر بن عبد العزيز رحمه الله الذي نشر العدل في الأرض من هذه المدينة؟
أين خلفاء بني أمية رحمهم الله الذين فتحوا البلاد الواسعة التي يسقطها التتار الآن؟
أين عماد الدين زنكي ونور الدين محمود رحمهما الله واللذان سطّرا بجهادهما آيات من المجد والعزة والفخار؟
أين صلاح الدين الأيوبي رحمه الله الذي يرقد الآن في مدينة دمشق؟
ها قد مرت الأيام وشاهد المسلمون في دمشق أموراً ما خطر على الذهن أصلاً أن تحدث..
لقد شاهد المسلمون ثلاثة أمراء من النصارى يتبخترون بخيولهم في مقدمة جيوشهم، وهم يخترقون أبواب دمشق، ويسيحون في شوارع المدينة الإسلامية العظيمة.. لقد كان يتقدم جيوش التتار كتبغا نوين، قائد الجيش التتري، وبصحبته الملك هيثوم النصراني ملك أرمينيا، والأمير بوهمند النصراني أمير أنطاكية.. ودخلوا جميعاً المدينة المسلمة المجيدة.. وهذه أول مرة يدخل أمراء النصارى مدينة دمشق منذ أن تركها أمراء الجيوش الرومانية أيام هرقل قيصر الروم، وذلك عند الفتح الإسلامي لها في سنة 14 هجرية..
ولا حول ولا قوة إلا بالله!!
وأعطى التتار الأمان فعلاً لأهل دمشق فلم يقتلوا منهم أحداً اللهم إلا أولئك الذين تحصنوا في قلعة دمشق، فقد حاصرهم التتار حتى أسقطوا القلعة بعد عدة أسابيع وقتلوا كل من فيها..
لقد سقطت دمشق في أواخر صفر سنة 658 هجرية، وذلك بعد سنتين تماماً من سقوط بغداد.. وهذا زمن قياسي حققه التتار، إذ إنهم اجتاحوا مساحات كبيرة في هذه المناطق، وأسقطوا مدناً كثيرة في العراق وتركيا وسوريا .. نعم المدن الرئيسية الثلاث هي بغداد وحلب ودمشق، لكن المدن الأخرى أيضاً ليست بالمدن البسيطة.. كما أن الكثافة السكانية في هذه المناطق كانت عالية جداً، لخصوبتها من ناحية، ولقدمها وتاريخها من ناحية ثانية، ولارتفاع مستوى المعيشة والحضارة فيها من ناحية ثالثة..
وبالطبع هبطت معنويات العالم الإسلامي كله إلى الحضيض.. وأصبح معظم المسلمين يوقن باستحالة هزيمة التتار، كما أصبح معظمهم أيضاً يدرك أن اللحظات المتبقية في عمر الأمة الإسلامية أصبحت قليلة جداً..
وبدأ التتار في إدارة مدينة دمشق بواسطة النصارى.. وذلك بعد أن خربوا أسوارها وقلاعها.. ووضعوا على إدارة المدينة رجلاً تترياً اسمه "إبل سيان"، وهو - وإن لم يكن نصرانيًّا - إلا إنه كان معظماً جداً للنصارى، ومحابياً جداً لهم، وبدأت المدينة تعيش فترة عجيبة في تاريخها!..
وأنقل هنا نص كلام ابن كثير رحمه الله وهو يصف حال دمشق وقت أن تولى حكمها "إبل سيان" التتري..
يقول ابن كثير رحمه الله:
"اجتمع إبل سيان لعنه الله بأساقفة النصارى وقساوستهم، فعظمهم جداً، وزار كنائسهم، فصارت لهم دولة وصولة بسببه، وذهبت طائفة من النصارى إلى هولاكو (في تبريز) وأخذوا معهم هدايا وتحفاً، وقدموا من عنده ومعهم أمان من جهته، ودخلوا من باب توما (أحد أبواب دمشق) ومعهم صليب منصوب.. يحملونه على رؤوس الناس، وهم ينادون بشعارهم ويقولون: "ظهر الدين الصحيح دين المسيح"، ويذمون دين الإسلام وأهله، ومعهم أوانٍ فيها خمر، لا يمرون على باب مسجد إلا رشوا عنده خمراً، وقماقم ملآنة خمراً يرشون منها على وجوه الناس وثيابهم، ويأمرون كل من يجتازون به في الأزقة والأسواق أن يقوم لصليبهم، ووقف خطيبهم إلى دكة دكان في عطفة السوق فمدح دين النصارى، وذم دين الإسلام وأهله، فإنا لله وإنا إليه راجعون..
ثم إنهم دخلوا الجامع بخمر، فلما وقع ذلك اجتمع قضاة المسلمين والشهود والفقهاء، فدخلوا القلعة يشكون هذه الحال إلى إبل سيان زعيم التتار، فأهينوا وطردوا، وقدم كلام رؤساء النصارى عليهم، فإنا لله وإنا إليه راجعون"..
وهكذا كان الوضع ينذر بكارثة حقيقية.. فقد وقع المسلمون بين شقي الرحى في دمشق.. بين التتار والنصارى.. وبات واضحاً للجميع أن التعاون بين الطائفتين التترية والنصرانية سيكون كبيراً، وخاصة أن رئيس المعسكر التتري في الشام نصراني وهو كتبغا، والنصارى الذين يعيشون في الشام يعرفون كل خباياها، ويدركون كل إمكانياتها.. ولا شك أن تعاونهم مع التتار سيكون ضربة موجعة للمسلمين..

أمــة الله 22.11.2010 20:47

نشأة المماليك

د. راغب السرجاني

http://www.islamstory.com/images/sto...5_image002.jpg



تعتبر فترة حكم المماليك تعد من الفترات التاريخية المجهولة عند كثير من المسلمين، وذلك قد يكون راجعاً لعدة عوامل.. ولعل من أهمها أن الأمة الإسلامية في ذلك الوقت كانت قد تفرقت تفرقاً كبيراً، حتى كثرت الإمارات والدويلات، وصغر حجمها إلى الدرجة التي كانت فيها بعض الإمارات لا تتعدى مدينة واحدة فقط!!.. وبالتالي فدراسة هذه الفترة تحتاج إلى مجهود ضخم لمتابعة الأحوال في العديد من الأقطار الإسلامية.

ومن العوامل التي أدت إلى جهل المسلمين بهذه الفترة أيضاً: كثرة الولاة والسلاطين في دولة المماليك ذاتها، ويكفي أن نشير إلى أن دولة المماليك الأولى -والمعروفة باسم دولة المماليك البحرية (وسنأتي إلى تعريف ذلك الاسم لاحقاً إن شاء الله)- حكمت حوالي 144 سنة، وفي خلال هذه الفترة حكم 29 سلطانًا!.. وذلك يعني أن متوسط حكم السلطان لم يكن يتعدى خمس سنوات.. وإن كان بعضهم قد حكم فترات طويلة، فإن الكثير منهم قد حكم عاماً أو عامين فقط!.. أضف إلى ذلك كثرة الانقلابات والاضطرابات العسكرية في فترة حكم المماليك، فقد قتل من الـسلاطين التسعة والعشرون عشرة، وخُلع اثنا عشر!!.. وهكذا كانت القوة والسلاح هي وسيلة التغيير الرئيسية للسلاطين، وسارت البلاد على القاعدة التي وضعها أحد سلاطين الدولة الأيوبية (قبل المماليك) وهو السلطان "العادل الأيوبي"، والتي تقول: "الحكم لمن غلب"!!..

ولعل من أهم أسباب عدم معرفة كثيرين بدولة المماليك هو تزوير التاريخ الإسلامي، والذي تولى كبره المستشرقون وأتباعهم من المسلمين المفتونين بهم, والذين شوهوا تاريخ المماليك لإنجازاتهم المشرقة والهامة؛ والتي كان منها: وقوفهم سداً منيعاً لصد قوتين عاتيتين من قوى الشر التي حاولت هدم صرح الإسلام، وهما التتار والصليبيون، وكان للمماليك جهاد مستمر ضد هاتين القوتين، وعلى مراحل مختلفة، وظلت دولة المماليك تحمل راية الإسلام في الأرض قرابة ثلاثة قرون، إلى أن تسلمت الخلافة العثمانية القوية راية المسلمين..

وأنا لست في هذا الكتاب بصدد الشرح والتفصيل لأخبار دولة المماليك، فإن هذا يطول البحث فيه، ولكني سأفرد إن شاء الله كتابين كاملين سأشرح فيهما بالتفصيل نشأة المماليك، وقصة دولتهم وجهادهم..

أما الكتاب الأول فسيكون عن الحروب الصليبية، وسأتحدث فيه إن شاء الله عن تاريخ الحملات الصليبية على العالم الإسلامي، ودور آل زنكي، ثم الدولة الأيوبية، ثم نشأة المماليك، ودورهم في صد هذه الحملات الصليبية..

وأما الكتاب الثاني فسيكون عن دولة المماليك ذاتها من البداية إلى النهاية..
لكني في هذا الفصل سأحاول أن أمر باختصار شديد على الأحداث التي أدت إلى ظهور دولة المماليك، والتي كانت تحكم مصر في الوقت الذي وصل فيه التتار إلى الشام، وذلك خلال اجتياحهم للعالم الإسلامي..

أمــة الله 22.11.2010 20:48

الدولة الأيوبية

لكي نفهم هذه الفترة بوضوح لابد من العودة إلى الوراء قليلاً لمتابعة الأحداث من بدايتها..
لقد أسَّسَ البطل الإسلامي العظيم صلاح الدين الأيوبي دولة الأيوبيين في سنة 569 هجرية، وظل يحكم هذه الدولة عشرين سنة إلى سنة 589 هجرية، ووحد في هذه الفترة مصر والشام، وتزعم الجهاد ضد الممالك الصليبية باقتدار، وحقق عليهم انتصارات هائلة، والتي من أشهرها موقعة حطين الخالدة في ربيع الثاني سنة 583 هجرية، وفتح بيت المقدس بعد حطين بثلاثة شهور فقط في رجب من نفس السنة، وترك صلاح الدين الأيوبي رحمه الله دولة قوية عظيمة تبسط سيطرتها على مصر والشام والحجاز واليمن وأعالي العراق وأجزاء من تركيا وأجزاء من ليبيا والنوبة.. وحُصر الصليبيون في ساحل ضيق على البحر الأبيض المتوسط في الشام.

لكن -سبحان الله- بوفاة صلاح الدين الأيوبي رحمه الله تقلص دور الجهاد ضد الصليبيين، وفُتن المسلمون بالدولة الكبيرة، وكثرت الأموال، وانفتحت الدنيا، واتسعت البلاد، وكان من جراء هذه العوامل وغيرها أن حدثت انقسامات شديدة في الدولة الأيوبية، وتفككت الدولة الأيوبية بعد وفاة صلاح الدين الأيوبي رحمه الله..

ولسنا بصدد التفصيل في هذه الخلافات والصراعات والاستقلالات، فسنفصل فيها إن شاء الله عند الحديث عن الحملات الصليبية في كتاب الحروب الصليبية، ولكن نذكر هنا أن الصراع بين أمراء الأيوبيين استمر نحو ستين سنة متصلة منذ موت صلاح الدين الأيوبي في سنة 589هـ، وإلى انتهاء الدولة الأيوبية في سنة 648 هجرية، ولم يكن هذا الصراعُ صراعَ كلام وسباب وشقاق فقط.. بل كان يصل إلى حد التقاتل بالسيوف، وإراقة الدماء المسلمة، وأدى ذلك بالطبع إلى الفُرقة الشديدة، والتشرذم المقيت.. بل كان يصل أحياناً الخلاف وانعدام الرؤية إلى درجة التعاون مع الصليبيين ضد المسلمين!! أو التعاون مع التتار ضد المسلمين!! وكل هذا من جراء الوقوع تحت فتنة الدنيا الرهيبة التي طالما حذر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم..

روى ابن ماجة والطبراني وابن حبان بإسناد صحيح عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة"..

لقد جعل صلاح الدين الأيوبي رحمه الله الجهاد نصب عينيه، وجعل له هدفاً واحداً هو قتال الصليبيين، وإعلاء كلمة الدين، فجمع الله عليه أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا –فعلاً- وهي راغمة..

أما معظم السلاطين الذين جاءوا من بعده فقد جعلوا الدنيا أكبر همهم، فتفرق عليهم الأمر تماماً، فما عادوا يدركون الصواب من الخطأ، ولا الحق من الباطل، فتارة مع المسلمين، وتارة مع الصليبيين، وتارة مع التتار، فجعل الله عز وجل فقرهم بين أعينهم، فمنهم من مات ذليلاً، ومنهم من مات فقيراً، ومنهم من مات طريداً، ومنهم من مات حبيساً..
كان هذا هو واقع المسلمين في معظم الفترة التي تلت حكم البطل الكبير صلاح الدين الأيوبي رحمه الله..

أمــة الله 22.11.2010 20:48

الملك الصالح نجم الدين أيوب
في هذه الصفحات سأقفز بكم خمسين سنة من الصراع، وأصل بكم إلى السنوات العشر الأخيرة من الدولة الأيوبية، وبالتحديد إلى سنة 637 هجرية، وذلك حين تولى عرش مصر السلطان الأيوبي "الصالح نجم الدين أيوب" أو "الملك الصالح"، والذي يعد من أفضل السلاطين الأيوبيين بعد صلاح الدين، وللأسف فإن كثيراً من المسلمين لا يعرفون شيئاً عن هذا السلطان العظيم حتى في مصر، والتي كانت مقر حكمه الرئيسي..

تولى الملك الصالح أيوب حكم مصر سنة 637 هجرية، وكالعادة الجارية في تلك الأيام استعدّ الأمراء الأيوبيون في الشام للتقاتل معه على خلافة مصر.. وحدثت بينهم مناوشات وحروب، ووصل الأمر إلى مداه في سنة 641 هجرية عندما توحدت قوى الأيوبيين المتناثرة في الشام، وتحالفت مع الصليبيين لحرب الملك الصالح أيوب!!.. وذلك في مقابل أن يتنازل أمراء الشام الأيوبيون عن بيت المقدس للصليبيين!!!..

والحق أن المرء لا يستطيع أن يتخيل كيف قبل أولئك الأمراء أن يتنازلوا عن بيت المقدس للنصارى، والمسلم الصادق لا يتخيل التفريط في أي بقعة إسلامية مهما صغرت، فكيف ببيت المقدس خاصة، والذي به ـ كما يعرف الجميع ـ المسجد الأقصى، والذي حرَّرَهُ جدهم البطل صلاح الدين رحمه الله من أيدي الصليبيين، وأريقت في سبيل تحريره دماء كثيرة، ومرت على المسلمين فترات عصيبة، وحروب مريرة.. لكن -سبحان الله- هذا ما حدث بالفعل!..

وتوحدت قوى أمراء الشام الأيوبيين مع الصليبيين في جيش كبير، وبدأ الزحف في اتجاه مصر.. وهنا أعد الملك الصالح جيشه، ووضع على قيادته أكفأ قادته وهو ركن الدين بيبرس، واستعد للمواجهة.. وكان الجيش المصري قليلاً وضعيفاً إذا قورن بالأعداد الكبيرة لجيوش الشام والصليبيين، ولذلك استعان الملك الصالح بالجنود الخوارزمية الذين كانوا قد فروا من قبل من منطقة خوارزم بعد الاجتياح التتري لها، والذي فصلنا فيه في الصفحات السابقة..

وكان هؤلاء الجنود الخوارزمية جنوداً مرتزقة بمعنى الكلمة.. بمعنى أنهم يتعاونون مع من يدفع أكثر، ويعرضون خدماتهم العسكرية في مقابل المال، فاستعان بهم الملك الصالح أيوب بالأجرة، ودارت موقعة كبيرة بين جيش الملك الصالح أيوب وبين قوى التحالف الأيوبية الصليبية، وعرفت هذه الموقعة باسم موقعة غزة، وكانت في سنة 642 هجرية، وكانت هذه الموقعة قد وقعت بالقرب من مدينة غزة الفلسطينية -نسأل الله عز وجل أن يحررها، وأن يحرر كامل فلسطين إن شاء الله- وانتصر فيها الملك الصالح انتصاراً باهراً، وقُتل من الصليبيين أعداد كبيرة وصلت إلى ثلاثين ألف مقاتل، وأسرت مجموعة كبيرة من أمرائهم وملوكهم، وكذلك أسرت مجموعة من أمراء الأيوبيين، واستغل الصالح أيوب الفرصة واتجه إلى بيت المقدس الذي كان الأيوبيون في الشام قد تنازلوا عنه للصليبيين، فاقتحم حصون الصليبيين، وحرّر المدينة المباركة بجيشه المدعم بالخوارزمية في سنة 643 هجرية، وبذلك حُرّر بيت المقدس نهائياً، ولم يستطع جيش نصراني أن يدخله أبداً لمدة سبعة قرون كاملة، إلى أن دخلته الجيوش البريطانية في الحرب العالمية الأولى في يوم 16 نوفمبر سنة 1917م، وذلك بالخيانة المعروفة لمصطفي كمال أتاتورك.. نسأل الله أن يعيده من جديد إلى الإسلام والمسلمين..

ثم إن الملك الصالح أيوب أكمل طريقه في اتجاه الشمال، ودخل دمشق، ووحّد مصر والشام من جديد، بل اتجه إلى تحرير بعض المدن الإسلامية الواقعة تحت السيطرة الصليبية، فحرر بالفعل طبرية وعسقلان وغيرهما..

غير أنه حدث تطور خطير جداً في جيش الصالح أيوب رحمه الله، حيث انشقت عن جيشه فرقة الخوارزمية المأجورة!.. وذلك بعد أن استمالها أحد الأمراء الأيوبيين بالشام مقابل دفع مال أكثر من المال الذي يدفعه لهم الصالح أيوب، ولم تكتف هذه الفرقة بالخروج، بل حاربت الصالح أيوب نفسه، ولم يثبت معه في هذه الحرب إلا جيشه الأساسي الذي أتى به من مصر، وعلى رأسه قائده المحنك ركن الدين بيبرس..

وخرج الصالح أيوب من هذه الحرب المؤسفة وقد أدرك أنه لابد أن يعتمد على الجيش الذي يدين له بالولاء لشخصه لا لماله.. فبدأ في الاعتماد على طائفة جديدة من الجنود بدلاً من الخوارزمية.. وكانت هذه الطائفة هي: "المماليك"..

أمــة الله 22.11.2010 20:48

من هم المماليك؟

المماليك في اللغة العربية هم العبيد أو الرقيق، وبخاصة هم الذين سُبُوا ولم يُسب آباؤهم ولا أمهاتهم..
ومفرد المماليك مملوك، وهو العبد الذي يباع ويشترى.. (العبد الذي سُبِي أبواه يعرف بالعبد القن وليس المملوك)..

ومع أن لفظ المماليك بهذا التعريف يعتبر عاماً على معظم الرقيق، إلا أنه اتخذ مدلولاً اصطلاحياً خاصاً في التاريخ الإسلامي، وذلك منذ أيام الخليفة العباسي المشهور "المأمون"، والذي حكم من سنة 198 هجرية إلى 218 هجرية، وأخيه "المعتصم" الذي حكم من سنة 218 هجرية إلى 227 هجرية.. ففي فترة حكم هذين الخليفتين استجلبا أعداداً ضخمة من الرقيق عن طريق الشراء من أسواق النخاسة، واستخدموهم كفرق عسكرية بهدف الاعتماد عليهم في تدعيم نفوذهما..

وبذلك ـ ومع مرور الوقت ـ أصبح المماليك هم الأداة العسكرية الرئيسية ـ وأحياناً الوحيدة ـ في كثير من البلاد الإسلامية.. وكان أمراء الدولة الأيوبية بوجه خاص يعتمدون على المماليك الذين يمتلكونهم في تدعيم قوتهم، ويستخدمونهم في حروبهم، لكن كانت أعدادهم محدودة إلى حد ما، إلى أن جاء الملك الصالح أيوب، وحدثت فتنة خروج الخوارزمية من جيشه، فاضطر رحمه الله إلى الإكثار من المماليك، حتى يقوي جيشه ويعتمد عليهم، وبذلك تزايدت أعداد المماليك جداً، وخاصة في مصر..

مصادر المماليك:
كان المصدر الرئيسي للمماليك إما بالأسر في الحروب، أو الشراء من أسواق النخاسة.. ومن أكثر المناطق التي كان يجلب منها المماليك بلاد ما وراء النهر، (النهر المقصود هو نهر جيحون، وهو الذي يجري شمال تركمنستان وأفغانستان، ويفصل بينهما وبين أوزبكستان وطاجكستان)، وكانت الأعراق التي تعيش خلف هذا النهر أعراق تركية في الأغلب، وكانت هذه المناطق مسرحاً دائماً للقتال وعدم الاستقرار، ولذلك كثر الأسرى القادمون من هذه المناطق، وكثرت أسواق الرقيق هناك، ومن أشهر مدن الرقيق في ذلك الوقت كانت "سمرقند" و"فرغانة" و"خوارزم" وغيرها.. لذلك كان الأصل التركي هو الغالب على المماليك، وإن كان لا يمنع أن هناك مماليك من أصول أرمينية ومن أصول مغولية، كما كان هناك مماليك من أصول أوروبية، وكان هؤلاء الأوربيون يعرفون بالصقالبة، وكانوا يستقدمون من شرق أوروبا بوجه خاص..

كل هذا كان يحدث على مدار عشرات أو مئات السنين، ولكن الأمر الذي استحدثه الملك الصالح أيوب -وتبعه بعد ذلك سلاطين دولة المماليك- أنه كان لا يأتي إلا بالمماليك الصغار في السن، أي في مرحلة الطفولة المبكرة، وكان غالبهم من بلاد غير مسلمة، وإن كان يحدث أحياناً أن يؤسر بعض الأطفال المسلمين غير الناطقين بالعربية، فلا يُعرفون، ولا يُعرف أصلهم أو دينهم، فيعاملون معاملة الرقيق..

تربية المماليك:
وكان الصالح أيوب -ومن تبعه من الأمراء- لا يتعاملون مع المماليك كرقيق.. بل على العكس من ذلك تماماً.. فقد كانوا يقربونهم جداً منهم لدرجة تكاد تقترب من درجة أبنائهم.. ولم تكن الرابطة التي تربط بين المالك والمملوك هي رابطة السيد والعبد أبداً، بل رابطة المعلم والتلميذ، أو رابطة الأب والابن، أو رابطة كبير العائلة وأبناء عائلته.. وهذه كلها روابط تعتمد على الحب في الأساس، لا على القهر أو المادة.. حتى إنهم كانوا يطلقون على السيد الذي يشتريهم لقب "الأستاذ" وليس لقب "السيد"..

ويشرح لنا المقريزي رحمه الله كيف كان يتربى المملوك الصغير الذي يُشترى وهو ما زال في طفولته المبكرة، فيقول: "إن أول المراحل في حياة المملوك هي أن يتعلم اللغة العربية قراءة وكتابة، ثم بعد ذلك يُدفع إلي من يعلمه القرآن الكريم، ثم يبدأ في تعلم مبادئ الفقه الإسلامي، وآداب الشريعة الإسلامية.. ويُهتم جداً بتدريبه على الصلاة، وكذلك على الأذكار النبوية، ويُراقب المملوك مراقبة شديدة من مؤدبيه ومعلميه، فإذا ارتكب خطأً يمس الآداب الإسلامية نُبه إلى ذلك، ثم عوقب"..

لهذه التربية المتميزة كان أطفال المماليك ينشئون عادة وهم يعظمون أمر الدين الإسلامي جدًا، وتتكون لديهم خلفية واسعة جداً عن الفقه الإسلامي، وتظل مكانة العلم والعلماء عالية جداً جداً عند المماليك طيلة حياتهم، وهذا ما يفسر النهضة العلمية الراقية التي حدثت في زمان المماليك، وكيف كانوا يقدرون العلماء حتى ولو خالفوهم في الرأي.. ولذلك ظهر في زمان دولة المماليك الكثير من علماء المسلمين الأفذاذ من أمثال العز بن عبد السلام والنووي وابن تيمية وابن القيم الجوزية وابن حجر العسقلاني وابن كثير والمقريزي وابن جماعة وابن قدامة المقدسي رحمهم الله جميعاً، وظهرت أيضاً غيرهم أعداد هائلة من العلماء يصعب جداً حصرهم..

ثم إذا وصل المملوك بعد ذلك إلى سن البلوغ جاء معلمو الفروسية ومدربو القتال فيعلمونهم فنون الحرب والقتال وركوب الخيل والرمي بالسهام والضرب بالسيوف، حتى يصلوا إلى مستويات عالية جداً في المهارة القتالية، والقوة البدنية، والقدرة على تحمل المشاق والصعاب..

ثم يتدربون بعد ذلك على أمور القيادة والإدارة ووضع الخطط الحربية، وحل المشكلات العسكرية، والتصرف في الأمور الصعبة، فينشأ المملوك وهو متفوق تماماً في المجال العسكري والإداري، وذلك بالإضافة إلى حمية دينية كبيرة، وغيرة إسلامية واضحة.. وهذا كله - بلا شك - كان يثبت أقدام المماليك تماماً في أرض القتال..
وكل ما سبق يشير إلى دور من أعظم أدوار المربين والآباء والدعاة، وهو الاهتمام الدقيق بالنشء الصغير، فهو عادة ما يكون سهل التشكيل، ليس في عقله أفكار منحرفة، ولا عقائد فاسدة، كما أنه يتمتع بالحمية والقوة والنشاط، وكل ذلك يؤهله لتأدية الواجبات الصعبة والمهام الضخمة على أفضل ما يكون الأداء..

وفي كل هذه المراحل من التربية كان السيد الذي اشتراهم يتابع كل هذه الخطوات بدقة، بل أحياناً كان السلطان الصالح أيوب - رحمه الله - يطمئن بنفسه على طعامهم وشرابهم وراحتهم، وكان كثيراً ما يجلس للأكل معهم، ويكثر من التبسط إليهم، وكان المماليك يحبونه حباً كبيراً حقيقياً، ويدينون له بالولاء التام..

وهكذا دائماً.. إذا كان القائد يخالط شعبه، ويشعر بهم، ويفرح لفرحهم، ويحزن لحزنهم، ويتألم لألمهم، فإنهم -ولاشك- يحبونه ويعظمونه، ولا شك أيضاً أنهم يثقون به، وإذا أمرهم بجهاد استجابوا سريعاً، وإذا كلفهم أمراً تسابقوا لتنفيذه، وبذلوا أرواحهم لتحقيقه.. أما إذا كان القائد في حالة انفصال عن شعبه، وكان يعيش حياته المترفة بعيداً عن رعيته.. يتمتع بكل ملذات الحياة وهم في كدحهم يعانون ويتألمون، فإنهم لا يشعرون ناحيته بأي انتماء.. بل إنهم قد يفقدون الانتماء إلى أوطانهم نفسها.. ويصبح الإصلاح والبناء في هذه الحالة ضرباً من المستحيل..

وكان المملوك إذا أظهر نبوغاً عسكرياً ودينياً فإنه يترقى في المناصب من رتبة إلى رتبة، فيصبح هو قائداً لغيره من المماليك، ثم إذا نبغ أكثر أعطي بعض الإقطاعات في الدولة فيمتلكها، فتدر عليه أرباحاً وفيرة، وقد يُعطى إقطاعات كبيرة، بل قد يصل إلى درجة أمير، وهم أمراء الأقاليم المختلفة، وأمراء الفرق في الجيش وهكذا..

وكان المماليك في الاسم ينتسبون عادة إلى السيد الذي اشتراهم..
فالمماليك الذين اشتراهم الملك الصالح يعرفون بالصالحية، والذين اشتراهم الملك الكامل يعرفون بالكاملية وهكذا..

وقد زاد عدد المماليك الصالحية، وقوي نفوذهم وشأنهم في عهد الملك الصالح أيوب، حتى بنى لنفسه قصراً على النيل، وبنى للمماليك قلعة إلى جواره تماماً.. وكان القصر والقلعة في منطقة الروضة بالقاهرة، وكان النيل يعرف بالبحر، ولذلك اشتهرت تسمية المماليك الصالحية "بالمماليك البحرية" (لأنهم يسكنون بجوار البحر).

وهكذا وطد الملك الصالح أيوب ملكه بالاستعانة بالمماليك الذين وصلوا إلى أرقى المناصب في جيشه وفي دولته، وتولى قيادة الجيش في عهده أحد المماليك البارزين اسمه "فارس الدين أقطاي"، وكان الذي يليه في الدرجة هو ركن الدين بيبرس، فهما بذلك من المماليك البحرية..

يتبع

جادي 23.11.2010 10:30

جزاكِ الله خيرا وزادكِ علماً وفهماً اختنا الفاضلة نورا
موضوع قيم ماتع نافع لايمل احد من قرأته
تقبل الله منا ومنكم صالح الاعمال
ورزقنا واياكم الفردوس الاعلى

أمــة الله 24.11.2010 19:46

اقتباس:

جزاكِ الله خيرا وزادكِ علماً وفهماً اختنا الفاضلة نورا
موضوع قيم ماتع نافع لايمل احد من قرأته
تقبل الله منا ومنكم صالح الاعمال
ورزقنا واياكم الفردوس الاعلى

اللهم آآمين نحن وإياك أخي جادي
مرورك الكريم والطيب يسعدني ويشرفني
جزاك الله خير الجزاء تقبل الله منا ومنك صالح الأعمال


أمــة الله 24.11.2010 19:46

حملة لويس التاسع

أقفز بكم بعض السنوات لأصل إلى سنة 647 هجرية.. وفي هذه السنة كان الصالح أيوب قد مرض مرضاً شديداً، وكان مصاباً بمرض السل، وبالإضافة إلى كبر سنه فإن هذا جعله طريح الفراش في القاهرة، وفي هذه الأثناء وقبلها كان ملك فرنسا (لويس التاسع) يريد أن يستغل فرصة الاجتياح التتري لشرق العالم الإسلامي، فيقوم هو باجتياح العالم الإسلامي من ناحية مصر والشام، وذكرنا من قبل أنه - أي: لويس - حاول الاستعانة بخاقان التتار آنذاك وهو كيوك بن أوكيتاي، ولكن فشلت هذه المحاولة.. ومع ذلك فقد أصر لويس على المضي في حملته..

ووقع اختياره على مدينة دمياط المصرية ليبدأ بها حملته لأنها كانت أهم ميناء في الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط في ذلك الزمن، وبذلك بدأت الحملة التي تعرف في التاريخ بالحملة الصليبية السابعة.

لن ندخل في تفصيلات هذه الحملة، وإن كان بها تفصيلات في غاية الأهمية، ومواقع من أهم المواقع في تاريخ المسلمين، ولكن ليس المجال هنا لذكرها، إنما ستذكر بالتفصيل إن شاء الله في كتاب الحروب الصليبية..

نزل الملك لويس التاسع بجيشه إلى دمياط في يوم 20 صفر سنة 647 هجرية، وللأسف الشديد ظنت الحامية المدافعة عن المدينة أن سلطانهم المريض الملك الصالح أيوب قد مات، فانسحبوا انسحاباً غير مبرر، ووقعت دمياط في أيدي الصليبيين بسهولة، وهي المدينة التي دوخت قبل ذلك الحملة الصليبية الخامسة..

علم بذلك الملك الصالح رحمه الله فاشتد حزنه، وعاقب المسئولين عن جريمة سقوط دمياط، وتوقَّع أن النصارى الصليبيين سيتجهون إلى القاهرة عبر النيل لغزو العاصمة المصرية نفسها, وبذلك يُسقطون الدولة بكاملها.. لذلك فقد قرر بحكمته أن يرتب اللقاء في الطريق بين القاهرة ودمياط.. واختار لذلك مدينة المنصورة لأنها تقع على النيل، وحتمًا سيستغل الصليبيون النيل للإبحار فيه بسفنهم الكثيرة..

وبالفعل أمر الملك الصالح رحمه الله بأن يحمله الناس إلى مدينة المنصورة الواقعة على فرع النيل الذي يأتي من دمياط، وذلك لانتظار جيش الصليبيين بها، والاستعداد لمعركة فاصلة هناك.. وبالفعل حُمل الملك الصالح -رغم مرضه الشديد- إلى المنصورة، وبدأ فارس الدين أقطاي وركن الدين بيبرس يضعان الخطة المناسبة للقاء النصارى في المنصورة..

وفاة الملك الصالح
خرج النصارى من دمياط في 12 شعبان 647 هجرية متجهين جنوباً عبر النيل صوب القاهرة، وكان من المؤكد أنهم سيمرون على المنصورة كما توقع الصالح أيوب.. ولكن سبحان الله في ليلة النصف من شعبان سنة 647 هجرية توفي الملك الصالح نجم الدين أيوب رحمه الله، وهو في المنصورة يعد الخطة مع جيوشه لتحصين المدينة، فنسأل له الله المغفرة والرحمة وأجر الشهداء.. يقول "ابن تغري بردي" صاحب كتاب "النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة" والمتوفى سنة 874 هجرية: "ولو لم يكن من محاسن السلطان الصالح نجم الدين أيوب إلا تجلده عند مقابلة العدو بالمنصورة، وهو بتلك الأمراض المزمنة، وموته على الجهاد والذبّ عن المسلمين لكفاه ذلك"، ثم يقول:" ما كان أصبره وأغزر مروءته!"..

وكانت مصيبة خطيرة جداً على المسلمين، لا لفقد الزعيم الصالح فقط، ولكن لفقدان البديل والخليفة له، وخاصة في ذلك التوقيت، والبلاد في أزمة شديدة، وميناء دمياط محتل، وجنود الصليبيين في الطريق..

وهنا تصرفت زوجة السلطان نجم الدين أيوب بحكمة بالغة.. وكانت زوجته هي "شجرة الدر"، وشجرة الدرّ كانت فيما سبق جارية من أصل أرمني أو تركي، اشتراها الصالح أيوب ثم أعتقها وتزوجها، ولذلك فهي في الأصل أقرب إلى المماليك..

ماذا فعلت شجرة الدرّ بعد وفاة السلطان الصالح أيوب؟
لقد كتمت شجرة الدرّ خبر وفاته، وقالت أن الأطباء منعوا زيارته، وأرسلت بسرعة إلى ابن الصالح أيوب، والذي كان يحكم مدينة تعرف "بحصن كيفا "(في تركيا الآن)، وكان اسمه "توران شاه بن نجم الدين أيوب"، وأبلغته بخبر وفاة أبيه، وأن عليه أن يأتي بسرعة لاستلام مقاليد الحكم في مصر والشام، ثم اتفقت مع كبير وزراء الملك الصالح وكان اسمه "فخر الدين يوسف" على إدارة الأمور إلى أن يأتي توران شاه، ثم كلفت فارس الدين أقطاي وركن الدين بيبرس بالاستمرار في الإعداد للمعركة الفاصلة في المنصورة، وهكذا سارت الأمور بصورة طيبة بعد وفاة الملك الصالح، ولم يحدث الاضطراب المتوقع نتيجة هذه الوفاة المفاجئة، وفي هذه الظروف الصعبة..

ومع كل احتياطات شجرة الدرّ إلا أن خبر وفاة الملك الصالح أيوب تسرب إلى الشعب، بل ووصل إلى الصليبيين، وهذا أدى إلى ارتفاع حماسة الصليبيين، وانخفاض معنويات الجيش المصري، وإن ظل ثابتاً في منطقة المنصورة..

ووضع فارس الدين أقطاي وركن الدين بيبرس خطة بارعة لمقابلة الجيش الفرنسي في المنصورة، وعرضاها على شجرة الدر، وكانت شجرة الدرّ تمثل الحاكم الفعلي لحين قدوم توران شاه ابن الصالح أيوب.. وأقرت شجرة الدرّ الخطة، وأخذ الجيش المصري مواقعه، واستعد للقاء..

موقعة المنصورة
في اليوم الرابع من ذي القعدة من سنة 647 هجرية دارت موقعة المنصورة العظيمة، وانتصر فيها المسلمون انتصاراً باهراً
والموقعة فيها تفصيلات رائعة لكن ليس المجال لتفصيلها هنا..

ثم حدث هجوم آخر على جيش الملك لويس التاسع المعسكر خارج المنصورة، وذلك في اليوم السابع من ذي
القعدة سنة 647 هجرية، ولكن الملك لويس التاسع تمكن من صد ذلك الهجوم بعد كفاح مرير..

وصل توران شاه إلى المنصورة بعد هذا الهجوم الأخير بعشرة أيام في السابع عشر من ذي القعدة سنة 647 هجرية، وتسلم السلطان الشاب مقاليد الحكم، وأعلن رسمياً وفاة الملك الصالح نجم الدين أيوب، وولاية توران شاه حكم مصر والشام.. ثم بدأ توران شاه في التخطيط لهجوم جديد على الصليبيين.. وكانت حالة الجيش الصليبي قد ساءت، وبدأ بالانسحاب ناحية دمياط، بينما ارتفعت معنويات الجيش المصري جداً للانتصارات السابقة، وخاصة انتصار المنصورة، ولوصول توران شاه في الوقت المناسب..

وبعد خطة بارعة وضعها توران شاه بن الصالح أيوب استطاع الجيش المصري أن يلتقي مرة أخرى مع الصليبيين، عند مدينة "فارسكور" في أوائل المحرم سنة 648 هجرية، بعد أقل من شهرين من موقعة المنصورة الكبيرة! ودارت هناك معركة هائلة تحطم فيها الجيش الصليبي تماماً، بل وأسر الملك لويس التاسع نفسه، ووقع جيشه بكامله ما بين قتيل وأسير، وسيق الملك لويس مكبلاً بالأغلال إلى المنصورة، حيث حبس في دار "فخر الدين إبراهيم ابن لقمان"..

ووضعت شروط قاسية على الملك لويس التاسع ليفتدي نفسه من الأسر، وكان من ضمنها أن يفتدي نفسه بثمانمائة ألف دينار من الذهب يدفع نصفها حالاً ونصفها مستقبلاً، على أن يحتفظ توران شاه بالأسرى الصليبيين إلى أن يتم دفع بقية الفدية، بالإضافة إلى إطلاق سراح الأسرى المسلمين، وتسليم دمياط للمسلمين، وهدنة بين الفريقين لمدة عشر سنوات..
لقد كان انتصاراً باهراً بكل المقاييس..

وتم بالفعل جمع نصف الفدية بصعوبة، وأطلق سراح الملك لويس التاسع إلى عكا، وكانت إمارة صليبية في ذلك الوقت..
نسأل الله أن يحررها من دنس اليهود الآن..

أمــة الله 24.11.2010 19:47

مقتل توران شاه

مع هذا الانتصار المبهر إلا أن توران شاه لم يكن الرجل الذي يناسب تلك الأحداث الساخنة التي تمر بالأمة..
لقد كان توران شاه شخصية عابثة!.. فلقد اتصف هذا السلطان الشاب بسوء الخلق، والجهل بشئون السياسة والحكم، وأعماه الغرور الذي ركبه بعد النصر على لويس التاسع ملك فرنسا عن رؤية أفضال ومزايا من حوله، فقد بدأ من ناحية يتنكر لزوجة أبيه شجرة الدر، واتهمها بإخفاء أموال أبيه، وطالبها بهذا المال، بل وهددها بشدة حتى دخلها منه خوف شديد، ولم يحفظ لها جميل حفظ الملك له بعد موت أبيه، وحفاظها على سير الأمور لحين قدومه، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإنه بدأ يتنكر لكبار أمراء المماليك، وعلى رأسهم فارس الدين أقطاي وركن الدين بيبرس، ولم يحفظ للمماليك جميل الانتصار الرائع الذي حققوه في موقعة المنصورة، فبدأ يقلل من شأنهم، ويقلص من مسئولياتهم، وبدأ على الجانب الآخر يعظم من شأن الرجال الذين جاءوا معه من حصن كيفا، وبدا واضحاً للجميع أنه سيقوم بعمليات تغيير واسعة النطاق في السلطة في مصر..

كل هذا في غضون الأشهر الثلاثة الأولى في مصر!.. وبعد موقعة فارسكور مباشرة..
وخافت شجرة الدرّ على نفسها، وأسرت بذلك إلى المماليك البحرية، وخاصةً فارس الدين أقطاي وركن الدين بيبرس، وكان المماليك البحرية يكنون لها كل الاحترام والولاء لكونها زوجة أستاذهم الملك الصالح رحمه الله، وكانت علاقة الأستاذية هذه من القوة بحيث تبقى آثارها حتى بعد موت الأستاذ.. ثم إن شجرة الدرّ قد وجدت نفس الوساوس في نفوس المماليك البحرية في ذات الوقت، ومن ثم اجتمع الرأي على سرعة التخلص من "توران شاه" قبل أن يتخلص هو منهم.. فقرروا قتله!!..

والحق أن المماليك بصفة عامة كان عندهم تساهل كبير في الدماء.. فكانوا يقتلون "بالشك!!".. فإذا شكوا في نوايا أحد أنه "ينوي" أن يغدر فإن ذلك يعتبر عندهم مبرراً كافياً للقتل، ولا أدري كيف كان هذا التساهل عاماً في حياة المماليك، فقد ظل هذا التساهل في الدماء في كل فترات دولة المماليك، وكم من أمرائهم، وكم من خصومهم، بل كم من عظمائهم قُتل بسبب الشك في نواياه، وقد يكون هذا راجعاً إلى التربية العسكرية الجافة التي نشأ عليها المماليك، فكانت فيهم قسوة نسبية وشدة، وعدم تمييع للأمور، فهم يحبون حسم كل أمورهم بالسيف الذي يحملونه منذ نعومة أظفارهم.. غير أن الذي لا يُفهم هو أن هؤلاء المماليك كانوا أيضاً ينشئون على التربية الدينية والفقهية.. ولا أدري أي سند فقهي يعضد قتل رجل ما، حتى ولو غلب على الظن أنه سيقوم بعزلك أو "احتمال" قتلك!

المهم أنه في هذا الزمن المليء بالمؤامرات والتدبيرات الخفية لم يكن يُستهجن جداً أمر هذا القتل، حتى لتجد أن القاتل قد يفخر أمام الناس بقتله لخصمه، بل قد يصعد وهو مرفوع الرأس إلى كرسي الحكم، ولا يشعر بأي تأنيب للضمير، وكأن الدماء التي تسيل ليس لها وزن عند الله عز وجل، ولا عند الناس..

وليس هذا دفاعاً عن "توران شاه" أو عن أي قتيل غيره، فقد يكون القتيل شخصية عابثة سيئة كريهة، ولكن العقوبات في الإسلام تأتي بمقاييس معينة وبمقادير خاصة.. وهذه المقاييس لم نحددها نحن، بل حددها رب السموات والأرض.. فالسارق -وإن كان مجرماً سيئاً كريهاً- إلا أنه لا يُقتل لمجرد السرقة بل تقطع يده، والزاني غير المحصن -وإن كان قد أتى بفعلة مشينة، وقام بعمل شنيع- إلا أنه يُجلد ولا يُرجم وهكذا..

ولا أعتقد أن الوساوس التي كانت تدخل نفوس بعض المماليك من غيرهم كانت مبرراً شرعياً كافياً للقتل.. نعم قد تكون مبرراً شرعياً للعزل أو الاعتراض أو الحبس.. لكن الوصول إلى حد القتل أمر كبير جداً..

لقد رفض عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يقتل عبدًا مجوسيًا غير مسلم مع عظم شكه في أن العبد سيقتله، فقد كان العبد المجوسي "أبو لؤلؤة" يعيش في المدينة، ويكره "عمر بن الخطاب" كراهية شديدة، وعمر رضي الله عنه هو " أمير المؤمنين" آنذاك، وكان عمر يعلم منه هذه الكراهية، لكنه لم يفكر في قتله أو حبسه أو ظلمه بأي صورة من صور الظلم، لأن الأمر مجرد شك لم يرتكز على يقين.

بل روى "ابن سعد" رحمه الله في ( الطبقات الكبرى( بسند صحيح أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لهذا المجوسي ذات يوم: ألم أحدث أنك تقول: " لو أشاء لصنعت رحى تطحن بالرحى )وكان المجوسي صانعًا ماهرًا(، فالتفت إليه المجوسي عابسًا، وقال: "لأصنعن لك رحى يتحدث الناس بها"، وقد قال هذه الكلمات بلهجة جعلت عمر يُقبل على من معه، ويقول: توعدني العبد!!.. أي أن "عمر" رضي الله عنه شك شكًا كبيرًا أن هذا العبد يتوعده بالقتل، و"عمر" رضي الله عنه ليس ككل المسلمين.. إن شكه يقترب من يقين الآخـرين، فهو الملهم الذي كان القرآن ينزل موافقًا لرأيه في كثير من المسـائل..

ومع ذلك فعمر رضي الله عنه لم يعتمد شكه أبدًا في قتل ـ أو حتى حبس ـ "العبد المجوسي"، الذي ليس بمسلمٍ أصلاً، لكن تحريم الظلم، وإرساء العدل أصل من الأصول لا فرق فيه بين المسلم وغير المسلم..
" ولا يجرمنكم شنئان قوم -أي كراهيتهم- على ألا تعدلوا"..

وسبحان الله!!.. صدق ظن عمر رضي الله عنه، ومرت الأيام، وقَتل العبد المجوسي "عمر بن الخطاب" رضي الله عنه، ولكن ذلك لم يغيّر من القاعدة الإسلامية شيئًا.. فلا يقتل أو يحبس، أو تقام عقوبة ما، ولو صغرت على رجل أو امرأة، أو حر أو عبد، أو غني أو فقير، إلا بدليل.. ودليل قوي ظاهر متفق على وضوحه..

"إن الظن لا يغني من الحق شيئًا"..
بل حدث مع "علي بن أبي طالب" رضي الله عنه ما هو أعجب من موقف "عمر بن الخطاب" رضي الله عنه، فعمر كان يشك في أبي لؤلؤة المجوسي، وكان هذا قبل أي محاولة للقتل.. أمـا "علي بن أبي طالب" رضي الله عنه فلم يأمر بقتل الذي طعنه فعلاً ـ وهو "عبد الرحمن بن ملجم" ـ إلا حينما يتيقن المسلمون أن عليًا رضي الله عنه قد مات، وهنا يقتل القاتل بسبب قتله لعلي رضي الله عنه، أما إذا لم يمت علي رضي الله عنه فلا يقتل!....

قال علي بعد أن طعنه "عبد الرحمن بن ملجم": "النفس بالنفس، إن أنا مت فاقتلوه كما قتلني، وإن بقيت رأيت فيه رأيي".

ثم أوصى أولاده، وأقاربه قبل أن يموت فقال: "يا بني عبد المطلب لا ألفينكم تخوضون في دماء المسلمين، تقولون: "قُتل أمير المؤمنين، قُتل أمير المؤمنين، ألا لا يُقتلن إلا قاتلي، انظر يا "حسن" إن أنا مت فاضربه ضربة بضربة، ولا تمثل بالرجل، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إياكم والمثلة، ولو أنها بالكلب العقور".
هذا هو الإسلام، ومع كون بعض البشر تقبل نفوسهم أن يعذبوا غيرهم من الناس بجريمة أو بدون جريمة..
فإن الإسلام يحرم المثلة بالكلب العقور!!

ونعود إلى قصتنا..
اتفقت شجرة الدرّ مع فارس الدين أقطاي وركن الدين بيبرس وغيرهما من المماليك الصالحية البحرية على قتل "توران شاه"، وبالفعل تمت الجريمة في يوم 27 محرم سنة 648 هجرية، أي بعد سبعين يوماً فقط من قدومه من حصن كيفا واعتلائه عرش مصر!.. وكأنه لم يقطع كل هذه المسافات لكي "يحكم" بل لكي "يُدفن"!!
وهكذا بمقتل "توران شاه" انتهى حكم الأيوبيين تماماً في مصر.. وبذلك أغلقت صفحة مهمة من صفحات التاريخ الإسلامي..

أمــة الله 24.11.2010 19:48

دولة المماليك


حدث فراغ سياسي كبير جداً بقتل توران شاه، فليس هناك أيوبي في مصر مؤهل لقيادة الدولة، ومن ناحية أخرى فإن الأيوبيين في الشام مازالوا يطمعون في مصر، وحتماً سيجهزون أنفسهم للقدوم إليها لضمها إلى الشام، ولا شك أنه قد داخل الأيوبيين في الشام حنق كبير على المماليك لأنهم تجرءوا وقتلوا أيوبياً.. ولا شك أيضاً أن المماليك كانوا يدركون أن الأيوبيين سيحرصون على الثأر منهم، كما أنهم كانوا يدركون أن قيمتهم في الجيش المصري كبيرة جداً، وأن القوة الفعلية في مصر ليست لأيوبي أو غيره إنما هي لهم، وأنهم قد ظُلموا بعد موقعة المنصورة وفارسكور، لأنهم كانوا السبب في الانتصار ومع ذلك هُمّش دورهم..

كل هذا الخلفيات جعلت المماليك -ولأول مرة في تاريخ مصر- يفكرون في أن يمسكوا هم بمقاليد الأمور مباشرة!.. وما دام "الحكم لمن غلب"، وهم القادرون على أن يغلبوا، فلماذا لا يكون الحكم لهم؟!..

لقد استُخدم المماليك في مصر من أيام الطولونيين، والذين حكموا من سنة 254 هجرية إلى سنة 292 هجرية، يعني قبل هذه الأحداث بحوالي أربعة قرون كاملة، وكذلك استُخدموا في أيام الدولة الأخشيدية من سنة 323 هجرية إلى سنة 358 هجرية، و استُخدموا أيضاً في أيام الفاطميين الشيعة الذين حكموا من سنة 358 هجرية إلى زمان صلاح الدين الأيوبي، حيث انتهت خلافتهم في سنة 567 هجرية (ما يزيد على قرنين كاملين).. واستُخدِموا أيضًا وبكثرة في عهد الأيوبيين كما رأينا..

وفي كل هذه الفترات كان الجيش يعتمد تقريباً على المماليك، ومع ذلك لم يفكروا مطلقاً في حكم ولا سيادة، بل كانوا دائماً أعوان الملوك، وما كانت تخطر على أذهانهم فكرة الملك أبداً لكونهم من المماليك الذين يباعون ويشترون، ولم تكن لهم عائلات معروفة ينتمون إليها، ولا شك أن هذا كان يشعرهم بالغربة في البلاد الجديدة التي يعيشون فيها، كما أن الخطر لم يكن يمسهم شخصياً؛ فهم تبع للسلطة الجديدة، ولا يُستهدفون لذواتهم، أما الآن فالمؤمرات تدبر لهم، والدائرة ستدور عليهم، والملوك ضعفاء، والقوة كلها بأيدي المماليك.. فلماذا لا يجربون حظهم في الحكم؟!

لكن صعود المماليك مباشرة إلى الحكم سيكون مستهجناً جداً في مصر، فالناس لا تنسى أن المماليك -في الأساس- عبيد، يباعون ويشترون، وشرط الحرية من الشروط الأساسية للحاكم المسلم.. وحتى لو أُعتقوا فإن تقبُّل الناس لهم (كحُكَّام) سيكون صعبًا.. وحتى لو كثرت في أيديهم الأموال، وتعددت الكفاءات، وحكموا الأقاليم والإقطاعات، فهم في النهاية مماليك.. وصعودهم إلى الحكم يحتاج إلى حجة مقنعة للشعب الذي لم يألفهم في كراسي السلاطين..

كل هذا دفع المماليك البحرية الصالحية إلى أن يرغبوا بعد مقتل توران شاه في "فترة انتقالية" تمهد الطريق لحكم المماليك الأقوياء، وفي ذات الوقت لا تقلب عليهم الدنيا في مصر أو في العالم الإسلامي..
كانت هذه هي حسابات المماليك الصالحية البحرية..
فماذا كانت حسابات شجرة الدر؟!..

شجرة الدرّ امرأة ذات طابع خاص جداً.. لا تتكرر كثيراً في التاريخ.. فهي امرأة قوية جداً.. شجاعة.. جريئة.. لها عقل مدبر، وتتمتع بحكمة شديدة.. كما أن لها القدرة على القيادة والإدارة.. وكانت شجرة الدرّ ترى في نفسها كل هذه القدرات.. وكانت شديدة الإعجاب بإمكانيتها وبنفسها (وكان هذا من أكبر مشاكلها).. مما دفعها إلى تفكير جديد تماماً على الفكر الإسلامي، وخاصة في هذه الفترة من تاريخ الأمة..

لقد فكرت شجرة الدر في الصعود إلى كرسي الحكم في مصر!!.. وهذا أمر هائل فعلاً، وهذه سباحة عنيفة جداً ضد التيار.. لكنها وجدت في نفسها الملكات التي تسمح بتطبيق هذه الفكرة الجريئة!.. فقالت لنفسها: لقد حكمت البلاد سرًا أيام معركة المنصورة، فلماذا لا أحكمها جهرًا الآن؟

في ذات الوقت وجد المماليك البحرية في شجرة الدرّ الفترة الانتقالية التي يريدون.. إنها زوجة "الأستاذ".. زوجة الملك الصالح أيوب الذي يكنّون له (ويكنُّ له الشعب كله) كامل الوفاء والاحترام والحب، وهي في نفس الوقت تعتبر من المماليك لأن أصلها جارية وأعتقت، كما أنها في النهاية امرأة، ويستطيع المماليك من خلالها أن يحكموا مصر، وأن يوفروا الأمان لأرواحهم..

وبذلك توافقت رغبات المماليك مع رغبة شجرة الدر.. وقرروا جميعاً إعلان شجرة الدرّ حاكمة لمصر بعد مقتل توران شاه بأيام، وذلك في أوائل صفر سنة 648 هجرية!..

وقامت الدنيا ولم تقعد!!
تفجرت ثورات الغضب في كل مكان.. وعمّ الرفض لهذه الفكرة في أطراف العالم الإسلامي.. وحاولت شجرة الدرّ أن تُجمل الصورة قدر استطاعتها، فنسبت نفسها إلى زوجها المحبوب عند الشعب الملك الصالح نجم الدين أيوب، فقالت عن نفسها إنها ملكة المسلمين الصالحية.. ثم وجدت أن ذلك غير كافٍ فنسبت نفسها إلى ابنها الصغير ابن الصالح أيوب، والمعروف باسم "الخليل"، فلقبت نفسها "ملكة المسلمين الصالحية والدة السلطان خليل أمير المؤمنين"، ثم وجدت ذلك أيضاً غير كاف فأضافت نفسها إلى الخليفة العباسي الذي كان يحكم بغداد في ذلك الوقت وهو "المستعصم بالله"، والذي سقطت في عهده بغداد في يد التتار كما فصلنا قبل ذلك، فقالت شجرة الدرّ عن نفسها: "ملكة المسلمين المستعصمية (نسبة إلى المستعصم) الصالحية (نسبة إلى الصالح أيوب) والدة السلطان خليل أمير المؤمنين"!!..

ومع كل هذه المحاولات للتزلف إلى العامة وإلى العلماء ليقبلوا الفكرة إلا أن الغضب لم يتوقف، وظهر على كافة المستويات.. وخاصةً أن البلاد في أزمة خطيرة، والوضع حرج للغاية؛ فالحملات الصليبية الشرسة لا تتوقف، والإمارات الصليبية منتشرة في فلسطين، وهي قريبة جداً من مصر، وأمراء الشام الأيوبيون يطمعون في مصر، والصراع كان محتدماً بينهم وبين السلطان الراحل نجم الدين أيوب، كما أن التتار يجتاحون الأمة الإسلامية من شرقها إلى غربها، وأنهار دماء المسلمين لا تتوقف، والتتار الآن يطرقون باب الخلافة العباسية بعنف.. ومصر في هذا الوقت الحرج على فوهة بركان خطير.. ولا يدري أحد متى ينفجر البركان!!..

وقامت المظاهرات العارمة على المستوى الشعبي في القاهرة في كل أنحائها، وشرع المتظاهرون في الخروج بمظاهراتهم إلى خارج حدود المدينة، مما اضطر السلطات الحكومية إلى غلق أبواب القاهرة لمنع انتشار المظاهرات إلى المناطق الريفية..

وقام العلماء والخطباء ينددون بذلك على منابرهم، وفي دروسهم، وفي المحافل العامة والخاصة، وكان من أشد العلماء غضباً وإنكاراً الشيخ الجليل "العز بن عبد السلام" رحمه الله أبرز العلماء في ذلك الوقت..
كما أظهر الأمراء الأيوبيون في الشام حنقهم الشديد، واعتراضهم المغلظ على صعود النساء إلى كرسي الحكم في مصر..
وجاء رد الخليفة العباسي "المستعصم بالله" قاسياً جداً، وشديداً جداً، بل وساخراً جداً من الشعب المصري كله، فقد قال في رسالته: "إن كانت الرجال قد عدمت عندكم أعلمونا، حتى نسير إليكم رجلاً!"..

وهكذا لم تتوقف الاعتراضات على الملكة الجديدة.. ولم تنعم بيوم واحد فيه راحة، وخافت الملكة الطموحة على نفسها، وخاصة في هذه الأيام التي يكون فيها التغيير عادة بالسيف والذبح لا بالخلع والإبعاد.. ومن هنا قررت الملكة شجرة الدرّ بسرعة أن تتنازل عن الحكم.... لرجل!!.. أي رجل!!..

لكن لمن تتنازل؟!
إنها مازالت ترغب في الحكم، وتتشوق إليه، وما زالت تعتقد في إمكانياتها العقلية والإدارية والقيادية.. وهي إمكانيات هائلة فعلاً.. فماذا تفعل؟!

لقد قررت الملكة شجرة الدرّ أن تمسك العصا -كما يقولون -من منتصفها، فتحكم باطناً وتتنحى ظاهراً، ففكرت في لعبة سياسية خطيرة وهي أن تتزوج من أحد الرجال.. ثم تتنازل له عن الحكم ليكون هو في الصورة.. ثم تحكم هي البلاد بعد ذلك من خلاله.. أو من "خلف الستار" كما يحدث كثيراً في أوساط السياسة، فكم من الحكام ليس لهم من الحكم إلا الاسم، وكم من السلاطين ليس لهم من السلطة نصيب، وما أكثر الرجال الذين سيقبلون بهذا الوضع في نظير أن يبقى أطول فترة ممكنة في الكرسي الوثير: كرسي الحكم!!!..

ولهذا فشجرة الدرّ لا تبغي الزواج لذات الزواج، ولاتريد رجلاً حقيقة، إنما تريد فقط "صورة رجل".. لأن هذا الرجل لو كان قوياً لحكم هو، ولأمسك بمقاليد الأمور في البلاد وحده.. ولذلك أيضاً يجب أن لا يكون هذا الرجل من عائلة قوية أصيلة، وذلك حتى لا تؤثر عليه عائلته، فيخرج الحكم من يد الملكة شجرة الدر.. وحبذا لو كان هذا المختار سعيد الحظ من المماليك، وذلك حتى تضمن ولاء المماليك، وهذا أمر في غاية الأهمية، فلو كان هذا الرجل هو السند الشرعي للحكم، فالمماليك هم السند الفعلي والعسكري والواقعي للحكم..


أمــة الله 24.11.2010 19:49

عز الدين أيبك

وضعت شجرة الدرّ كل هذه الأمور في ذهنها، ومن ثم اختارت رجلاً من المماليك اشتهر بينهم بالعزوف عن الصراع، والبعد عن الخلافات، والهدوء النسبي، وكلها صفات حميدة في نظر شجرة الدر، فوجدت في هذا الرجل ضالتها.. وكان هذا الرجل هو "عزّ الدين أيبك التركماني الصالحي".. وهو من المماليك الصالحية البحرية.. أي من مماليك زوجها الراحل الملك الصالح نجم الدين أيوب.. ولم تختر شجرة الدرّ رجلاً من المماليك الأقوياء أمثال فارس الدين أقطاي أو ركن الدين بيبرس، وذلك لتتمكن من الحكم بلا منازع..

وبالفعل تزوجت شجرة الدرّ من عز الدين أيبك، ثم تنازلت له عن الحكم كما رسمت، وذلك بعد أن حكمت البلاد ثمانين يوماً فقط، وتم هذا التنازل في أواخر جمادى الثاني من نفس السنة.. سنة 648 هجرية.. وهكذا في غضون سنة واحدة فقط جلس على كرسي الحكم في مصر أربعة ملوك.. وهم الملك الصالح أيوب رحمه الله ثم مات، فتولى توران شاه ابنه ثم قتل، فتولت شجرة الدرّ ثم تنازلت، فتولى عزّ الدين أيبك التركماني الصالحي!..

وتلقب عزّ الدين أيبك "بالملك المعز"، وأخذت له البيعة في مصر..
وكأن الله سبحانه -بهذه الأحداث– أراد أن يمهّد عقول المصريين لقبول فكرة صعود المماليك إلى كرسي الحكم..

وقبل الشعب في مصر بالوضع الجديد.. فهو -وإن لم يكن مثالياً في رأيهم- إلا أنه أفضل حالاً من تولي امرأة، كما أن البديل من الأيوبيين في مصر غير موجود، والبديل من الأيوبيين في الشام غير موجود أيضاً؛ فأمراء الأيوبيين في الشام كانوا في غاية الضعف والسوء والعمالة والخيانة.. وقد مرّ بنا قبل ذلك تخاذلهم وتعاونهم مع التتار، وكذلك تخاذلهم وتعاونهم مع الصليبيين..

واستقر الوضع نسبياً في مصر بزعامة عزّ الدين أيبك، والذي يعتبر أول حاكم مملوكي في مصر، وإن كان بعض المؤرخين يعتبر أن شجرة الدرّ هي أولى المماليك في حكم مصر لأنها أصلاً مملوكة أو جارية.
وبدأت شجرة الدرّ تحكم من وراء الستار -كما أرادت-، وهي مؤيدة بالمماليك القوية، وخاصة -كما ذكرنا- فارس الدين أقطاي وركن الدين بيبرس..

ولكن يبدو أن ذكاء شجرة الدرّ قد خانها عند اختيار ذلك الرجل؛ فالملك المعز عزّ الدين أيبك لم يكن بالضعف الذي تخيلته شجرة الدرّ ولا المماليك البحرية، فقد أدرك الملك الجديد من أول لحظة مرامي الملكة المتنازلة عن العرش، وعرف خطورة إخوانه من المماليك البحرية في مصر وقوتهم، فبدأ يرتب أوراقه من جديد، ولكن في حذر شديد..

كان الملك المعز عزّ الدين أيبك من الذكاء بحيث إنه لم يصطدم بشجرة الدرّ ولا بزعماء المماليك البحرية في أول أمره.. بل بدأ يقوي من شأنه، ويعد عدته تدريجياً، فبدأ يشتري المماليك الخاصة به، ويعد قوة مملوكية عسكرية تدين له هو شخصياً بالولاء، وانتقى من مماليك مصر من يصلح لهذه المهمة، وكوّن ما يعرف في التاريخ "بالمماليك المعزية" نسبة إليه (المعز عز الدين أيبك)، ووضع على رأس هذه المجموعة أبرز رجاله، وأقوى فرسانه، وأعظم أمرائه مطلقاً وهو "سيف الدين قطز" رحمه الله..

وكان هذا هو أول ظهور تاريخي للبطل الإسلامي الشهير: سيف الدين قطز، فكان يشغل مركز قائد مجموعة المماليك الخاصة بالملك المعز عز الدين أيبك.. وسيأتي إن شاء الله حديث قريب عن قطز رحمه الله وعن أصله..

ومع أن الملك المعز عزّ الدين أيبك نفسه من المماليك البحرية إلا أنه بدأ يحدث بينه وبينهم نفور شديد.. أما هو فيعلم مدى قوتهم وارتباطهم بكلمة زوجته شجرة الدرّ التي لا تريد أن تعامله كملك بل "كصورة ملك".. وأما هم فلا شك أن عوامل شتى من الغيرة والحسد كانت تغلي في قلوبهم على هذا المملوك صاحب الكفاءات المحدودة في نظرهم الذي يجلس الآن على عرش مصر، ويُلقب بالملك.. أما هم فيلقبون بالمماليك.. وشتان!!..
لكن الملك الذكي المعز عزّ الدين أيبك لم يُستفز مبكراً.. بل ظل هادئاً يعد عدته في رزانة، ويكثر من مماليكه في صمت..

ومرت الأيام، وحدث أن تجمعت قوى الأمراء الأيوبيين الشاميين لغزو مصر، وذلك لاسترداد حكم الأيوبيين بها.. وكانت الشام قد خرجت من حكم ملك مصر بعد وفاة توران شاه مباشرة.. والتقى معهم الملك المعز عزّ الدين أيبك بنفسه في موقعة فاصلة عند منطقة تسمى "العباسية" وهي تقع على بعد حوالي عشرين كيلومترًا شرقي الزقازيق الآن، وذلك في العاشر من ذي القعدة سنة 648 هجرية، أي بعد أربعة شهور فقط من حكمه، وانتصر الملك المعز عزّ الدين أيبك على خصومه انتصاراً كبيراً، ولا شك أن هذا الانتصار رفع أسهمه عند الشعب المصري، وثبت من أقدامه على العرش..

وفي سنة 651 هجرية (بعد 3 سنوات من حكم أيبك) حدث خلاف جديد بين أمراء الشام والملك المعز عز الدين أيبك، ولكن قبل أن تحدث الحرب تدخل الخليفة العباسي المستعصم بالله -وهذه نقطة تحسب له- للإصلاح بين الطرفين، وكان من جراء هذا الصلح أن دخلت فلسطين بكاملها حتى الجليل شمالاً تحت حكم مصر، فكانت هذه إضافة لقوة الملك المعز عز الدين أيبك، ثم حدث تطور خطير لصالحه وهو اعتراف الخليفة العباسي بزعامة الملك المعز عزّ الدين أيبك على مصر، والخليفة العباسي ـ وإن كان ضعيفاً، وليست له سلطة فعلية ـ إلا أن اعترافه يعطي للملك المعز صبغة شرعية هامة..
بين أيبك وأقطاي

كل هذه الأحداث مكنت الملك المعز عزّ الدين أيبك من التحكم في مقاليد الأمور في مصر، ومن ثم زاد نفور زعماء المماليك البحرية منه، وبخاصةٍ فارس الدين أقطاي الذي كان يبادله كراهية معلنة، لا يخفيها بل يتعمد إبرازها.. فكما يقول "المقريزي" في كتابه "السلوك لمعرفة دول الملوك": "لقد بالغ فارس الدين أقطاي في احتقار أيبك والاستهانة به، بحيث كان يناديه باسمه مجرداً من أي ألقاب"، وهذا يعكس اعتقاد فارس الدين أقطاي أن هذا الملك صورة لا قيمة لها، وتخيل قائد الجيش ينادي الملك هكذا: يا أيبك.. ولا يناديه هكذا صداقة بل احتقاراً..

هذه المعاملة من أقطاي، وإحساس أيبك من داخله أن المماليك البحرية -وقد يكون الشعب- ينظرون إليه على أنه مجرد "زوج" للملكة المتحكمة في الدولة.. هذا جعله يفكر جدياً في التخلص من أقطاي ليضمن الأمان لنفسه، وليثبت قوته للجميع.. وهكذا لا يحب الملوك عادة أن يبرز إلى جوارهم زعيم يعتقد الشعب في قوته أو حكمته..

انتظر أيبك الفرصة المناسبة، إلى أن علم أن أقطاي يتجهز للزواج من إحدى الأميرات الأيوبيات، فأدرك أن أقطاي يحاول أن يضفي على نفسه صورة جميلة أمام الشعب، وأن يجعل له انتماءً واضحاً للأسرة الأيوبية التي حكمت مصر قرابة ثمانين سنة، وإذا كانت شجرة الدرّ حكمت مصر لكونها زوجة الصالح أيوب، فلماذا لا يحكم أقطاي مصر لكونه زوجاً لأميرة أيوبية، فضلاً عن قوته وبأسه وتاريخه وقيادته للجيش في موقعة المنصورة الفاصلة؟!..

هنا شعر الملك المعز عزّ الدين أيبك بالخطر الشديد، وأن هذه بوادر انقلاب عليه، والانقلاب عادة يكون بالسيف، فاعتبر أن ما فعله أقطاي سابقاً من إهانة واحتقار، وما يفعله الآن من زواج بالأميرة الأيوبية ما هو إلا مؤامرة لتنحية أيبك عن الحكم، ومن ثم أصدر أيبك أوامره "بقتل" زعيم المماليك البحرية فارس الدين أقطاي.. لأنه "ينوي" الانقلاب!!!..
وبالفعل تم قتل فارس الدين أقطاي بأوامر الملك المعز، وبتنفيذ المماليك المعزية، وتم ذلك في 3 شعبان سنة 652 هجرية..

وبقتل فارس الدين أقطاي خلت الساحة لعز الدين أيبك، وبدأ يظهر قوته، ويبرز كلمته، وبدأ دور الزوجة شجرة الدرّ يقل ويضمحل؛ فقد اكتسب الملك المعز الخبرة اللازمة، وزادت قوة مماليكه المعزية، واستقرت الأوضاع في بلده، فرضي عنه شعبه، واعترف له الخليفة العباسي بالسيادة، ورضي منه أمراء الشام الأيوبيون بالصلح..
وبقتل فارس الدين أقطاي انقسم المماليك إلى حزبين كبيرين متنافرين:
المماليك البحرية الذين يدينون بالولاء لشجرة الدر، والمماليك المعزية الذين يدينون بالولاء للملك المعز عزّ الدين أيبك..

وحيث إن فارس الدين أقطاي نفسه -وهو أكبر المماليك البحرية قدراً، وأعظمهم هيبة- قد قُتل، فاحتمال قتل بقية زعماء المماليك البحرية أصبح قريباً.. وبات المماليك البحرية في توجس وريبة.. وما استطاعت زعيمتهم شجرة الدرّ أن تفعل لهم شيئاً، وهنا قرر زعماء المماليك البحرية الهروب إلى الشام خوفاً من الملك المعز عز الدين أيبك، وكان على رأس الهاربين ركن الدين بيبرس، الذي ذهب إلى الناصر يوسف، هذا الخائن الذي كان يحكم حلب ثم دمشق، ودخل ركن الدين بيبرس في طاعته..

وهكذا صفا الجو في مصر تماماً للملك المعز عز الدين أيبك، وإن كان العداء بينه وبين المماليك البحرية قد خرج من مرحلة الشكوك والتوقعات وأصبح معلناً وصريحاً، و من جديد توسط الخليفة العباسي المستعصم بالله ليضمن استقرار الأوضاع في مصر والشام، لأن انضمام المماليك البحرية إلى الأمراء الأيوبيين بالشام قد يشعل نار الفتنة من جديد بين مصر والشام، ونجحت وساطة الخليفة العباسي، واتفقوا على أن يعيش المماليك البحرية في فلسطين التي كانت تابعة للملك المعز، ويبقى الملك المعز في مصر، إلا أن ركن الدين بيبرس -زعيم المماليك البحرية الآن بعد قتل فارس الدين أقطاي- آثر أن يبقى في دمشق عند الناصر يوسف الأيوبي..


أمــة الله 24.11.2010 19:50

شجرة الدرّ تحترق!!

مرت السنوات، والملك المعز عزّ الدين أيبك مستقر في عرشه، وقد أصبح قائده سيف الدين قطز قائداً بارزاً معروفاً عند الخاصة والعامة، واختفي تقريباً دور الزوجة الملكة القديمة شجرة الدر، وهذا كله ولاشك جعل الحقد يغلي في قلب شجرة الدر، ولا شك أن عزّ الدين أيبك كان يبادلها الشعور بالكراهية، فهو يعلم أنها ما تزوجته إلا لتحكم مصر من خلاله، ولكن أحياناً تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن!..

وجاءت سنة 655 هجرية وقد مرت7 سنوات كاملة على حكم الملك المعز عز الدين أيبك، وأراد الملك المعز أن يثبت أقدامه على العرش بصورة أكبر، بل وتزايدت أطماعه جداً في المناطق المجاورة له في فلسطين والشام، ولم تكن له طاقة على تنفيذ أحلامه بمفرده، فأراد أن يقيم حلفاً مع أحد الأمراء الكبار في المنطقة ليساعده في ذلك، ولما كانت الخيانة في العهود أمراً طبيعياً في تلك الآونة، فإنه أراد أن يوثق الحلف برباط غليظ وهو...... الزواج!!..

واختار الملك المعز عزّ الدين أيبك بنت حاكم الموصل الأمير الخائن "بدر الدين لؤلؤ"، والذي تحدثنا عنه كثيراً، وعن تعاونه المقزز مع التتار..

وعلمت شجرة الدرّ بهذا الأمر فاشتعلت الغيرة في قلبها.. وركبها الهم والغم، وعلمت أنه لو تم هذا الزواج الجديد فستطوى صفحتها تماماً من التاريخ، وأعْمَتها الكراهية عن حسن تقدير الأمور، وهي التي اشتهرت بالحكمة، فلم تقدّر أن زعماء المماليك البحرية قد اختفوا، وأن القوة الحقيقية الآن في أيدي المماليك المعزّية الذين يدينون بالولاء والطاعة للملك المعز عز الدين أيبك.. لم تقدّر كل ذلك، وقررت بعاطفة المرأة أن تقدم على خطوة غير مدروسة، ولكنها مألوفة لديها، فقد فعلتها قبل ذلك مع توران شاه ابن زوجها السابق، وهي ستفعلها الآن مع زوجها الحالي.. وهذه الخطوة هي: قتل الزوج الملك المعز: عزّ الدين أيبك.. فليُقتل وليكن ما يكون!.. هكذا فكرت شجرة الدر!!..

وبالفعل دبرت مؤامرة لئيمة لقتل زوجها الملك، وتم تنفيذ المؤامرة فعلاً في قصرها في شهر ربيع الأول سنة655 هجرية، ولينتهي بذلك حكم المعز عزّ الدين أيبك بعد سبع سنوات من الجلوس على عرش مصر، وهكذا تكون شجرة الدرّ قد قتلت اثنين من سلاطين مصر: توران شاه ثم عز الدين أيبك..

وعلم الجميع بجريمة القتل، وأسرع سيف الدين قطز قائد الجيش والذراع اليمنى للمعز عز الدين أيبك، ومعه ابن عزّ الدين أيبك من زوجته الأولى وكان اسمه نور الدين علي.. أسرعا ومعهما فرقة من المماليك المعزية، وألقيا القبض على شجرة الدرّ..

وطلبت أمّ نور الدين علي وزوجة المعز عزّ الدين أيبك الأولى أن يترك لها الأمر في التصرف مع ضرتها شجرة الدرّ، وكانت النهاية المأساوية المشهورة، أن أمرت أمّ نور الدين جواريها أن تُقتل الملكة السابقة "ضرباً بالقباقيب"!!!..

ولعل هذا هو حادث القتل الوحيد في القصة الذي له خلفية شرعية مقبولة، فقد قتلت شجرة الدرّ عزّ الدين أيبك دون مبرر معقول.. فليس الزواج من امرأة أخرى جريمة، وليس الانفراد بالحكم دون الانصياع لحكم الزوجة جريمة، ولذلك فليس لديها مسوغ شرعي للقتل فكان لابد أن تُقتل.. ولكن المؤكد أن الطريقة التي قتلت بها لم تكن طريقة شرعية.. بل كانت طريقة نسائية بحتة.. لم يقصد منها القتل فقط، بل قصد منها الإهانة والتحقير والذل، على نحو ما فُعل بالخليفة المستعصم بعد ذلك عند سقوط بغداد عندما قتل رفساً بالأقدام!..

وهذه نهايات خاصة جداً يكتبها الله عز وجل لبعض الملوك ممن لم يرع حق الله وحق الشعوب في الدنيا!!..
وبعد مقتل الملك المعز عزّ الدين أيبك ثم مقتل شجرة الدرّ بويع لابن عزّ الدين أيبك وهو نور الدين علي، والذي لم يكن قد بلغ بعد الخامسة عشر من عمره، وهذه مخالفة كبيرة جداً ولا شك، ولكن لعله قد وُضع في هذا التوقيت لكي يوقف النزاع المتوقع بين زعماء المماليك على الحكم.. وتلقب السلطان الصغير بلقب "المنصور"، وتولى الوصاية الكاملة عليه أقوى الرجال في مصر في ذلك الوقت وهو سيف الدين قطز قائد الجيش، وزعيم المماليك المعزّية، وأكثر الناس ولاءً للملك السابق المعزّ عزّ الدين أيبك.. وكانت هذه البيعة لهذا السلطان الطفل في ربيع الأول من سنة 655 هجرية..
وأصبح الحاكم الفعلي لمصر هو .... سيف الدين قطز رحمه الله..

أمــة الله 24.11.2010 19:50

من هو سيف الدين قطز؟

سيف الدين قطز هو واحد من أعظم الشخصيات في تاريخ المسلمين.. اسمه الأصلي "محمود بن ممدود"، وهو من بيت مسلم ملكي أصيل.. وسبحان الله!!.. كم هي صغيرة تلك الدنيا!!.. فقطز رحمه الله هو ابن أخت جلال الدين الخوارزمي!!!.. وجلال الدين هو ملك الخوارزميين المشهور، والذي تحدثنا عنه كثيراً في أوائل هذا الكتاب، والذي قاوم التتار فترة وانتصر عليهم، ثم هُزم منهم، وفرّ إلى الهند، وعند فراره إلى الهند أمسك التتار بأسرته فقتلوا معظمهم، واسترقوا بعضهم، وكان محمود بن ممدود أحد أولئك الذين استرقهم التتار، وأطلقوا عليه اسماً مغولياً هو "قطز"، وهي كلمة تعني "الكلب الشرس"، ويبدو أنه كانت تبدو عليه من صغره علامات القوة والبأس، ثم باعه التتار بعد ذلك في أسواق الرقيق في دمشق، واشتراه أحد الأيوبيين، وجاء به إلى مصر، ثم انتقل من سيد إلى غيره، حتى وصل في النهاية إلى الملك المعز عزّ الدين أيبك ليصبح أكبر قواده كما رأينا..

ولعلنا نلحظ بوضوح في قصة قطز التدبير العجيب لرب العالمين سبحانه.. فالتتار مكروا بالمسلمين واسترقّوا أحد أطفالهم وباعوه بأنفسهم في دمشق.. ليباع بعد ذلك من واحد إلى واحد ليصل إلى بلد لم يرها قبل ذلك، ولعله لم يكن يسمع بها في هذه السن الصغيرة.. ليصبح في النهاية ملكًا عليها, وتكون نهاية التتار الذين قاموا بنقله من أقاصي بلاد المسلمين إلى مصر على يديه هو بالتحديد!!! وسبحان الذي يدبر بلطف, ويمكر بحكمة, ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.. "ومكروا مكرًا, ومكرنا مكرًا وهم لا يشعرون"..

نشأ قطز رحمه الله -كبقية المماليك- على التربية الدينية القويمة، وتشبع بالحمية الإسلامية القوية، وتدرب منذ صغره على فنون الفروسية، وأساليب القتال، وأنواع الإدارة، وطرق القيادة.. فنشأ شاباً فتياً أبياً محباً للدين معظماً له.. وكان رحمه الله قوياً صبوراً جلداً.. كل هذا بالإضافة إلى أنه وُلد في بيت ملكي، فكانت طفولته طفولة الأمراء، وهذا أعطاه ثقة كبيرة في نفسه، فهو لم يكن غريباً على أمور القيادة والإدارة والحكم، وفوق كل هذا فإن أسرته قد هلكت تحت أقدام التتار، وهذا ـ ولا شك ـ جعله يفقه جيداً مأساة التتار.. وليس من رأى كمن سمع..

كل هذه العوامل مجتمعة صنعت من قطز رجلاً ذا طراز خاص جداً.. يستهين بالشدائد، ولا يرهب أعداءه، وذلك مهما كثرت أعدادهم، أو تفوقت قوتهم..
لقد كان للتربية الإسلامية العسكرية، والتربية على الثقة بالله، والثقة بالدين، والثقة بالنفس أثر كبير في حياة قطز رحمه الله..
نعود إلى الوضع في مصر..

لقد قتل الملك المعز عز الدين أيبك، ثم قتلت بعده زوجته شجرة الدر، ثم تولى الحكم السلطان الطفل المنصور نور الدين علي بن عز الدين أيبك، وتولى سيف الدين قطز الوصاية على السلطان الصغير..
وكما أحدث صعود شجرة الدرّ إلى كرسي الحكم قبل ذلك اضطرابات كثيرة في مصر والعالم الإسلامي، فكذلك أحدث صعود الطفل نور الدين إلى كرسي الحكم نفس الاضطرابات، وكانت أكثر الاضطرابات تأتي من قبل بعض المماليك البحرية الذين مكثوا في مصر، ولم يهربوا إلى الشام مع من هرب منها أيام الملك المعز عز الدين أيبك، وتزعم أحد هؤلاء المماليك البحرية -واسمه "سنجر الحلبي"- الثورة، وكان يرغب في الحكم لنفسه بعد مقتل عز الدين أيبك، فاضطر قطز إلى القبض عليه وحبسه.. كذلك قبض قطز على بعض رءوس الثورات المختلفة، فأسرع بقية المماليك البحرية إلى الهرب إلى الشام، وذلك ليلحقوا بزعمائهم الذين فروا قبل ذلك إلى هناك أيام الملك المعزّ، ولما وصل المماليك البحرية إلى الشام شجعوا الأمراء الأيوبيين على غزو مصر، واستجاب لهم بالفعل بعض هؤلاء الأمراء، ومنهم "مغيث الدين عمر" أمير الكرك (بالأردن حالياً) الذي تقدم بجيشه لغزو مصر! وكان أميراً ضعيفاً جداً، ومع ذلك كان صاحب أطماع أكبر كثيراً من حجمه!.. ووصل مغيث الدين بالفعل بجيشه إلى مصر، وخرج له قطز فصدّه عن دخول مصر، وذلك في ذي القعدة من سنة 655 هجرية، ثم عاد مغيث الدين تراوده الأحلام لغزو مصر من جديد، ولكن صدّه قطز مرة أخرى في ربيع الآخر سنة 656 هجرية..

ومن الجدير بالذكر أن هذه المرة الأخيرة التي حاول فيها المغيث عمر الأيوبي أن يغزو مصر كانت -كما أشرت- في شهر ربيع الآخر سنة 656 هجرية، أي بعد سقوط "بغداد" عاصمة الخلافة الإسلامية بأقلّ من شهرين فقط!!.. فبدلاً من توجيه كل الطاقة إلى قضية التتار إذا به يتوجه لحرب المسلمين!! إنه مرض الحَوَل السياسي الذي كان منتشرًا في تلك الأيام وفي أي زمان يبتعد المسلمون فيه عن ربهم!

سقطت بغداد -كما مرّ بنا- في صفر سنة 656 هجرية، وبدأ هولاكو في الإعداد لغزو الشام، وحاصر ابنه أشموط ميافارقين بداية من رجب سنة 656 هجرية، وبدأ هولاكو في التحرك من فارس إلى الشام مروراً بشمال العراق في سنة 657 هجرية، واحتل نصيبين والرها وإلبيرة، واقترب من حلب.. وأصبح واضحاً أن هولاكو لن يهدأ حتى يسقط الشام بكامله، وبعد الشام لابد أن تكون الخطوة التالية هي مصر..

وقطز رحمه الله -وإن كان يدير الأمور فعلياً في مصر- لكن الذي يجلس على الكرسي سلطان طفل، ولا شك أن هذا كان يضعف من هيبة الحكم في مصر، ويزعزع من ثقة الناس بملكهم، ويقوي من عزيمة الأعداء إذ يرون الحاكم طفلاً.

وفي ضوء الخطر التتري الرهيب، والمشاكل الداخلية الطاحنة، واضطرابات وثورات المماليك البحرية، وأطماع الأمراء الأيوبيين الشاميين.. في ضوء كل ذلك لم يجد قطز رحمه الله أي معنى لأن يبقى السلطان الطفل "نور الدين علي" على كرسي أهم دولة في المنطقة، وهي مصر، والتي لم يعد هناك أمل في صد التتار إلا فيها..

هنا اتخذ قطز القرار الجريء، وهو عزل السلطان الطفل نور الدين علي، واعتلاء قطز بنفسه عرش مصر، ولم يكن القرار غريباً؛ فقطز هو الحاكم الفعلي للبلاد، والجميع - بمن فيهم السلطان الطفل نفسه - يدركون ذلك تمام الإدراك، ولكن هناك صورة هزلية مضحكة يتحرك قطز من خلفها، وهي صورة السلطان الطفل، فما كان من قطز إلا أن رفع هذه الصورة الهزلية ليظهر من ورائها الأسد الهصور الذي على يديه ستتغير معالم الأرض، وتتغير جغرافية العالم، وتتغير كثيرٌ من صفحات التاريخ..

حدث هذا الأمر في الرابع والعشرين من ذي القعدة سنة 657 هجرية، أي قبل وصول هولاكو إلى حلب بأيام..
ومنذ أن صعد قطز رحمه الله إلى كرسي الحكم وهو يعدّ العدّة للقاء التتار..

وستحدث أحداث جسام على أرض مصر..
وسيُنتهج نهج جديد على ذلك الزمن..
وستُرفع رايات جديدة ما رُفِعت منذ أمد..
وستُجهز جيوش ما جُهّزت منذ أزمان طويلة..
وسيكون اليوم الذي لا يشبهه من أيام الزمان إلا قليل..
كيف سيحدث كل ذلك؟!!
هذا حديث يطول شرحه، وهو موضوع المقال القادم... "الإعداد لعين جالوت!"..

د. راغب السرجاني

أمــة الله 24.11.2010 19:51

الإعداد لعين جالوت

مصر وما حولها.. قبل المعركة:

http://islamstory.com/images/stories...2_image002.jpg

كان الوضع في مصر عندما بدأ التتار في اجتياح الشام والاقتراب من الديار المصرية متأزماً جداً.. فالمسرح السياسي الداخلي كان يموج بالاضطرابات العاصفة، والأزمات الشديدة.. وكانت الفتن الناتجة عن التصارع على كرسي الحكم – وخاصة في السنوات العشر الأخيرة - عنيفة ومتكررة.. نعم استقرت الأوضاع نسبياً عندما تولى الملك المعز عز الدين أيبك، وذلك لفترة سبع سنوات متصلة، ولكنها عادت من جديد للاشتعال بمقتل الملك المعز ثم شجرة الدر، ثم ولاية الطفل نور الدين علي، ثم خلعه بواسطة قطز رحمه الله.. وإن كان قطز الآن قد استقر على كرسي الحكم لكن لا شك أن هناك الكثير من الطامعين في الكرسي، ولا شك أيضاً أن هناك الكثير من الحاقدين على قطز شخصياً، ومن المؤكد أن هؤلاء وهؤلاء سوف يتحركون ـ أو يحاولون التحرك ـ لإقصاء قطز عن العرش، أو قتله إذا لزم الأمر... كما اعتاد كثير من المماليك أن يفعلوا..
ولا ننسى أن الفتنة ما زالت دائرة بين المماليك البحرية الصالحية الذين كانوا يؤيدون شجرة الدرّ والمماليك المعزية الذين يؤيدون الآن سيف الدين قطز، وقد فرّ كثير من المماليك البحرية إلى مختلف الإمارات الإسلامية في الشام، ومن بقي منهم في مصر بقي على وجل وترقب.. وهذا الانقسام - بلاشك - أضعف القوة العسكرية المصرية؛ لأن المماليك البحرية كانوا أساس الجيش المصري في ذلك الوقت.
وإذا كان الوضع السياسي والعسكري داخل البلاد على هذه الصورة الخطيرة فإن المسرح السياسي الخارجي كان يحمل مشكلات أخرى كبيرة.. ذلك أن العلاقات كانت ممزقة تماماً بين مصر وبين كل جيرانها بلا استثناء.. فالعلاقات الدبلوماسية مع كل إمارات الشام كانت مقطوعة تماماً، بل كانت روح العداء الشديد هي السائدة بين الطرفين، كما لم يكن لمصر أي سند من دول الشمال الأفريقي أو السودان.. ومعنى هذا أن هذه العزلة المقيتة ستسهّل جداً على الوحش التتري مهمة ابتلاع مصر كما فعل بأشياعها من قبل..
ولم يكن الوضع الاقتصادي في مصر بأحسن حالاً من الوضع السياسي أو الاجتماعي؛ فهناك أزمة اقتصادية طاحنة تمر بالبلاد من جراء الحملات الصليبية المتكررة، ومن جراء الحروب التي دارت بين مصر وجيرانها من الشام، ومن جراء الفتن والصراعات على المستوى الداخلي.. كما أن الناس انشغلوا بأنفسهم وبالفتن الداخلية والخارجية فتردّى الاقتصاد إلى أبعد درجات التردي، وباتت البلاد على حافة هاوية سحيقة شبه مؤكدة..
كل هذا وأعداء الأمة قد اجتمعوا عليها، وبضراوة شديدة، فهناك الغرب الصليبي الحاقد جداً والذي مُني بهزائم قاسية مخزية في مصر منذ عشر سنوات تقريباً في المنصورة وفارسكور، ولاشك أن الصليبيين يريدون الثأر والانتقام، وقد يجدون أن الاضطرابات الأخيرة في مصر فرصة سانحة لرد الاعتبار، ولتحقيق أحلام الغزو..
وهناك الإمارات الصليبية المزروعة في فلسطين منذ عشرات السنين.. وفوق كل ذلك هناك الهم الكبير القادم من الشرق.. وهو التتار..


أمــة الله 24.11.2010 19:52

قطز وخطوات التغيير


هكذا استلم سيف الدين قطز رحمه الله هذه التركة المثقلة بالهموم والمشاكل..
فكيف تصرف الملك المظفر قطز رحمه الله مع هذا الوضع شديد التأزم؟!
وما هي خطواته التي خطاها من أجل التغيير؟!
وما هو الإعداد الذي قام به لمواجهة الهجمة التترية الشرسة؟!!
التوحد أمام الأزمة:
الخطوة الأولى التي حرص عليها قطز رحمه الله هي استقرار الوضع الداخلي في مصر، وقطع أطماع الآخرين في كرسي الحكم الذي يجلس عليه؛ لأن الطامع في الكرسي لن تهدأ له نفس أو تستقر له حال حتى يجلس على الكرسي الذي يريد، فكيف تصرف في هذا الموقف رحمه الله؟!
إنه لم يقطع أطماعهم عن طريق التهديد والوعيد، فهذا - على العكس - يزيد الفتن اشتعالاً، ويؤجج نيران الحقد والحسد والغل، ولم يقطعها بتزوير إرادة الشعب وإيهام الجميع أن الشعب يريده هو بذاته، ولم يقطعها بالخداع والغش والمؤامرات والتحايل، ولكن قطز رحمه الله ارتفع "بأخلاق" المنافسين إلى درجة لم يتعودوا عليها في الفترة الأخيرة في مصر..
لقد جمع قطز رحمه الله الأمراء وكبار القادة وكبار العلماء وأصحاب الرأي في مصر، وكل هؤلاء من المحركين الفعليين لطوائف الشعب المختلفة، وقال لهم في وضوح:
"إني ما قصدت (أي ما قصدت من السيطرة على الحكم) إلا أن نجتمع على قتال التتر، ولا يتأتى ذلك بغير ملك، فإذا خرجنا وكسرنا هذا العدو، فالأمر لكم، أقيموا في السلطة من شئتم"..
فهدأ معظم الحضور ورضوا بذلك..
لقد حرص قطز رحمه الله على إبراز خطورة العدو القادم، وعلى إظهار الغاية النبيلة التي من أجلها صعد إلى كرسي الحكم.. ومن المعروف أن الأزمات الشديدة التي تمرّ بالأمة يمكن أن تكون أزمات مجمّعة إذا أحسن القائد استغلالها.. ومن أفضل الأمور لتجميع الناس وتوحيد الصف: "الجهاد".. ولهذا فالقائد الذي لا يجمع شعبه على قضية جهادية يفقد عادة حب شعبه، ويفقد ولاءهم له، بل وقد تكثر الفتن والقلاقل لأن الناس سيعانون من حياة الدعة والركون، وسينشغلون بسفاسف الأمور... وعلى الناحية الأخرى ما رفع قائد مسلم ـ في كل تاريخ المسلمين ـ راية الجهاد بصدق إلا استقرت بلاده، وسار خلفه شعبه بكل حب وصدق ووفاء..
وفوق ذلك فقطز يعلن بوضوح أنه سيجعل الأمر في الناس يختارون من يشاءون دون التقيد بعائلة معينة أو مماليك بذاتهم..
ولا يستقيم هنا أن نفعل مثلما يفعل المحللون الغربيون أو بعض المحللين المسلمين الذين يعتمدون في تحليلاتهم على المدارس الغربية في التحليل والنقد ويقولون: إنما قال قطز ذلك ليقمع المناوئين له، وليثبت نفسه في كرسيه مستغلاً حب المسلمين للجهاد.. لا يستقيم أن نطعن في نية قطز رحمه الله من وراء هذه الكلمات، وأن نفترض أن وراء الكلمات مراميَ أخرى.. ففوق أن إحسان الظن بالمؤمنين أمر مطلوب شرعاً، فإن الكلمات والأفعال تقيّم وتحسب دائماً في ضوء سيرة الشخص وحياته، وقد رأينا بعد ذلك سيرة قطز بعد أن تولى الملك، ورأينا سيرته في أثناء تحركاته إلى عين جالوت، ورأينا سيرته خلال موقعة عين جالوت وبعدها.. رأينا في كل ذلك ما يثبت أن كلامه كان صادقاً، وأن رغبته في قتال التتار والانتصار لهذا الدين كانت أعلى بكثير من رغبته في الملك.. وقد جعل الله عز وجل نصر الأمة على يديه كما سنرى، وليس من سنة الله عز وجل أن يكتب نصر الأمة على يد المنافقين والفاسدين..
"إن الله لا يصلح عمل المفسدين"..
وليس من الطبيعي أن يخلد تاريخ المسلمين رجلاً اختلطت في قلبه النوايا، ولعبت به الأهواء، ولذلك فإن قطز رحمه الله رجل نحسبه على خير، ولا نزكي على الله أحداً، وقد أجمع علماء الأمة على عدالته وفضله وتقواه..
وإذا كان من الممكن قبول عذر المستشرقين والمحللين الغربيين في أن قطز كان يقصد الملك وليس الجهاد لأنهم في سياستهم وحياتهم لا يرون إلا هذه الأمثلة، فإن عذر المحللين المسلمين غير مقبول، لأن هذا المثال المخلص الذي لا يريد شيئاً لنفسه، وإنما يهب حياته لربه ودينه وشعبه ولقضايا أمته.. هذا المثال الراقي كثير جداً في أمتنا، ومتكرر جداً في تاريخنا.. وسبق قطز رحمه الله على هذا الطريق كثيرٌ من أبطالنا، ولحق به آخرون كثير.. وسيظل الخير في أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة..
ومع أن قطز رحمه الله قد استخدم الأخلاق العالية، والأهداف النبيلة في تجميع القواد والعلماء حوله، إلا أنه لم يتخل عن حزمه في الإدارة، وعن أخذه بأسباب السيطرة على الأمور.. فعزل الوزير "ابن بنت الأعز" المعروف بولائه الشديد لشجرة الدر، وولّى بدلاً منه وزيراً آخر يثق في ولائه وقدراته، وهو "زين الدين يعقوب بن عبد الرفيع"، وفي ذات الوقت فإنه أقرّ قائد الجيش في مكانه وهو "فارس الدين أقطاي الصغير الصالحي" (مع أنه من المماليك البحرية الصالحية( إلا أنه وجد فيه كفاءة عسكرية وقدرة قيادية وأمانة وصدق، وهي مؤهلات ضرورية لأي إمارة.. (وطبعاً "فارس الدين أقطاي الصغير" هذا غير "فارس الدين أقطاي" زعيم المماليك البحرية السابق، والذي قتل في سنة 652 هجرية قبل هذه الأحداث بست سنوات..)
وبذلك فإن قطز رحمه الله قد حفظ الأمانة، ووسد الأمر لأهله، وبصرف النظر عن كونهم من المماليك البحرية أو المعزية.. وهذا تجرد واضح من قطز رحمه الله.. كما أنه ذكاء سياسي واضح أيضاً.. فهو بهذا يستميل قلوب المماليك البحرية الذين فروا في أنحاء الشام وتركيا، ويبث الاطمئنان في نفوسهم، وهذا - ولا شك - سيؤدي إلى استقرار الأوضاع في مصر، كما أنه سيجعل البلاد تستفيد من الخبرات العسكرية الفذة للمماليك البحرية..
كما قام قطز أيضاً بالقبض على بعض رءوس الفتنة الذين حاولوا أن يخرجوا على سلطته وحكمه، وبذلك هدأت الأمور نسبياً في مصر..
وعلم قطز رحمه الله أن الناس إن لم يُشغلوا بالجهاد شُغلوا بأنفسهم، ولذلك فبمجرد أن اعتلى عرش مصر أمر وزيره زين الدين، وكذلك قائد الجيش فارس الدين أقطاي الصغير أن يجهزا الجيش، ويعدا العدة، وينظما الصفوف.. فانشغل الناس بهذه الغاية النبيلة، والمهمة الخطيرة: "الجهاد في سبيل الله"..
إذن الخطوة الأولى في سياسة قطز رحمه الله كانت السيطرة على الوضع الداخلي للبلاد، وشغل الناس بالقضايا المجمعة للأمة، وإبراز الهدف الحقيقي من السلطان، وهو إقامة الشرع والدفاع عن البلاد، والقيام بشئون الرعية، وحماية مصالح العباد، وليس مجرد جمع المال، وضمان توريث الكرسي للأبناء، بل وأبناء الأبناء..
وبذلك استقرت الأحوال المحلية في مصر، وتوحد الصف الداخلي، وهذه خطوة عظيمة جداً في بناء الأمم..

أمــة الله 24.11.2010 19:52

من للإسلام إن لم نكن نحن؟!


أما الطريق الثاني فهو التذكير بعظم الهدف الذي من أجله خلق الإنسان، وبنبل الغاية التي من أجلها نعيش على الأرض..
إنه يرتفع بنفوس الناس من مطامع الناس المادية البحتة إلى آفاق عالية جداً جداً.. إنه يربط كل عمل يعملونه بإرضاء الله عز وجل، وبنصرة الدين..
إذا عظم كل واحد منا أمر الإسلام في قلبه فإنه سيستصغر أي تضحية في سبيل نصرة هذا الدين..هذه من أبلغ وسائل التحميس والتحفيز.. أن تعظم الغاية والهدف إلى أقصى درجة.. فيصبح جهادُك واستعدادُك وحركتك نوعًا من العبادة لله رب العالمين..
لم يحفزهم قطز بدنيا، ولم يحفزهم لاتباع شخص معين، ولم يحفزهم بقومية مصرية أو غيرها، ولم يحفزهم بقومية عربية أو بغيرها، ولم يحفزهم حتى بحب البقاء في هذه الحياة، والدفاع عن النفس ضد الموت.. بل إنه حفزهم بالحرص على الموت!!..
وشتان بين من يجاهد وهو حريص على أن يموت، ومن يجاهد وهو حريص على أن لا يموت!!.. شتان فعلاً..
لقد قال لهم قطز في صراحة:
"يا أمراء المسلمين، لكم زمان تأكلون من بيت المال، وأنتم للغزاة كارهون، وأنا متوجه، فمن اختار الجهاد يصحبني، ومن لم يختر ذلك يرجع إلى بيته، وإن الله مطلع عليه، وخطيئة حريم المسلمين في رقاب المتأخرين (عن القتال)"..
كلام في منتهى الدقة، وفي منتهى الروعة..
القضية بوضوح قضية إيمان..
إذا علمت أن الله مراقب لك وخالفت، فإن وبال ذلك عليك..
ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يُكره منافقاً على الخروج معه للقتال.. بل كان يترك الأمر على السعة، بل إنه إذا تخلف المسلمون المؤمنون )كما حدث في غزوة تبوك من بعض المؤمنين) فإنه لا يكرههم، بل كان إذا ذُكر له رجل تخلف قال: "دعوه، فإن يكن فيه خير سيُلحقه الله بكم، وإن يكن غير ذلك فقد أراحكم منه"..
وهكذا فعل قطز رحمه الله..
من أراد أن يخرج للجهاد في سبيل الله فليفعل، ومن أراد النكوص على عقبيه، والركون إلى الدنيا فليعلم أن الله مطلع عليه، وليعلم أن حرمات المسلمين والمسلمات التي تُنتهك في رقبته..
ولا يخفي علينا الإشارة المهمة التي ذكرها قطز من أن هؤلاء الأمراء والوزراء قد عاشوا سنوات يأكلون من بيت مال المسلمين، بل ويكثرون من الأكل والجمع حتى فقدت وظائفهم كل معنى، ولم يبق لها إلا معنى واحد هو استغلال المنصب لأقصى درجة لزيادة الثروة، من الحلال وغير الحلال على السواء، وما عاد الوزير يعتقد أنه موظف عند الشعب وليس سيداً عليهم، وأنه كما أن له حقوقاً فإن عليه واجبات، وأنه مسئول ومحاسب من الله ومن شعبه على كل خطوة، وعلى كل درهم أو دينار.. لقد كانت هذه الكلمات من قطز تهدف إلى إيقاظ الضمير، وإلى إحياء الأمانة، وكشفت هذه الكلمات الوزراء أمام أنفسهم.. لقد كان قطز يرى بوضوح ما بداخل كل وزير!!
ثم تحركت المشاعر بصورة أكبر وأكبر في صدر قطز رحمه الله، حتى وقف يخاطب الأمراء وهو يبكي ويقول:
"يا أمراء المسلمين، من للإسلام إن لم نكن نحن"..
كلمة رائعة.. كلمة هائلة!!..
كلمة تصلح أن تكون منهجاً للحياة..
إذا قالها كل مسلم فلن تسقط أبداً أمة الإسلام..
أحياناً ينتظر المسلم أن يأتي النصر من مسلمين آخرين.. ينتظر أن يتحرك للإسلام فلان أو غيره، ولكنه قليلاً ما يفكر هو في التحرك.. بل كثيراً ما يقوم بعملية نقد وتحليل وتعليق على أفعال وأقوال العاملين للإسلام، أما هو فلا يتحرك!
أحياناً ينتظر المسلم أن يخرج صلاح أو خالد أو قطز أو القعقاع من بيت جاره، أو من بلد آخر، ولا يفترض أن يخرج هؤلاء من بيته هو شخصياً..
لماذا لا تكون أنت صلاح الدين الأيوبي؟
لماذا لا تكون أنت يوسف بن تاشفين؟
لماذا لا تكون أنت نور الدين محمود الشهيد؟
لماذا؟
من للإسلام إن لم نكن نحن؟
ووقعت الكلمة في قلوب الأمراء.. فضجوا جميعاً بالبكاء!!..
لقد خشعت القلوب.. ومن خشع قلبه فيرجى منه الخير كله..
وقام بعض الأمراء وتكلموا بخير، فقام البقية يعلنون موافقتهم على الجهاد، وعلى مواجهة التتار مهما كان الثمن، وهكذا نجح قطز رحمه الله في خطوة هي من أصعب خطوات حياته، وهي في ذات الوقت من أعظم خطوات حياته..
إذن مصر تعلن الحرب على التتار!!..
قرار من أخطر القرارات في تاريخ مصر مطلقاً.. وهو قرار لا ينفع أن يرجع عنه القائد أو الجيش أو الشعب، وقطز رحمه الله يعلم أن قلوب الأمراء وافقت تحت تأثير القدوة، وتحت تأثير التذكير بالله، وبالواجب نحو الإسلام، لكن من الممكن لهذه القلوب أن تتردد وأن تخاف، ولذلك فقد أراد قطز أن يفعل أمراً يقطع به خط الرجعة تماماً على الأمراء، ويقطع به الأمل في الاستسلام، ولا يبقى أمامهم غير الخيار العسكري فقط!..
ماذا قرر قطز؟!
لقد قرر قطز بعد أن استشار مجلسه العسكري أن يقطع أعناق الرسل الأربعة الذين أرسلهم إليه هولاكو بالرسالة التهديدية، وأن يعلّق رءوسهم على باب زويلة في القاهرة، وذلك حتى يراها أكبر عدد من الشعب، وهو يرمي بذلك إلى طمأنة الشعب بأن قائدهم لا يخاف التتار، وهذا سيرفع من معنوياتهم، كما أن هذا الردّ العنيف سيكون إعلاناً للتتار أنهم قادمون على قوم يختلفون كثيراً عن الأقوام الذين قابلوهم من قبل، وهذا قد يؤثر سلباً على التتار، فيلقي في قلوبهم ولو شيئاً من الرعب أو التردد، ويبقى الهدف الأكبر لقتل الرسل الأربعة هو قطع التفكير في أي حل سلمي للقضية، والاستعداد الكامل الجادّ للجهاد، فبعد قتل الرسل الأربعة لن يقبل التتار باستسلام مصر حتى لو قبل بذلك المسلمون..
كان هذا هو اجتهاد قطز رحمه الله والأمراء..
ومع ذلك فلنا وقفة مع هذا الحدث..

أمــة الله 24.11.2010 19:53

وقفة أمام قتل الرسل

أنا لا أدري ما هو السند الشرعي لقطز رحمه الله في عملية القتل هذه؟!..
فالرسل في الإسلام لا تقتل.. لا رسل المسلمين، ولا رسل الكفار، ولا حتى رسل المرتدين عن الإسلام!.
يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: جاء ابن النواحة وابن أثال رسولا مسيلمة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال لهما: "أتشهدان أني رسول الله؟ " قالا: نشهد أن مسيلمة رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "آمنت بالله ورسوله، لو كنت قاتلاً رسولاً لقتلتكما"..
يعلّق عبد الله بن مسعود رضي الله عنه على هذا الحديث فيقول: فمضت السنة أن الرسل لا تقتل..
هذا الحديث رواه الإمام أحمد والحاكم، وأخرجه أيضاً أبو داود والنسائي مختصراً..

وفي رواية لأحمد وأبي داود عن نعيم بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفس الموقف: "والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما"..
يقول الإمام الشوكاني رحمه الله في كتابه القيم "نيل الأوطار": هذان الحديثان )حديث عبد الله بن مسعود وحديث نعيم بن مسعود رضي الله عنهما) يدلان على تحريم قتل الرسل الواصلين من الكفار، وإن تكلموا بكلمة الكفر في حضرة الإمام أو سائر المسلمين..

لهذا فالحكم الشرعي في الإسلام أن الرسل لا تقتل، ولا أدري ما الحجة الشرعية التي استخدمها قطز ليقتل هؤلاء الرسل؟ ولا أدري لماذا سكت العلماء في زمانه عن هذه النقطة؟ أو لعلهم تكلموا ولم يصل إلينا قولهم، ولعل قطز اجتهد في أن التتار قد هتكوا كل الأعراف والقوانين والمواثيق، فقتلوا النساء والأطفال والشيوخ غير المقاتلين، وبأعداد لا تحصى، وقد قتلوا في بغداد وحدها مليون مسلم، هذا غير المدن التي سبقت والتي لحقت، ولعله اجتهد هذا الاجتهاد بعد أن أساء الرسل الأدب معه، وأغلظوا له في القول، وتكبروا عليه.. لعل هذا كان اجتهاده، وإن كنت أقول إننا لا يجب أن نُجرّ أبداً إلى قذارات السياسة المادية، وإلى أخلاق الكفار..

فإذا قتل الكفارُ الأطفالَ المسلمين فلا يجوز للمسلمين أن يقتلوا أطفال الكفار بحجة أن العقاب بالمثل، وإذا قتل الكفار النساء المسلمات وهتكوا أعراضهن فليس هذا مبرراً لقتل النساء الكافرات غير المقاتلات وهتك أعراضهن، وهتك العرض طبعاً غير مقبول سواء للمقاتلة أو غير المقاتلة، وإذا خان الكفار العهد فلا يجوز للمسلمين خيانة عهودهم.. وعلى نفس الوتيرة لا يقتل المسلمون الرسل، ولا يقتل المسلمون الكفارَ الذين أخذوا أماناً من المسلمين..

كلُّ هذا ليبقى دين الإسلام نقياً خالصاً غير مختلط بقذارات القوانين الوضيعة.. وليظل المثل الإسلامي الرفيع، والخلق الإسلامي العالي وسيلة باقية لدعوة شعوب الأرض إلى هذا الدين الرائع.. دين الإسلام..
لكل ما سبق فإني أعتبر ما حدث من قطز والأمراء في هذه الخطوة هو هفوة وخطأ في الاجتهاد.. ولابد لكل إنسان مهما عظم قدره أن يكون له أخطاء إلا الأنبياء المعصومين.. ويكفي المرء فخراً أن تعد معايبه

يتبع

أسد الجهاد 27.11.2010 04:03

أختنا الفاضلة نورا جزاكِ الله خيراً
سبحان الله والله يا أخت ماحدث فى الماضى هو مايحدث فى زماننا
إستشهاد مليون عراقى على يد دولة لقيطة بلا تاريخ ولا حضارة وقد كان التتار بلا تاريخ ولا حضارة
حتى معركة المنصورة التى أنتصر المسلمون بها فى السابق
توجد معركة المنصورة كانت أكبر واضخم معركة جوية فى التاريخ بين الجوية المصرية والجوية الصهيونية
وهذا اليوم أصبح فيما بعد {عيد القوات الجوية المصرية } وإنتصرت القوات المصرية إنتصار منقطع النظير
أشتبكت في تلك المعركة 180طائرة مقاتلة كان معظمها لإسرائيل120 و60لمصر
وكانت النتيجة فى الدقائق الأولى 44 طائرة مدمرة لإسرائيل مقابل ثلاث طائرات مصرية أصيبت
ثم إسقاط 17طائرة مقاتلة
إسرائيلية عن طريق 7 طائرات ميج. ثم تدمير 15 طائرة
وتدمير 29طائرة إسرائيلية عن طريق الدفاع الجوى
وكانت الخسائر المصرية
سقطت 3 طائرات مصرية بالإضافة إلى فقدان طائرتين بسبب نفاذ وقودهما وعدم قدرة طياريها من العودة إلى القاعدة الجوية، كما تحطمت طائرة ثالثة أثناء مرورها عبر حطام طائرة فانتوم متناثرة في الجو كانت قد أسقطت بواسطة تلك الطائرة.
وإلى الآن يتحدثون عن الطيار المصرى
http://www.youtube.com/watch?v=GlX5CBBg8_o

ولو كان هناك دعم إسلامى حقيقى كالذى قدمته العراق للمواجهة التى تمت بين مصر وإسرائيل كانت مصر قضت على التواجد الأمريكى فى فلسطين {إسرائيل } فى الأيام الأولى
العراق قدمت لدول المواجهة أضعاف ماقدمه العرب مجتمعين
ولو كانت مصر والبلاد الإسلامية قدمت الدعم أيضاً فى السابق إنتصروا ولم يدخل المغول العراق والشام
وما حدث فى افغانستان وبلاد اسيا المسلمة هو مايحدث فى زماننا 100%100
سبق للمغول اجتياح مملكة خوارزم في طريقهم لبغدد
سبق الامريكان اجتياح افغانستان في طريقهم للعراق
تحالف امريكا وبريطانيا في حربها على العراق
تحالف المغول والتتار في حربهم على بغداد
حصار بغداد من الشرق والغرب
حصار بغداد من الشرق والغرب
بدأ غزو العراق 16 محرم
بدأ غزو بغداد – الخلافة 16 محرم سنة 656هـ
دخول بغداد 7 صفر
دخول بغداد 7 صفر
انهيار المقاومة ودخول بغداد يوم الاربعاء
انهيار المقاومة ودخول بغداد يوم الاربعاء
مدة الغزو 21 يوم حتى سقوط بغداد – العراق
مدة الغزو 21 يوم حتى سقوط بغداد- الخلافة
تفوق عسكري هائل
تفوق عسكري هائل
تنازع بين الطوائف ادى لضعف الدولة
تنازع بين الشيعة والسنة ادى لضعف الخلافة
واصل المغول والتتار زحفهم نحو الشام لغزوها
تهديد امريكا لسوريا بالغزو وإحتلال الجولان
بمساندة العلقمى الشيعى غزوا العراق
بمساندت إيران والعملاء سقطت العراق
هولاكو لم يتعرض بسوء لأهل الحلة وكربلاء والنجف الشيعة
بلير وبوش جعلهم يصلوا إلى السلطة
التتار إستخدموا نفس إسلوب مصر الفرعونى فى تقسيم الجيش والرتب العسكرية وإستخدموا التكتيكات الفرعونية
وكانت تكتيكاتهم العسكرية معقدة وجنودهم مجموعات مقسمة حسب النظام العشري ، 10 ,100 ,1000 , 10000 وذلك بناءً علي ما تتطلبه إحتياجات المعركة
يقومون بتقسيم الجيش إلي 3 مجموعات ، الأمر الذي يمنحهم قدره هائله في التخطيط لتطويق الجيش المواجه لهم من أي إتجاه يريدونه والامريكان فعلت نفس الشىء
وإستخدموا الحرب النفسية والامريكان فعلوا نفس الشىء
التتار كانت تحرق المدينة باكملها تقتل النساء والأطفال وكل مابها وتترك قلة لتحكى ماحدث لبقية المدن ليزرعوا الرعب فى المدن الأخرى والأمريكان فعلت نفس الشىء وإستخدمت الفوسفور الأبيض
الدول الإسلامية كانت تعلم بغزو العراق ولم تفعل شىء
سعد الدين الشاذلى {رئيس الأركان 73} العقل المدبر والمخطط للحرب


http://photos-h.ak.fbcdn.net/photos-...37760_1935.jpg
الف كتاب عن غزو العراق{الخيار العسكرى العربي ,والحرب الصليبية 8}
قبل غزوها بسنوات وأخبر ماذا تحتاج إلى قوات لكى يغزوها وما الخطوطات التى سيتبعوها وقد حدث كما أخبر الشاذلى
وطالب العرب بفعل شىء ,ولم يستمع أو ينصت له احد رغم أنهم يعلمون ان مايقوله هو الحقيقة
المخابرات المغولية إستطلاع وتجسس علي هذه البلاد لدراسة أحوالها وبالتالي الإهتداء لأفضل السبل لغزوها
أرسلو مئات الجواسيس إلي البلاد ليقومون بعمل خرائط للطرق والمواقع الحصينة وغمكانيات كل مدينة
وامريكا فعلت نفس الشىء وقامت بإرسال طائرات تجسس
نرجو يا أختنا الفاضلة نورا أن تقومى بتكملة الموضوع لكى نتوقع ماسيحدث بإذن الله للصهاينة فى فلسطين والوطن العربي
بإذن الله هتكون نهايتهم سواء فى فلسطين كنهاية من سبقهم
وقطز القادم بإذن الله لن يحتاج إلى مجهود كبير لبناء جيش سيجد أمامة ترسانة ضخمة
من أقوى 10جيوش فى العالم
وجزاكم الله خيراً

جادي 27.11.2010 22:37

جزاكم الله خيرا اخي الكريم اسد الجهاد

اقتباس:

العراق قدمت لدول المواجهة أضعاف ماقدمه العرب مجتمعين
كلام صحيح ومنصف يكفي ان الدبابات العراقية في حرب 73 سارت 3000 ميل للالتحاق بالمعركة عن طريق البر
لدعم الجبهة السورية وكلنا نعرف حجم الخلاف آنذاك بين العراق وسوريا

لي عودة ان شاء الله

أسد الجهاد 02.12.2010 00:54

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبها جادي (المشاركة 80735)
جزاكم الله خيرا اخي الكريم اسد الجهاد


كلام صحيح ومنصف يكفي ان الدبابات العراقية في حرب 73 سارت 3000 ميل للالتحاق بالمعركة عن طريق البر
لدعم الجبهة السورية وكلنا نعرف حجم الخلاف آنذاك بين العراق وسوريا

لي عودة ان شاء الله

أكرمك الله أخى جادى
القوات العراقية وصلت إلى المعركة فى بدايتها ,ولم تصل فى اوقات متأخرة من الحرب
وهذا يدل على أن القيادة العراقية كانت تريد أن تكون مشاركتها فى الحرب حقيقية لا شرفيه

و مع هذه المسافة لم ينالوا قسط من الراحة رغم التعب الشديد والأرهاق وتوجهوا إلى
الجبهة ووصلوا إليها قبل القوات السورية وقاتلوا بشجاعة وشراسة وإحترافية ترتفع لها القبعات:36_17_4: والمراجع العسكرية تشير إلى أن اللواء المدرع الثاني عشر أول الألوية المدرعة التى وصلت إلى
جبهة القتال بعد أن قطع مسافة 1350 كم في يوم واحد

ولم يكتف العراق بمشاركته العسكرية فقط، بل استخدم أيضا سلاحه الاقتصادي وقدم الشعب العراقي إلى الشعب السوري النفط والمساعدات الاقتصادية والاعتدة ودبابات التعويض.
ومن يوم 7 أكتوبر حتى 3 نوفمبر 1973 طائرات النقل الجوي لاتتوقف ترسل حمولات بزنة 671 طن من الدعم لمساندت الجبهتين السورية والمصرية
وإن كان ماذكرته قليل مما قدمته العراق ولاكن بإذن الله
البقية ستأتى

جادي 02.12.2010 10:10

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبها أسد الجهاد (المشاركة 81769)
أكرمك الله أخى جادى
القوات العراقية وصلت إلى المعركة فى بدايتها ,ولم تصل فى اوقات متأخرة من الحرب
وهذا يدل على أن القيادة العراقية كانت تريد أن تكون مشاركتها فى الحرب حقيقية لا شرفيه

و مع هذه المسافة لم ينالوا قسط من الراحة رغم التعب الشديد والأرهاق وتوجهوا إلى
الجبهة ووصلوا إليها قبل القوات السورية وقاتلوا بشجاعة وشراسة وإحترافية ترتفع لها القبعات:36_17_4: والمراجع العسكرية تشير إلى أن اللواء المدرع الثاني عشر أول الألوية المدرعة التى وصلت إلى
جبهة القتال بعد أن قطع مسافة 1350 كم في يوم واحد

ولم يكتف العراق بمشاركته العسكرية فقط، بل استخدم أيضا سلاحه الاقتصادي وقدم الشعب العراقي إلى الشعب السوري النفط والمساعدات الاقتصادية والاعتدة ودبابات التعويض.
ومن يوم 7 أكتوبر حتى 3 نوفمبر 1973 طائرات النقل الجوي لاتتوقف ترسل حمولات بزنة 671 طن من الدعم لمساندت الجبهتين السورية والمصرية
وإن كان ماذكرته قليل مما قدمته العراق ولاكن بإذن الله
البقية ستأتى


جزاكم الله خيرا اخي اسد الجهاد

وادعوك الى قرأة هذا المقال لاحد العسكريين العراقيين في الحرب
وارجوا ان اسمع تعليقك عليه ،
وهذا يقودنا الى سؤال مهم جدا عن الجبهة السورية في حرب 73 الا وهو شح المعلومات السورية من جانبها حول الحرب!!!!!!!!؟
ولاحظ معي اخي الحبيب ان في بحثي عن مراجع معتبرة تحكي قصة الحرب من الجانب السوري او ماحصل حقيقة على تلك الجبهة فهي شحيحة او تكاد معدومة الاماوجدته مطروحا حسب الرواية الرسمية السورية !!!!!!

قال لي احدهم من المعتبرين في تلك الفترة ((( كنا في حرب 67 قد خسرنا بعض القرى في منطقة السويداء وما حولها وفي عام 73 خسرنا مايزيد على 48 قرية جديدة ))) طبعا لم يتسنى لنا التأكد من ذلك فلا مصادر لتفصيلات كذلك .



مذكرات ضابط عراقي شارك في حرب تشرين 1973
بقلم: الباحث عبد الوهاب محمد الجبوري

كنا مجموعة من الضباط العراقيين الذين شاركوا في حرب تشرين نتحدث عن هذه الحرب ومشاركة الجيش العراقي الباسل فيها بثقل كبير تلبية لنداء الواجب القومي.. قادنا حديث الذكريات الى ظهر ذلك اليوم (1973/10/6) الذي بدأت فيه القوات السورية والمصرية تعرضها الواسع ضد القوات الاسرائيلية على الجبهتين الغربية والشمالية.. وفي صباح اليوم الثاني من الحرب كانت القطعات العسكرية العراقية المشاركة ومنها الدبابات تتحرك من مواقعها العسكرية ومنها معسكر التاجي شمال بغداد ومعسكر الورار في الرمادي باتجاه الحدود السورية على السرفات.. وقد ذكر لي أحد الضباط العراقيين أن الحكومة السورية كانت تؤكد على (اهمية وصول القطعات العسكرية العراقية باسرع وقت وباكبر حجم ممكن وان لايقل عن فرقتين بكامل دروعهما).. ومنذ يوم 10/7 وحتى يوم 10/24 وهو يوم تكامل القوات العراقية في سوريا بلغ حجم هذه القوات فرقتين مدرعتين وثلاثة الوية مشاة، اي ما يعادل فيلق وبلغ مجموع هذه القوات (60) الف مقاتل و(700) دبابة ومئات العربات المدرعة والاف سيارات النقل و(12) كتيبة مدفعية، كما شارك في المعارك أسراب من مختلف أنواع الطائرات المقاتلة.
تحشد القوات العراقية
في يوم 8 تشرين أول 1973 فتح مقر عمليات في ديوان وزارة الدفاع العراقية ثم نقل الى مقر بديل اخر وحشدت(5) اسراب من الطائرات في مطاري الضمير ودمشق الدوليين وارسلت على الفور الى العاصمة السورية ايضا ناقلات حوضية لمشتقات النفط وصدرت الاوامر للقطعات العسكرية بالحركة من مناطق تحشدها او تدريبها الى سوريا وكان اولها ارسال فوج حماية قاعدة ابن الوليد ثم تبعه لواء مشاه الي وكان التنقل على سرفات الدبابات ايضا وعجلات القتال المدرعة لكسب الوقت في الوصول بسرعة الى الجبهة السورية لان الموقف العسكري ، كما اخبرنا ضابط الارتباط السوري،، كان يتطور بسرعة بعد يوم 8 تشرين الاول 1973.
وقد قامت ارتال عجلات الادامة بنقل (50) الف طن من مواد الادامة المختلفة كالارزاق والعتاد والوقود والمواد الاحتياطية والملابس والتجهيزات.. الخ وحسب معلوماتنا لم يتعرض خلال عملية التحشد هذه جندي واحد للعطش او الجوع ولم تتوقف اية عجلة لنقص الوقود ولم يفتقر اي سلاح للعتاد.. لقد انجزت معركة التحشد بشكل رائع اعترف بها الاعداء قبل الاصدقاء حتى لقد ذكرت اذاعة لندن يوم 1973/10/20 نقلا عن احد المعلقين العسكريين لصحيفة تايمس اللندنية ما يلي: (ان احدى المفاجآت الكبرى في حرب الشرق الاوسط هي استطاعة العراق تحشيد فرقة مدرعة عبر مسافة الف كيلومتر وزجها في المعركة مما قلب خطط الاسرائيليين ومنعهم من تحقيق كل اهدافهم في هذه الجبهة) واكد هذا التحليل المعلق العسكري الاسرائيلي (زئيف شيف) حيث اورد في صحيفة هاارتس الاسرائيلية يوم 1973/10/29 تحليلاً لنتائج الحرب القى فيها مسؤولية الفشل على الاستخبارات العسكرية الاسرائيلية في اعطاء انذار مبكر للهجوم على الجبهتين المصرية والسورية. واورد شيف رأياً حول اشتراك القوات العراقية في الحرب قمت بترجمته في حينه من العبرية الى العربية انقل للقارئ الكريم نصه بالحرف.. حيث يقول: (لقد شكل اشتراك القوات العراقية في الحرب من جهة الشرق مفاجأة للقيادة العسكرية الاسرائيلية التي لم تكن تعرف ميدانيا قدرة القوات العراقية الا من خلال ما ذكر في مصادر المعلومات العلنية عن كفاءتها العسكرية.. ان هذه المفاجأة العراقية التي اجبرت القوات العسكرية الاسرائيلية على فرز قوات كبيرة لمواجهة القوات العراقية احدث تحولا في مسيرة الحرب وابعد دمشق عن مطارق المدفعية الاسرائيلية).
ثم دارت الحرب وقامت القوات الجوية والبرية العراقية بواجبها بشكل مشرف ضمن مشاركتها ولكن كفاءتها القتالية وارتفاع روحها المعنوية ودقة الخطط المعدة لتدخلها جعلتها تقلل نتائج السلبيات المفروضة الىالحد الادنى وتؤمن النتائج القصوى من الجهد الذي امكن تقديمه.. وكان لدور القوات المدرعة العراقية الاثر البارز في تلاشي زخم الهجمات المتواصلة التي شنتها القوات الاسرائيلية وارادت بها الوصول لتطويق دمشق فتحولت جهودها نحو اتجاهات اخرى ولم تنجح ايضا نتيجة تصدي الهجمات العراقية المقابلة والشديدة وقتال الدروع المسند بالقوة الجوية مما احبط مساعي القوات الاسرائيلية في هذه الجبهة.. وكانت تضحيات قواتنا البرية الباسلة التي ضربت اروع الامثلة في الشجاعة والتضحية والايثار في القتال 835) شهيداً من بينهم (11) ضابطاً (73) مفقوداً من بينهم (36) ضابطاً (26) طائرة مقاتلة (111) دبابة وناقلة اشخاص مدرعة (249) سيارة عسكرية (738) قطعة سلاح.
حجم وأنواع القطعات العسكرية التي شاركت في حرب تشرين 1973.
فيما يأتي حجم وانواع القوات العسكرية العراقية التي شاركت في الحرب باسناد ودعم القوات السورية والمصرية على الجبهتين الشمالية والجنوبية:
1- القوات البرية
أ-الفرقة المدرعة الثالثة وقائدها العميد الركن محمد فتحي امين الكواز وتالفت من :
أولا: اللواء المدرع /12 (ابن الوليد) / وامر اللواء العقيد الركن سليم شاكر الامام وشارك في بداية المعارك بكتيبة دبابة المعتصم وكتيبة دبابات قتيبة ومشاة الالي ثم اعقبها كتيبة دبابات القادسية بسبب قلة ناقلات الدبابات.
ثانياً: اللواء المدرع السادس / امر اللواء المقدم الركن غازي محمود العمر حيث كانت وحدات اللواء في مناطق التدريب بالورار غرب الفرات وعند صدور الامر تحركت على سرف الدبابات والناقلات الى الكيلو 160 بسبب قلة ناقلات الدبابات.
ثالثاُ: لواء المشاة الالي /8/امر اللواء العقيد الركن محمود وهيب وشاركت جميع وحداته في المعارك بالرغم من تاخر وصول فوج ناقص سرية يوم 10/16 .
ب- الفرقة المدرعة السادسة حيث وصلت الفرقة وفتحت مقرها التعبوي في(جب الصفا) وشاركت باغلب المعارك
أولا. لواء المدرع / 30
ثانياً .لواء المدرع/ 16
ثالثاُ. لواء المشاة الالي /25
ج- فرقة المشاة الالية الخامسة لواء المشاة الالي/ 20 امر اللواء العقيد الركن سلمان باقر شارك في اغلب المعارك وكان يتحشد في مدينة العمارة جنوبي العراق وتحرك على السرفة لساعات طويلة بدون اي استراحة ولمدة 18 ساعة حيث وصل(الغوطة) يوم 10/15 ودخل اللواء ايضا في خطة الهجوم الاستراتيجي الذي خطط له يوم 10/24 وكانت خسائر اللواء 15 شهيدا و 40 جريحا.
د. فرقة المشاة الرابعة
لواء المشاة الخامس الجبلي / امر اللواء المقدم الركن عبدالجواد ذنون وكانت معارك مشهود لها في الجولان وجبل الشيخ .
2- القوة الجوية
اما بالنسبة لمشاركة القوة الجوية العراقية في الحرب فقدتم ادخال القوة الجوية العراقية بالانذار الفوري و خصصت القيادة العامة للقوات المسلحة العراقية جهدا جويا كبيرا لاسناد وخدمة القوات المشاركة في العمليات العسكرية وكما ياتي :
90 مطاردة معترضة ميك 21
60 قاذفة مقاتلة هجوم ارض سوخوي/7
30 قاذفة للهجوم الارضي ميك /17
36 قاذفة مقاتلة هجوم ارضي هوكر هنتر 24 طائرة قوامها (2) سرب كانت موجودة في مصر قبل بدا الحرب وشاركت في الضربة الجوية الاولى ضد الاهداف الاسرائيلية في سيناء .
8 قاذفات متوسطة /تي يو 16
اما بالنسبة لطيران النقل فكان العراق يمتلك 31 طائرة وكما يلي :
4 طائرات خفيفة انتونوف2
7 طائرات نقل ثقيلة انتونوف/ 12
10 طائرات خفيفة انتونوف/24
8 طائرات نقل اليوشن /14
2 طائرة نقل خفيفة هيروف /16 (بريطانية)
وقد بلغ عدد ساعات طيران النقل الجوي لصالح العمليات من 10/7 -11/3 هو (862) ساعة منها (121)ساعة على الجانب المصري و (394) ساعة على الجانب السوري والجهد الجوي الاخر كان مخصصا لاغراض الادامة والارتباط والواجبات الاخرى حيث تم نقل(1800) شخص وحمولات بزنة(671) طن موزعة(452) طن لاسناد الجناح العراقي في مصر و(219) لاسناد الاسراب العاملة في سورية .
وكان العراق يمتلك 8 قاذفات قنابل تي يو 16 حمولة كل منها 72 طن بالطلعة الواحدة ولم يشترك سرب القاذفات تي يو22 في الحرب بسبب عدم استلام اجهزتها من الاتحاد السوفيتي السابق الا بعد انتهاء الحرب.
اما الطائرات السمتية التي كانت تمتلكها القوة الجوية العراقية فكانت :
83 طائرة خفيفة (مي/1)
35 طائرة مهمات (مي/4)
29 طائرة نقل متوسط (مي/8)
10 طائرة بركس(بريطانية الصنع )
5 طائرات الويت (فرنسية الصنع) . وقد شاركت اعدد من هذه الطائرات في مهمات قتالية ولوجستية .
خسائر القوة الجوية العراقية
استشهاد (12) طيار وسقوط (26) طائرة.
ان هذا السفر الخالد للضباط والجنود العراقيين الذين وقفوا الى جانب اخواتهم في الجيوش العربية الاخرى في حرب تشرين 1973 سوف تذكره الاجيال بفخر المآثر التي سطروها وتلك الدماء التي سالت في كفر ناسج وتل عنتر وجبل الشيخ وصحراء سيناء دفاعاً عن قضيتهم القومية وعن شرف الماجدات العربيات.وسوف لن تغيب عن البال ايضاً تلك الملحمة الوطنية العراقية عندما مرت (24) طائرة عراقية مقاتلة مع عدد اكبر من الطائرات المصرية فوق قناة السويس على ارتفاع منخفض وبسرعة هائلة لتقوم بتدمير المطارات الاسرائيلية في سيناء وهي (المليز، ثمادة، راس نصراني) وتضرب عشرة مواقع لصواريخ (هوك) والمقر المتقدم لقيادة المنطقة الجنوبية الاسرائيلية في (ام خشب) ومقرها الرئيسي في (العريش).كما لا ننسى ايضا ذلك الاستقبال الرائع الذي كان يستقبل به اهلنا في سوريا اخوانهم وابناءهم من ابطال الجيش العراقي وهم يتوجهون الى جبهات القتال وبالزغاريد بعد عودتهم وهم يحملون اكاليل الغار والنصر .
ان ماحصل في حرب تشرين يجسد الارادة العربية الواحدة في مواجهة الخطر المحدق بالامة العربية وان مشاركةالجندي العراقي في هذه الحرب الى جانب اخوته في الجيوش العربية يدل دلالة قاطعة ان الخطر الذي يتعرض له أي عضو في الجسد العربي انما هو خطر يهدد كل الجسد وان تضحيات الجيش العراقي الباسل في هذه الحرب وكل الحروب العربية الاسرائيلية انما هي تاكيد للمصير المشترك الذي يربط ابناء الامة الواحدة فضلا عن كونه جيشا له خبرات طويلة في الدفاع عن قضايا امته مما ساعد على تحقيق النصر في الحرب على العدو الاسرائيلي ..
وان هذا يدل على ان الجندي العربي من اي جيش كان ومن اي بلد عربي كان هو جندي مؤمن بقضيته متمرس في استخدام سلاحه متقن لعقيدته القتالية اذا ما توفرت له كل المقومات والامكانيات المطلوبة لخوض حرب حديثة مهما كانت ظروف المعركة صعبة
.

أسد الجهاد 03.12.2010 00:47

أخى جادى جزاك الله كل خير
يا أخى حدث ماهو أكثر من ذلك وفى مشاركتى السابقة خشيت أن أقول {لولا القوات العراقية كانت سوريا ستحتل بما فيها دمشق وليست الجولان وحدها } حتى لايغضب هذا البعض منا ويعتبروة تقليلاً من شأنهم
إحتل اليهود نصف هضبة الجولان أي مابعد حدود 67 وصلوا الي بلدة سورية اسمها (( سعسع ))
قرب دمشق
في يومي 6 و 7 اكتوبر أكتسحت القوات السورية ارض المعركة برا وجوا وتقدمت القوات البرية السورية مسافة تزيد علي 50 كيلو مترا بعد أن عبرت الخندق المضاد للدبابات وهنا ظهر دور الجندى السورى وإن كنا لانفرق بين جندى مسلم وجندى مسلم آخر
ولاكن قلة الخبرة للقيادة +خبث التدخل الروسى
عبد الحكيم عامر ضابط صغير لاتوجد له خبره يصبح فجأة مشير يقود الجيش لان ينتمى إلى عبد الناصر
الضباط السوريين الذين يستطيعوا قيادة المعركة لايقودها وصغار الضباط المؤيدين للطائفى يقودوها
سوريا سيطرت على الجولان سريعاً والدبابة هى التى تسيطر على الصحراء ولاكن جنود المشاه هم الذين
يدعمون السيطرة ويثبتونه وهذا لم يحدث ,ويوم10أكتوبر تمكنت القوات الاسرائيلية من استعادة ماحررته القوات السورية
حدث معنا نفس الشىء
وإن كان السبب فى ذلك تتحمله القادة لا الشعب أو الجنود كما فى 76 أيضاً الفشل تتحمله القيادة العلوية التى باعت الجولان ثم بعد ذلك قامت بعمل إنقلاب بحجة {النكسة والهزيمة }على الرئيس نور الدين الاتاسي و القيادة المصرية التى باعت سيناء {عبد الحكيم عامر وعصابته } فى باريس وأمر بسحب بطاريات الدفاع الجوى من الجبهة
وأصدر أمر بعدم إعتراض أى طائرة إسرائيلية بحجة أن طائرته فى الجو ولكى لاتعرض للخطر
ثم أتبعها بأفشل خطة إنسحاب فى التاريخ أو بمعنى أصح بلا خطة إنسحاب مما جعل الطيران الإسرائيلى يحصد القوات المصرية ويصدر قرار بالإنسحاب الكامل بدون علم عبد الناصر ويقتحم غرفة القيادة ويصدر أوامر كوميدية جعلت أضغر ضابط وعسكرى ينظر إلى قادته ويحدثهم هل هم متأكدون من أوامرهم فتكون إجابتهم نفذ الأمر
والأمر نفذ من رأس الهرم إلى الذى يليه

ياأخى الجولان من أصعب المواقع العسكرية الحصينة فى العالم لاتسقط أبداً نتيجة لجغرافيتها التى تجعلها حصينة

إلى أبعد الحدود سقطت بدون أن تطلق رصاصة واحدة !
لم تسقط فى الحرب ولاكنها سقطت فى باريس على يد رفعت الأسد شقيق الرئيس السوري السابق حافظ الأسد الذي كان وزيرا للدفاع
د.محمود جامع الطبيب الشخصي وصديق السادات { كنت في صحبة السادات خلال زيارته لسوريا بتكليف من عبد الناصر في 1969 بهدف إجراء مباحثات مع الحكومة السورية برئاسة نورالدين الاتاسي واصطحبني السادات إلي هضبة الجولان ووقفنا علي حافة مرتفع كبير بالهضبة ونظر إلي بحزن كبير وقال: "يا محمود سأذيع لك سرا قاله لي عبدالناصر.. الجولان راحت ضحية صفقة تمت بين النظام السوري وإسرائيل إسرائيل مهما بلغت قوتها لا تستطيع السيطرة علي متر واحد في الجولان لو دخلت حرباً حقيقية }
ومن المواقف الكوميدية القنيطرة أعلن سقوطها وهى لم تسقط !!
لو أعلنوا عن الأمور على حقيقتها لن تكون الأمور فى صالحهم
جندى سورى وعراقى على أعلى مستوى من الإحتراف والشجاعة تضاريس معقيدة فى صالحهم ويسيطرون عليها
وبالتالى يسألون عن النتيجة وعندها تظهر الحقيقة رغم أنهم حالياً يلقونها فوق المستشارين الروس
يا أخى الكثير من الضباط السوريين الذين رفضوا تنفيذ الأوامر وقاتلوا بشجاعة فى 67وقموا بطولات رائعة
حوكموا منهم من إغتيلوا ومنهم من أعتقل
http://www.youtube.com/watch?v=QkO4B...layer_embedded

والكثير منهم شهد بذلك أيضاً منهم
رئيس قسم الاستطلاع في قياده جبهه الجولان في 67
صاحب كتاب {سقوط الجولان }وفيه ترى تفاصيل
المعلومات الدقيقة حول التحصينات المهولة والقوات الكثيفة التي كانت في الجولان وكيف سقطت هذه التحصينات الضخمة بدون مقاومة
هــــــــــــــــنا

أما السبب الثانى فى قلة المعلومات حول القوات العراقية
لو سلط الضوء عليها سيكون هناك سؤال
أى عاقل يسأله إذا كان فعلوا هذا معك ؟!فما معنى الذى فعلته معه فى حربه مع إيران
وأى طرف منهم كنت تدعمه ؟!
يا أخى العراق لم يقدم هذا من أجل قادتهم وإنما قدموه من أجل الشعب
فقادتهم كانوا على خلاف دائم والسبب إيران وحلف الطوائف
ولا يوجد شعب فى العالم يحب السوريين أكثر من العراقيين
ورغم أن مصر كانت تدعم العراق فى حرب إيران
وأكبر دليل هو إعدام 90مصرى وقعوا فى الأسر ووقتها مصر أخبرت العراق أن السلاح والجيش تحت أمر العراق تنتظر إشارة والخبراء المصريين ذهبوا إلى الجبهة ,ولاكن فى الحرب الأخيرة2003 أيضاً فعلوا كما فعلت القيادة السورية فى حرب إيران وجميع القادة فعلت نفس الشىء
عندما ههدت بريطانيا بغزو العراق ,هدد عبد الناصر بالمشاركة بالحرب ,وانتصر بلا حرب
السادات عندما ظنوا انه بسبب الخلاف بينه وبين القذافى سيرحب بغزو ليبيا من بريطانيا وامريكا وإسرائيل
قال على جثتى وانتصر بلا حرب
أما الغزو العراقى لم نسمع لأحد منهم حالياً صوت
والله لو كان يخشوا الله ماحدث هذا
وبارك الله فى العراق وشعبها وسوريا وشعبها وكل بلادنا العربية

جادي 03.12.2010 17:04

حياكم الله اخي الحبيب

اقتباس:

يا أخى حدث ماهو أكثر من ذلك وفى مشاركتى السابقة خشيت أن أقول {لولا القوات العراقية كانت سوريا ستحتل بما فيها دمشق وليست الجولان وحدها }
سبقتني بها اخي اسد وهذا ماحصل بالتاكيد وهو امر يجب الا ينكر رغم عمليات التعتيم عليه
وجزاك الله خيرا على الكتاب جاري تحميله

تقبل الله منا ومنكم صالح الاعمال
ورزقنا واياكم الفردوس الاعلى

أمــة الله 03.12.2010 19:34

ما شاء الله
ردود رائعة وقيمة أخوتي
أسد الجهاد وأخي جادي
بصراحة مشاركات قمة في الروعة والفائدة
جزاكم الله خير الجزاء كان نفسي أشارك معكم بهذا الحوارالشيق ولكن أنا مليش في السياسية

اقتباس:

نرجو يا أختنا الفاضلة نورا أن تقومى بتكملة الموضوع لكى نتوقع ماسيحدث بإذن الله للصهاينة فى فلسطين والوطن العربي
بإذن الله هتكون نهايتهم سواء فى فلسطين كنهاية من سبقهم
وقطز القادم بإذن الله لن يحتاج إلى مجهود كبير لبناء جيش سيجد أمامة ترسانة ضخمة
من أقوى 10جيوش فى العالم

إن شاء الله ستكون نهاية الصهاينة سوداء
أسال الله أن يبارك في شباب أمتنا المجاهدين الابطال
اقتباس:

وجزاكم الله خيراً

وجزاكم الله خير الجزاء أخي أسد الجهاد وسلمت يمناك على إضافتك القيم
إن شاء الله سأقوم بإكمال الموضوع
تشرفت بمروركما الطيب والكريم

أمــة الله 04.12.2010 15:30

المشكلة الاقتصادية

بعد هذا الاجتماع الخطير، وبعد هذا القرار الصعب، وبعد قتل الرسل.. بدأ قطز رحمه الله في التجهيز السريع للجيش، فقد اقتربت جداً لحظة المواجهة..
لكن واجهت قطز مشكلة أخرى ضخمة لا تقل عن المشاكل التي قابلها قبل ذلك.. ولاحِظوا أن قطز رحمه الله قد تولّى عرش مصر في الرابع والعشرين من ذي القعدة سنة 657 هجرية، وجاءته رسالة هولاكو قبل أن يغادر هولاكو أرض الشام عائداً إلى منغوليا بعد وفاة زعيم التتار منكوخان، وهولاكو غادر الشام بعد سقوط حلب بقليل، وقبل فتح دمشق، وحلب سقطت في صفر 658 هجرية، ودمشق سقطت في ربيع الأول سنة 658 هجرية.. أي بعد تولّي قطز رحمه الله لرئاسة مصر بثلاثة شهور فقط..
إذن كل الترتيبات والخطوات التي أخذها قطز رحمه الله أخذت في ثلاثة شهور فقط، والمشاكل التي قابلها تحتاج فعلاً إلى سنوات - بل إلى عقود كاملة - حتى يتم حلها على الوجه الأمثل.. لكنه رحمه الله استعان بالله، وبدأ بحمية ونشاط يتعامل مع المشكلة تلو الأخرى، والهدف في ذهنه واضح جداً:
"لابدّ من القضاء على هذه القوة الهمجية.. قوة التتار، وتحرير بلاد المسلمين"..
والمشكلة الجديدة التي أمام قطز الآن هي...... "المشكلة الاقتصادية!!"..
لابدّ من تجهيز الجيش المسلم، وإعداد التموين اللازم له، وإصلاح الجسور والقلاع والحصون، وإعداد العدة اللازمة للحرب، وتخزين ما يكفي للشعب في حال الحصار.. هذه أمور ضخمة جداً.. والأزمة الاقتصادية التي تمر بالبلاد أزمة طاحنة، وليس هناك وقت لخطة خمسية أو عشرية.. والتتار على الأبواب.. لقد كان التتار في غزة!!..
ماذا يفعل قطز رحمه الله؟!
من جديد جمع قطز رحمه الله مجلسه الاستشاري، ودعا إليه ـ إلى جانب الأمراء والقادة ـ العلماء والفقهاء، وعلى رأسهم سلطان العلماء الشيخ العزّ بن عبد السلام رحمه الله.. وبدءوا يفكرون في حلّ للأزمة الاقتصادية الطاحنة، وكيف يوفرون الدعم الكافي لتجهيز الجيش الكبير الخارج لملاقاة التتار..
واقترح قطز رحمه الله أن تفرض على الناس ضرائب لدعم الجيش، وهذا قرار يحتاج إلى فتوى شرعية، لأن المسلمين في دولة الإسلام لا يدفعون سوى الزكاة، ولا يدفعها إلا القادر عليها، وبشروط الزكاة المعروفة، أما فرض الضرائب فوق الزكاة فهذا لا يكون إلا في ظروف خاصة جداً، ومؤقتة جداً، ولابدّ من وجود سند شرعي يبيح ذلك.. وإلا صارت الضرائب مكوساً، وفارض الضرائب بغير حق عقابه أليم عند الله عز وجل..
روى الإمام احمد وأبو داود رحمها الله عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يدخل الجنة صاحب مكس"..
ولما زنت المرأة الغامدية ـ وكانت متزوجة ـ فرجمت بالحجارة بعد أن اعترفت بالزنا لتطهر نفسها من الذنب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعظم من شأن توبتها:
".. فوالذي نفسي بيده، لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له"..
جاء ذلك في صحيح مسلم عن بريدة رضي الله عنه..
وفي هذا تقبيح شديد لعملية فرض الضرائب إن فرضت في غير حق، وصرفت في غير حق..
يقول الإمام النووي رحمه الله تعليقاً على هذا الحديث: "إن المكس من أقبح المعاصي، ومن الذنوب الموبقات، وذلك لكثرة مطالبات الناس له وظلاماتهم عنده، وأخذ أموالهم بغير حقها، وصرفها في غير وجهها"..
فقطز رحمه الله يقترح الأمر، وينتظر رأي العلماء في هذه القضية..
ومع أن الغاية نبيلة، والمال المطلوب سوف يجهّز به جيش للقتال في سبيل الله، إلا أن الشيخ العزّ بن عبد السلام كان عنده تحفظ خطير على هذا القرار، فلم يوافق عليه إلا بشرطين.. والشرطان عسيران جداً!!


أمــة الله 04.12.2010 15:31

فتوى في منتهى الجرأة


قال الشيخ العزّ بن عبد السلام رحمه الله: .
"إذا طرق العدو البلاد وجب على العالم كلهم قتالهم )أي العالم الإسلامي(، وجاز أن يؤخذ من الرعية ما يستعان به على جهازهم )أي فوق الزكاة( بشرط أن لا يبقى في بيت المال شيء )هذا هو الشرط الأول) أما الشرط الثاني فكان أصعب!.. قال الشيخ العزّ بن عبد السلام رحمه الله: "وأن تبيعوا مالكم من الممتلكات والآلات (أي يبيع الحكام والأمراء والوزراء ما يمتلكون(، ويقتصر كل منكم على فرسه وسلاحه، وتتساووا في ذلك أنتم والعامة، وأما أخذ أموال العامة مع بقاء ما في أيدي قادة الجند من الأموال والآلات الفاخرة فلا!!"..
فتوى في منتهى الجرأة!!..

يقول الشيخ العزّ بن عبد السلام لقطز رحمه الله إنه لا يجوز فرض ضرائب إلا بعد أن يتساوى الوزراء والأمراء مع العامة في الممتلكات، ويجهز الجيش بأموال الأمراء والوزراء، فإن لم تكف هذه الأموال جاز هنا فرض الضرائب على الشعب بالقدر الذي يكفي لتجهيز الجيش، وليس أكثر من ذلك..
وإن كانت هذه الفتوى عجيبة في جرأتها، فإن استجابة قطز رحمه الله كانت أعجب!!..
لقد قبل قطز رحمه الله كلام الشيخ العز بن عبد السلام ببساطة!.. وبدأ بنفسه, فباع كل ما يملك، وأمر الوزراء والأمراء أن يفعلوا ذلك!.. فانصاع الجميع, وتم تجهيز الجيش المسلم بالطريقة الشرعية.. واكتشف المسلمون في مصر اكتشافاً عجيباً.. لقد اكتشفوا أن مصر غنية جداً، وأن البلد به أموال ضخمة برغم الأزمة الاقتصادية الطاحنة، فقد امتلأت جيوب كثير من الوزراء والأمراء بأموال البلد الهائلة.. وأصبحت ثروات بعضهم تساوي ميزانيات بعض الدول.. لقد كانت ثروات بعضهم تكفي لسداد الديون المتراكمة على البلد.. وكانت ثروات بعضهم تكفي لسد حاجة الفقراء والمساكين.. وتكفي لإصلاح الوضع الاقتصادي..

وللأسف الشديد فإن كثيراً من هذه الأموال قد دخلت جيوب الأمراء والوزراء بطرق غير مشروعة، وبغير وجه حق؛ فهذا يختلس، وهذا يرتشي، وهذا يظلم، وهذا يأخذ نسبة، وهذا ينفق في سفه، وهذا يعطي من لا يستحق... وهكذا بُددت أموال الدولة العظيمة مصر!.. وأصبحت مصر دولة فقيرة نامية بينما إمكانياتها تسمح لها بأن تكون من دول الصدارة!!
ثم جاء قطز رحمه الله وبدأ في عملية تنظيف منظمة للبلد!.. تنظيف لليد والقلب..
أخيراً اصطلح القائد مع شعبه بعد سنوات من القطيعة بين الحكام والشعوب.. فكانت النتيجة تجهيز جيش عظيم مهيب.. غايته نبيلة.. وأمواله حلال.. ودعاء الناس له مستفيض.. وإعداده جيد..
كيف لا يُنصر جيش مثل هذا؟!..

إن معادلة النصر في الإسلام ليست صعبة..
المعادلة تقول: "إن تنصروا الله ينصركم، ويثبت أقدامكم"..
ونصر الله عز وجل لا يكون إلا بتطبيق شرعه، والجيش المسلم الذي يخالف قاعدة شرعية لا يمكن أن ينصره الله عز وجل.. فالبداية بيد المسلمين.. انصر الله عز وجل ينصرك الله عز وجل..
وهكذا.. جُهّز الجيش المصري المسلم، وأعد إعداداً عظيماً..


أمــة الله 04.12.2010 15:32

حتمية الجهاد.. في فلسطين:

وجاء وقت إعداد الخطة، ووضع الخريطة لتحرك الجيش..واجتمع قطز مع المجلس العسكري لبحث أفضل طريقة لحرب التتار، وليبحثوا توفير أفضل ظروف لتحقيق الانتصار..
وقام قطز رحمه الله بإلقاء بيانه الذي يوضح فيه رأيه في الخطة العسكرية.. وبمجرد أن ألقى برأيه، قام المجلس ولم يقعد!.. لقد أحدث رأي قطز دوياً هائلاً في المجلس العسكري!!..
ماذا أراد قطز رحمه الله؟
لقد أراد قطز رحمه الله أن يخرج بجيشه لمقابلة جيش التتار.... في فلسطين!..
لقد قرر ألا ينتظر في مصر حتى يأتي التتار إليه، بل يذهب هو بجيشه لمقابلتهم..

واعترض أغلب الأمراء.. لقد أراد الأمراء أن يبقى قطز في مصر ليدافع عنها.. فمصر ـ في رأي الأمراء ـ هي مملكته، أما فلسطين فهي مملكة أخرى!!.. لقد نظر الأمراء إلى القضية نظرة قومية بحتة.. بمعنى أنه لو لم يدخل التتار مصر فإننا نكون قد تجنبنا لقاءً دموياً هائلاً.. أما إذا ذهبنا نحن إليهم فلا خيار حينئذ سوى المعركة..
أما قطز رحمه الله فكانت نظرته أوسع من ذلك..
وبدأ قطز رحمه الله يناقش الأمراء ويشرح لهم مزايا خطته، وأبعاد نظرته، وأهداف الحرب في رأيه، ومهمة الجيش في اعتقاده.. لقد أفهمهم قطز رحمه الله حقائق غابت - ولمدة سنوات طويلة ـ عن أذهان الكثيرين منهم..
من هذه الحقائق:

ـ أولاً: أمن مصر القومي يبدأ من حدودها الشرقية وليس من داخل البلد نفسه، وإلا فكيف يأمن المصريون على أنفسهم وإلى جوارهم في فلسطين دولة قوية معادية؟!.. العقل يؤكد أنه من المتوقع جداً أن تنتهز هذه الدولة المعادية أي فرصة ضعف، وتجتاح مصر من شرقها، وستأخذ سيناء في أيام معدودات، وتهدد مصر في عمقها، فلابد إذن من إضعاف الجيش المعادي الرابض في فلسطين، إما بقتاله هناك، أو بمساعدة من يقاتلونه هناك.. هذا هو التفكير العقلي والمنطقي..

ـ ثانياً: من الأفضل عسكرياً أن ينقل قطز المعركة إلى ميدان خصمه، فإن ذلك سوف يؤثر سلباً على نفوس أعدائه، كما أنه سيوفر له خط رجعة آمنًا إذا حدثت هزيمة للجيش المسلم، أما إذا حدثت الهزيمة للجيش المصري المسلم في داخل مصر، فإن ذلك سيفتح الطريق أمام العدو إلى القاهرة..
ـ ثالثاً: من الأفضل عسكرياً كذلك أن يمتلك المسلمون عنصر المفاجأة، فيختارون هم ميعاد المعركة ومكانها بدلاً من أن يختار العدو ذلك، والمسلمون إذا فاجئوا عدوهم فإن هذا يعطيهم أفضل الفرص للنصر، لأن الجيش المعادي لن يكون مستعداً الاستعداد الكافي، هذا إلى جانب الهزيمة النفسية التي ستلحق به..

ـ رابعاً: (وهذه نقطة هامة جداً) أن للمسلمين في مصر دوراً هاماً ناحية إخوانهم المسلمين في فلسطين وفي سوريا وفي لبنان وفي العراق وفي أفغانستان وفي أذربيجان وفي الشيشان... ولا يستقيم أن تُقام المذابح للمسلمين في تلك البلاد، وتُنتهك الحرمات، وتُهدم الديار، ولا يتحرك المسلمون في مصر.. إن حركة المسلمين في مصر لنجدة إخوانهم في فلسطين وغيرها ليست فضلاً أو نافلة، إنما هي فرض عليهم.. وليست فرض كفاية، إنما فرض عين.. لقد دهم العدو فعلاً أرض فلسطين فتعيّن القتال على أهلها لدفعه، فإن لم يكفِ أهلها للقتال تعيّن القتال على من جاورهم من الأقطار الإسلامية، أي مصر والأقطار الأخرى المجاورة مثل سوريا والأردن ولبنان، فإن لم يكفِ أهل مصر والأقطار الأخرى تعيّن على الأقطار الأبعد... وهكذا، حتى لو احتاج القتال لكل مسلم على وجه الأرض..

القضية خطيرة جداً..
انتهاك حرمات المسلمين في بلد ما، وسكوت المسلمين في البلاد الأخرى عن هذا الانتهاك جريمة كبرى، ومخالفة شرعية هائلة.. ولذلك فإن قطز رحمه الله سيذهب لنجدة أهل فلسطين وسوريا وغيرها، حتى لو لم يفكر التتار أصلاً في غزو مصر..
ـ خامساً: للمسلمين دور ناحية التتار أنفسهم.. فهؤلاء إن رفضوا الإسلام أو الجزية وجب على المسلمين قتالهم، حتى ولو كانوا في بلادهم، فما بالك لو كانوا في بلاد المسلمين.. ووجود التتار بهذه المعتقدات الفاسدة، وبهذه الحروب الهمجية يمثل فتنة كبيرة في الأرض.. ولابد للمسلمين أن يقمعوا هذه الفتنة، لأن دور المسلمين في الأرض أكبر بكثير من مجرد تأمين حدود القطر الذي يعيشون فيه، بل عليهم نشر هذا الدين في ربوع الدنيا كلها، وتعليم الناس الإسلام، والأخذ بأيدي كل الناس في كل بقعة على وجه الأرض إلى الله عز وجل..

يقول الله عز وجل: .
"كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله"
ويقول أبو هريرة رضي الله عنه تعليقاً على هذه الآية كما جاء في صحيح البخارى:
"خَيْرَ النَّاسِ لِلنَّاسِ تَأْتُونَ بِهِمْ فِي السَّلَاسِلِ فِي أَعْنَاقِهِمْ حَتَّى يَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ"..
والمقصود بذلك: الفتوح الإسلامية.. فالناس يكونون في البداية كارهين لمن يغزو بلادهم، ثم بعد ذلك يعرفون الإسلام فيدخلون فيه، فيُستنقذون بذلك من النار ويدخلون الجنة، ولو ظلّوا على حالهم يعبدون صنماً أو خشباً أو بقراً أو ناراً أو بشراً ما دخلوا الجنة، ولا شموا رائحتها..

"إن الله لا يغفر أن يُشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء"
إذن هذه خمسة أسباب تجعل قطز رحمه الله يفكر في أخذ جيشه، ونقل ميدان المعركة إلى فلسطين بدلاً من مصر..
وعلى الجانب الآخر فلابد أن قطز كان يعلم أنه كانت هناك بعض الفوائد لانتظار جيش التتار في مصر، فانتقال جيش التتار من فلسطين إلى مصر سيُطيل على التتار خطوط الإمداد والمواصلات، فينقطع التتار بذلك عن قواعدهم، كما أنه سيرغم التتار على اجتياز الصحراء الواسعة في سيناء، وهي صحراء مهلكة للجيش الذي لا يعرف مسالكها ودروبها، كما أن انتظار التتار سيوفر على جيش مصر اجتياز صحراء سيناء وهذا سيوفر كثيراً من طاقة الجيش..

ومع ذلك فقياس الفوائد المتحققة من نقل ميدان المعركة إلى فلسطين بالنسبة للفوائد المتحققة من انتظار التتار في مصر يجعل القضية واضحة في ذهن قطز، ففوق الأسباب الخمسة التي ذكرناها، والتي تؤيد انتقاله إلى فلسطين.. كان يعلم أن القوات التترية قد أثبتت قبل ذلك كفاءة عالية في اجتياز الموانع الطبيعية المختلفة، وأنهم يجندون الكثير من أبناء المسلمين الذين يبحثون عن الثراء السريع، أو الراغبين في السلطة، أو في الأمان، وهؤلاء سيدلونهم على أقصر الطرق إلى مصر، وأكثرها أمناً، ولذلك فعبور سيناء بالنسبة للجيش التتري أمر متوقع، كما أن قطز رحمه الله كان يطمئن كثيراً إلى جيشه، ويثق في قدراته الحركية، وكفاءته التدريبية، ويعلم أن انتقاله عبر سيناء إلى فلسطين أمر ممكن، بل ميسور إن شاء الله..

وهكذا ترجحت كفة الانتقال إلى فلسطين.. واقتنع الحضور في المجلس العسكري الأعلى الذي عقده قطز رحمه الله برأيه الموفق.. وبدأ قطز رحمه الله في إعداد الجيش، وتجهيزه التجهيز المناسب لعبور سيناء وللقاء التتار..


أمــة الله 04.12.2010 15:32

أول القوة.. الإيمان:

وتبدأ حملة إعلامية تربوية في غاية الأهمية.. ليست للقائد أو للجيش فقط.. بل للشعب بأكمله!
لابد أن يُجهّز الشعب لهذا اللقاء الهام..
لابد أن يعيش الشعب حياة الجد والكفاح، ويترك حياة اللهو واللعب..
لابد أن يحب الشعب الجهاد.. وتتضح في عينه الأهداف..
ولابد أن يقوم بالحملة الإعلامية رجال مخلصون.. فأحياناً يقف بعض المنافقين يتحدثون عن الجهاد، ويشرحون مآسي المسلمين في قطر ما، وما يفعلون ذلك إلا لمصلحة سياسية مؤقتة، فإذا انقضت المصلحة انقطع الوازع، وانقطع معه الكلام عن الجهاد وعن الحرب..
هؤلاء الخطباء المنافقون، وهذه الأقلام المأجورة لا تصلح لهذه المهمات النبيلة.. ولذلك كان لابد أن يحمل مسؤولية الدعاية الإعلامية لحرب التتار علماء الأمة وفقهاؤها..
انطلق الشيخ العز بن عبد السلام رحمه الله ومن معه من علماء الأمة، يصعدون منابر المساجد، ويلهبون مشاعر الناس بحديث الجهاد.. وما أجمل حديث الجهاد..
لقد رغّبوا الناس في الجنة.. وزهّدوهم في الدنيا.. وعظّموا لهم أجر الشهداء..
لقد حدثوهم عن عظماء المسلمين المجاهدين.. حدثوهم عن خالد والقعقاع والزبير والنعمان.. حدثوهم عن طارق بن زياد وموسى بن نصير ويوسف بن تاشفين وعماد الدين زنكي ونور الدين محمود وصلاح الدين الأيوبي..
لقد ذكّروهم بأيام الله.. ببدر.. والأحزاب.. وفتح مكة.. واليرموك.. والقادسية.. ونهاوند..
ذكّروهم بموقعة حطين الخالدة التي لم يمضِ عليها إلا خمسة وسبعون عاماً..
كما ذكّروهم بموقعتي المنصورة وفارسكور والتي لم يمض عليهما سوى عشر سنين..
واشتعل الحماس في قلوب الشعب..
لابد ـ أيها المؤمنون الصادقون ـ من تأهيل الشعب لهذا اليوم..
لابد أن يُربى الأطفال والشباب على حب الموت في سبيل الله، وعلى تعظيم أمر الجهاد، وعلى حب الجنة..
ولابد أن يُربى الآباء والأمهات على أن يشجعوا أبناءهم على الجهاد، لا على أن يبعدوا أبناءهم عن كل ما يسبب "المشاكل"، ويهدد الروح ولو كان الدين!..
ولابد أن تُربى الزوجات على حياة الجهاد.. فتحفز الزوجة زوجها على الخروج للجهاد، وترعى أولادها حق الرعاية في غياب زوجها، ولابد أن تُربى على استقبال خبر الشهادة بصبر واحتساب، بل بفرح!.. لقد صعد الشهيد من أرض الموقعة إلى الجنة مباشرة..
إعداد الشعب ليوم الجهاد مهمة عظيمة.. وهي ليست سهلة أو بسيطة.. إنما تحتاج لمجهود كبير، ولمناهج مكثفة، ولإخلاص عميق، ولوقت قد يكون طويلاً.. وبدون هذا التأهيل لن يصبر الشعب على حياة الجهاد، وحياة الحروب، وحياة الحصار..
الأمر ـ يا إخواني ـ في غاية الجدّية..
ليس هناك وقت للترفيه ولا للّعب ولا للمزاح!..
وليس معنى هذا أن الترفيه واللعب والمزاح بالضوابط الشرعية حرام.. ولكن حياة الأمة المجاهدة تختلف عن حياة غيرها من الأمم.. الأمة المجاهدة حياتها جادة, فيها شيء من الترفيه.. وليست حياتها لاهية فيها شيء من الجد!
هذه التربية المركزة جداً تحتاج إلى تغيير جذري في كيان الشعب وفي طريقة تفكيره، وهذا يحتاج إلى مربين من نوع خاص.. ولابد من تفعيل دور العلماء للقيام بهذا الواجب العظيم..
وانطلق علماء الأزهر ليقوموا بمهمتهم النبيلة جداً.. لقد فقه علماء الأزهر أن عملهم بالأزهر ليس مجرد وظيفة تدر دخلاً لمجابهة متطلبات الحياة، وليست وظيفة لمجرد الظهور في المحافل المختلفة، وليست وظيفة لإرضاء حاكم أو أمير.. إنما فقهوا وظيفتهم السامية في تعبيد الناس ـ كل الناس ـ لرب العالمين، وبالطريقة التي أرادها رب العالمين..
انطلق علماء الأزهر يقومون بالدور الذي طالما قاموا به منذ أن أقر صلاح الدين الأيوبي رحمه الله المذهب السنّي في مصر.. الدور الذي قاموا به أيام الحملات الصليبية، وأيام التتار، والذي قاموا به بعد ذلك في معارك المسلمين اللاحقة مع الصليبيين.. ومع الحملة الفرنسية على مصر، ومع الاحتلال الإنجليزي لمصر، ومع الاحتلال اليهودي لمصر..
ونسأل الله عز وجل أن يضع دائماً أقدام علماء الأزهر على الطريق الصحيح لقيادة الأمة في قضاياها الحرجة، ومواقفها الخطيرة..
وأصبح شعب مصر مؤهلاً تماماً ليوم اللقاء..
واستمر إعداد الجيش وتجهيزه، وجمع المتطوعين، وتدريب المجاهدين، وذلك لمدة خمسة شهور، من شهر ربيع الأول سنة 658 هجرية إلى نهاية شهر رجب من نفس السنة..


أمــة الله 04.12.2010 15:33

مشكلة عكا

وفي هذه الأثناء ـ وتجهيز الجيش على قدم وساق ـ كانت هناك جهود دبلوماسية رائعة يقوم بها قطز رحمه الله لتمهيد الطريق إلى اللقاء الكبير المرتقب مع التتار..
لقد كانت هناك أجزاء ليست بالقليلة من فلسطين ولبنان وسوريا ـ وخاصة على ساحل البحر الأبيض المتوسط ـ محتلة من قبل الإمارات الصليبية، فكانت هناك إمارات صليبية في عكا وحيفا وصيدا وصور وبيروت واللاذقية وأنطاكية وغيرها.. وكانت أقوى هذه الإمارات مطلقاً هي إمارة عكا في فلسطين، وهذه الإمارة تقع في طريق قطز رحمه الله إذا أراد أن يحارب التتار في فلسطين.. فماذا يفعل قطز رحمه الله مع الصليبيين في عكا؟!..
تعالوا نفكر مع قطز رحمه الله..

ـ أولاً: الصليبيون أعداء الأمة كما أن التتار أعداء الأمة، بل إن الصليبيين - كما أشرنا قبل ذلك ـ أشد خطراً على الإسلام من التتار؛ لأن حرب التتار حرب همجية ليست لها جذور ولا أهداف ولا قواعد، فهي لمجرد التدمير، لا لشيء غير التدمير، أما المشروع الصليبي في أرض الإسلام فهو مشروع مختلف، فالصليبيون يحاربون المسلمين حرباً عقائدية، والكراهية شديدة في قلوبهم للمسلمين، وتخطيطهم لحرب الإسلام نفسه، بينما كان التتار يحاربون أي بشر وأي حضارة، والمشروع الصليبي يهدف إلى الاستيطان في بلاد المسلمين، وإحلال النصارى مكان سكان البلد المسلمة الأصلية سواء في فلسطين أو في سوريا أو في لبنان، وشتان بين احتلال الشعوب واحتلال الجيوش!.. الجيوش التترية ليس لها - مستقبلاً - إلا المغادرة لا محالة، أما الشعوب الصليبية المستوطنة فقد جاءت لتعيش في هذا المكان.. فكون الصليبيين يحاربون من منطلق عقائدي، وكونهم يحاربون ليستوطنوا في البلاد, وليعيشوا فيها يجعل خطورتهم أكبر من خطورة التتار، مع أن الحروب التترية أشد فتكاً وأكثر تدميراً من حروب الصليبيين، وكلاهما مُرّ.. فقطز رحمه الله يعلم أن الصليبيين أعداؤه كما أن التتار أعداؤه، ولابد أن يوضع هذا في الحسبان..

ـ ثانياً: تاريخ التعاون الصليبي مع التتار قديم ومعروف، فهم الذين رغّبوا التتار أصلاً في بلاد المسلمين من أيام جنكيزخان، وهم الذين ساعدوا هولاكو في إسقاط بغداد ومدن الشام، وما تحالُف التتار مع الأرمن والكرج وأنطاكية ببعيد.. فوارد جداً أن يصل التتار إلى تحالف استراتيجي خطير مع الصليبيين في عكا..
ـ ثالثاً: مع كون هذا التحالف الصليبي التتري أمر وارد، إلا أن قطز رحمه الله كان يعلم أن الصليبيين في عكا يكرهون التتار أيضاً كما يكرهون المسلمين، وهم لا يكرهونهم فقط بل يخافون منهم كذلك.. فالتتار لا عهد لهم أبداً.. ومذابح التتار الجماعية مشهورة، وفظائعهم في شرق أوروبا وفي روسيا لا تُنسى، وأعداد النصارى الذين قُتلوا على أيدي التتار لا تحصى، كما أن نهب إماراتي صيدا وبيروت على يد التتار لم يمض عليه إلا شهور قليلة.. هذا كله بالإضافة إلى الحقد الصليبي الرهيب على هولاكو لأنه فرض بطريركاً أرثوذكسياً يونانياً على كنائس أنطاكية الكاثوليكية الإيطالية، وذلك في سابقة لم تحدث قبل ذلك أبداً، والجميع يعلم العداء المستحكم بين الأرثوذكس والكاثوليك، ونصارى عكا كانوا من الكاثوليك المتعصبين جداً، ولا يتصورون أن يحدث ذلك في أنطاكية فضلاً أن يحدث معهم في عكا.. فكل هذه الخلفيات تجعل الصليبيين في عكا يتوجسون خيفة من التتار، ويعاملونهم في حذر شديد..

ـ رابعاً: الصليبيون في ذلك الوقت ـ في سنة 658 هجرية ـ يعانون من ضعف شديد، فمنذ هزيمة المنصورة سنة 648 هجرية، ومنذ رحيل لويس التاسع ملك فرنسا إلى بلده، وقتل عدد كبير من الجنود الصليبيين في هذه المعركة، وأسر كل الجيش الباقي.. منذ كل هذه الأحداث والصليبيون في تدهور مستمر.. فإذا أضفنا إلى كل ما سبق تحرير بيت المقدس قبل ذلك في سنة 643 هجرية على يد الصالح أيوب رحمه الله يتضح الوضع الحقيقي للصليبيين الآن.. فكل هذه التداعيات أدّت إلى هبوط كبير في إمكانيات وقدرات ومعنويات الجيش الصليبي في عكا.. ومن هنا فقطز يعلم أنه يتعامل مع عدو شديد الكراهية، ولكنه ليس شديد القوة..

ـ خامساً: إمارة عكا إمارة حصينة جداً جداً.. بل هي أحصن مدينة على الإطلاق في كل الشام وفلسطين، واستولى عليها النصارى سنة 492 هجرية، أي منذ مائة وست وستين سنة، ومنذ ذلك التاريخ والقواد المسلمون (بمن فيهم صلاح الدين الأيوبي رحمه الله) يفشلون دائماً في فتحها، ولا شك أن قطز يعلم أن فتح المدينة صعب جداً، حتى وإن كانت الإمارة في أشد حالات ضعفها..

إذن خلاصة هذه الأمور أن الصليبيين أعداء المسلمين كما أن التتار أعداؤهم، وتحالف الصليبيين في عكا مع التتار أمر وارد، وإن كان الصليبيون في عكا يكرهون التتار ويخافون منهم، والصليبيون في أشد حالات ضعفهم الإعدادي والمعنوي، وإن كانت مدينتهم عكا ما زالت أحصن مدن الشام وفلسطين..
في ضوء هذه المعطيات وجد قطز رحمه الله أن قتال الصليبيين في عكا سيؤثّر سلباً على جيشه.. نعم الهدف العام والنهائي لقطز هو تحرير كل البلاد الإسلامية من أي احتلال سواء كان تترياً أم صليبياً، لكن الهدف المرحلي الآن هو قتال التتار، وحصار المدينة الحصينة عكا وقتال حاميتها سيضعف جيش المسلمين، وسيضيع عليهم وقتاً، وسيبدد طاقاتهم، وسيرهق جيشهم قبل الموقعة الكبيرة مع التتار..

لكن قطز - في نفس الوقت - لا يستطيع أن يحارب التتار في فلسطين دون الانتهاء من مشكلة الصليبيين في عكا، فلو حدث تعاون (صليبي ـ تتري) فإن هذا سيضع الجيش المسلم بين شقي الرحى.. بين التتار من جهة، وبين الصليبيين من جهة أخرى..
ومن ثم وجد قطز رحمه الله أن أفضل الحلول هو الإسراع بعقد معاهدة مع الصليبيين في عكا، قبل أن يتحالف الصليبيون مع التتار..

وأسرع قطز رحمه الله بإرسال سفارة إلى عكا للتباحث في إمكانية إقامة هدنة سلام مؤقتة بين المسلمين والصليبيين، ولو وُفق الوفد المسلم في هذه الهدنة فإن هذا سيحيّد جيش الصليبيين من جهة، وسيُؤمّن ظهر الجيش المسلم من ناحية أخرى، وبالفعل جلس الوفد المسلم مع أمراء الصليبيين يتباحثون في أمر هذه الهدنة، وكان الصليبيون من الضعف بحيث إنهم خافوا ألا يظفروا من المسلمين بعهد فينقلب عليهم المسلمون، ولذلك فقد تقبلوا فكرة الهدنة بسرعة، بل أن بعضهم عرض فكرة التحالف العسكري لقتال التتار، غير أن هذه الفكرة لم تلق موافقة من كلا الطرفين.. فبقية أمراء الصليبيين كانوا يخشون من الخروج من عكا بجيشهم فيدخل المسلمون عكا إذا انتصروا على التتار، كما أن المسلمين كانوا لا يضمنون خيانة الصليبيين أثناء القتال، وخاصة أن جيش التتار متعاون مع بعض ملوك وأمراء النصارى (ملك أرمينيا وملك الكرج وأمير أنطاكية(، كما أن قائد التتار الحالي نصراني وهو كتبغا..
لذلك قبل الطرفان بفكرة الهدنة المؤقتة، وأصر الوفد المسلم على أن تكون هذه الهدنة مؤقتة تنتهي بانتهاء حرب التتار؛ لأنه ليس من المقبول شرعاً أن يقر المسلمون بسلام دائم مع مغتصب للأرض الإسلامية، وليس من الشرع أن يعترف المسلمون بدولة صليبية أو غيرها فوق الأرض الإسلامية مهما تقادم الزمان عليها في احتلال الأرض واستيطانها، واذكروا أن الصليبيين يعيشون الآن في عكا منذ مائة وست وستين سنة، أي أن هناك أجيالاً كاملة ولدت وعاشت وماتت في عكا، ومع ذلك لم يعترف قطز أبداً بأحقية هؤلاء المغتصبين في الأرض الفلسطينية المسلمة..

ولكن لأن قطز رحمه الله يعلم أن هؤلاء لا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة، فإنه أخذ حذره عن طريق الترهيب والترغيب مع الصليبيين.. فقد حذرهم الوفد المسلم بشدة من أنه إذا حدثت أي خيانة للعهد، فإن المسلمين سيتركون التتار وينقلبون على الصليبيين، ولن يتركوهم حتى يحرروا عكا، وهكذا فالمعاهدة من منطلق القوة والبأس تختلف كثيراً عن المعاهدة من منطلق الضعف والخَوَر.. القوي دائماً يملي شروطه، والضعيف يتلقى شروط الآخر، ولذلك فإذا عاهد المسلمون قوماً آخرين سواء كانوا تتاراً أو صليبيين أو يهوداً فإنهم لابد أن يملكوا وسيلة العقاب للطرف الآخر إذا خالف المعاهدة أو نقض بنداً من بنودها، وإلا فلا معنى للمعاهدة، لأنهم حتماً سيخالفون إذا وجدوا فرصة.. "أو كلما عاهدوا عهداً نبذه فريق منهم، بل أكثرهم لا يؤمنون "
كان هذا هو جانب الترهيب.. أما الترغيب فإن قطز قد وعدهم أنه في حالة الانتصار على جيش التتار، فإنهم سيبيعون خيول المغول لأهل عكا بأسعار مخفضة.. وهذا إغراء كبير، وذلك لحاجة الناس والأمراء والجيوش الشديدة للخيول.. وخيول التتار مشهورة بالقوة..

هذا وقد اتفق قطز أيضاً مع الصليبيين في عكا أن يسهموا في إمداد الجيش المسلم بالمؤن والطعام أثناء تواجده في فلسطين ووافق الصليبيون على ذلك..
وأصبح بذلك الطريق إلى لقاء التتار آمناً، وبدأ قطز رحمه الله يضع اللمسات الأخيرة في جيشه استعداداً للانطلاق..

وتطهَّر الجيش المسلم!
وسبحان الله!.. برغم كل هذا الإعداد المادي والدبلوماسي والمعنوي والاقتصادي لهذا الجيش، وبرغم التحفيز العظيم الذي قام به العلماء لحثّ الناس على الجهاد، إلا أن هناك بعض المسلمين الضعفاء لم يصدقوا أن القتال أصبح أمراً واقعاً.. وبالطبع أنا أقصد ضعفاء القلب لا ضعفاء البدن، فإنهم طوال هذه الفترة يعتقدون أن هذه مجرد نفرة حماسية، وسوف تهدأ الأمور بعدها، اعتقدوا أن هذه كلمات تقال من قطز كعادة الزعماء في الضحك على شعوبهم لمجرد التنفيس عن الضغوط لكي لا يحدث انفجار، وما اعتقدوا أبداً أن قطز رحمه الله يُعدّ إعداداً حقيقياً للقتال.. فلما اقتربت ساعة الصفر أيقن هؤلاء أن الأمر حقيقي، وأن اللقاء قريب، بل قريب جداً..

هنا تزعزعت قلوب هؤلاء الرجال ـ أو صور الرجال ـ وبدءوا يفكرون في الهرب من الجيش.. ثم بدأ بعضهم فعلاً في الفرار، والاختباء عن أعين المراقبين, بل إن منهم من خرج بالكلية من مصر ليهرب إلى قطر آخر: فمنهم من هرب إلى الحجاز، ومنهم من هرب إلى اليمن, ومنهم من وصل في هروبه إلى بلاد المغرب!!..
قد يعتبر بعض المحللين أن هذه خسارة.. وأن الجيش فقد بعضاً من عناصره الهامة، أو على الأقل سيصبح الجيش قليلاً في أعين الأعداء..

لكن سبحان الله!.. الخير كل الخير كان في هروب هؤلاء في هذه اللحظات السابقة للقتال!.. ولعل الله عز وجل يصعّب جداً من اللقاء قبل حدوثه حتى ينقّي الصف، فلا يخرج إلى القتال إلا من ينوي أن يثبت..
ماذا يحدث لو خرج هؤلاء المتذبذبون في جيش المسلمين؟
لقد ردّ الله عز وجل على هذا السؤال بوضوح في سورة التوبة فقال:
"لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً، ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة، وفيكم سمّاعون لهم، والله عليم بالظالمين"
هؤلاء المذبذبون لو خرجوا في الجيش المسلم لأضعفوا قوته، ولبثّوا فيه الاضطراب والقلق، تارة عن غير عمد بخوفهم وجبنهم، وتارة عن عمد بُغية إثارة الفتنة، ورغبة في إضعاف الصف، وهذه ليست المشكلة الوحيدة، بل المشكلة الأكبر أن بعض المسلمين الصادقين قد يستمع إلى كلامهم ويقتنع بتشكيكاتهم، فيفقد المسلمون قوة أخرى هامة.. وذلك كما يقول الله عز وجل: "فيكم سمّاعون لهم" ولذلك فخروج هؤلاء من الصف في هذا الوقت المبكر كان مصلحة للجيش المسلم، وإن ظهر للعين غير ذلك، ولذلك لم يحرص قطز رحمه الله كثيراً على إعادة ضمّ هؤلاء؛ فالجندية الحقيقية في الإسلام لا يُهرب منها، بل يُشتاق إليها..

أمــة الله 04.12.2010 15:34

إلى فلسطين..

وبدأ تجمع الجيش المسلم في معسكر الانطلاق، وكان هذا المعسكر في منطقة الصالحية بمحافظة الشرقية الآن، وهي منطقة صحراوية واسعة تستوعب الفرق العسكرية المختلفة، وكانت نقطة انطلاق للجيوش المصرية المتجهة إلى الشرق وتجمعت الفرق العسكرية من معسكرات التدريب المنتشرة في القاهرة والمدن الكبرى، ثم أعطى قطز رحمه الله إشارة البدء والتحرك في اتجاه فلسطين..
اللهم أنت الصاحب في السفر.. والخليفة في الأهل..
اللهم هوّن علينا سفرنا هذا.. واطو عنا بُعده..
اللهم إنا نعوذ بك من وعثاء السفر, وكآبة المنظر، وسوء المنقلب في المال والأهل..
واتجه الجيش المسلم من الصالحية إلى اتجاه الشمال الشرقي حتى وصل إلى سيناء، ثم اتجه شمالاً أكثر ليسلك طريق الساحل الشمالي لسيناء بحذاء البحر الأبيض المتوسط..
كان هذا التحرّك في أوائل شهر شعبان سنة 658 هجرية وهذا يوافق شهر يوليو من سنة 1260 ميلادية، أي أن هذا التحرك كان في أشد شهور السنة حرّاً، والسير في الصحراء القاحلة الطويلة في سيناء، وليس في الطريق مدن آهلة اللهم إلا العريش.. ومع ذلك فقد صبر الجيش المجاهد.. وليتذكر الجميع غزوة تبوك وما صاحبها من صعوبات شديدة الشبه بما يصاحب هذه الموقعة؛ فالمسلمون في تبوك فوق الحر وفوق الأزمة الاقتصادية وفوق قطع المسافة الصحراوية الطويلة كانوا يذهبون لقتال قوة هائلة هي قوة الرومان، وهذه المرة كذلك يقطع المسلمون المسافة الطويلة في هذا الحر وفي هذه الأزمة الاقتصادية ليقابلوا جيشاً هائلاً هو جيش التتار.. والتاريخ يكرّر نفسه.. غير أن المسلمين في تبوك لم يجدوا الرومان في انتظارهم فلم تتم المعركة، أما في موقفنا هذا فالتتار كانوا في الانتظار..
كان قطز رحمه الله يتحرك على تعبئة.. بمعنى أنه يتحرك وقد رتّب جيشه الترتيب الذي سيقاتل به لو حدث قتال، وذلك حتى إذا فاجئه جيش التتار كان مستعداً.
وكان قطز رحمه الله قد وضع على مقدمة جيشه ركن الدين بيبرس القائد العسكري الفذ، ليكون أول من يصطدم بالتتار، فيحدث نصراً ـ ولو جزئياً ـ مما سيرفع من معنويات المسلمين بالتأكيد..
وكان قطز أيضاً قد سلك في ترتيب جيشه أمراً لم يكن يعهده المعاصرون في زمانه، وذلك على سبيل التجديد في القيادة والإعداد حتى يربك خطط العدو، فكون قطز رحمه الله مقدمة الجيش من فرقة كبيرة نسبياً على رأسها ركن الدين بيبرس، وجعل هذه الفرقة تتقدم كثيراً عن بقية الجيش، وتظهر نفسها في تحركاتها، بينما يتخفي بقية الجيش في تحركاته، فإذا كان هناك جواسيس للتتر اعتقدوا أن مقدمة الجيش هي كل الجيش، فيكون استعداد التتار على هذا الأساس، ثم يظهر بعد ذلك قطز، وقد فاجأ التتار الذين لم يستعدوا له..

أمــة الله 04.12.2010 15:34

أول النصر.. غزة!!:

وهكذا اجتاز ركن الدين بيبرس الحدود المصرية في 26 يوليو سنة1260 ميلادية، ودخل حدود فلسطين المباركة، وتبعه قطز بعد ذلك في سيره .. واجتازوا رفح وخان يونس ودير البلح واقتربوا جداً من غزة ..
وكما ذكرنا من قبل, فإن التتار كانوا قد احتلوا غزة، وحدث ما توقعه قطز رحمه الله, واكتشفت عيون التتار مقدمة الجيش الإسلامي بقيادة ركن الدين بيبرس، واعتقدت أن هذا هو جيش المسلمين كله، ونقلت الأخبار إلى حامية غزة التترية، وأسرعت الحامية التترية للقاء ركن الدين بيبرس، وتم فعلاً بينهما قتال سريع، هذا كله وجيش قطز الرئيسي ما زال يعبر الحدود الفلسطينية المصرية، ولكن كما ذكرنا كانت مقدمة الجيش المسلم مقدمة قوية وقائدها ركن الدين بيبرس قائد بارع، والحامية التترية في غزة صغيرة نسبيًا، والجيش التتري الرئيسي على مسافة كبيرة من غزة، فقد كان جيش التتر بقيادة كتبغا يربض في سهل البقاع في لبنان على مسافة ثلاثمائة كيلومتر تقريباً من غزة، فتم اللقاء في غزة بمعزل عن الجيوش الرئيسية للمسلمين والتتار، وبفضل الله استطاعت مقدمة الجيش المسلم أن تنتصر في هذه الموقعة الصغيرة.. وقُتل بعض جنود الحامية التترية، وفرّ الباقون في اتجاه الشمال لينقلوا الأخبار إلى كتبغا في لبنان..

لقد فوجئت الحامية التترية في غزة!.. وكانت المفاجأة سبباً لهزيمة قاسية لهم، وليست المفاجأة الوحيدة في وقعة غزة هي مفاجأة المباغتة أو الخطة العسكرية أو الأبعاد الاستراتيجية في اتخاذ المواقع المناسبة أو غير ذلك من مفاجآت فنون الحرب.. إنما المفاجأة الحقيقية للتتار كانت اكتشاف أن هناك طائفة من المسلمين ما زالت تقاتل، وما زالت تحمل السيوف, وما زالت تدافع عن دينها وعن أرضها وعن شرفها وعن كرامتها.. لقد ألف التتار أن يجدوا جموع المسلمين يفرون ويهربون، وألف زعماء التتار أن يجدوا زعماء المسلمين يطلبون التحالف المخزي والركوع المذل.. وما توقعوا أن تظل هناك طائفة مسلمة تدافع عن حقها..

لقد كان هذا هو ظن التتار، وهو ظن ليس في محلّه حتماً، فإن هذه الأمة مهما ضعفت فإنها لا تموت، ومهما ركع منها رجال فسيظلّ فيها آخرون يدافعون عنها ما بقيت الحياة..
روى الإمام مسلم عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه سلم:
"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله"
وسبحان الله!!.. ففي رواية الإمام أحمد عن أبي إمامة رضي الله عنه هناك زيادة هامة، وهي أن الصحابة سألوا عن هذه الطائفة فقالوا: "يا رسول الله وأين هم؟" قال" ببيت المقدس، وأكناف بيت المقدس!"..

ومع أن الذين قاتلوا التتار في غزة, ثم بعد ذلك في عين جالوت لم يكونوا - في المعظم ـ من أهل بيت المقدس ولا فلسطين، إلا أن الله سبحانه وتعالى قد جعل هذا المكان الطاهر "فلسطين" موطناً لانتصارات المسلمين..
نعم قد تحدث هنّات وسقطات.. لكن حتماً يكون هناك قيام..
على أرض فلسطين وما حولها من أرض الشام وُجهت ضربات إسلامية موجعة للإمبراطورية الرومانية في أجنادين وبيسان واليرموك وبيت المقدس..
وعلى أرض فلسطين وما حولها وجهت ضربات إسلامية موجعة للصليبيين في حطين وطبرية وبيت المقدس..
وعلى أرض فلسطين وجهت ضربات إسلامية موجعة للتتار في غزة ثم في عين جالوت كما سنرى ثم في بيسان.

وعلى أرض فلسطين وجهت ضربات إسلامية موجعة لبقايا الصليبيين بعد ذلك في عكا وعسقلان وحيفا..
وعلى أرض فلسطين وجهت ضربات إسلامية موجعة للفرنسيين في عكا..
وعلى أرض فلسطين كذلك وجهت ضربات إسلامية موجعة للإنجليز في الثورات المختلفة وأشهرها ثورة 1936 والتي استمرت قرابة أربع سنوات..
وعلى أرض فلسطين وُجِّهَت ـ وما زالت تُوَجَّه ـ ضربات إسلامية موجعة لليهود..

وسيكون هلاك اليهود ـ بإذن الله ـ على هذه الأرض..
وستكون الحرب الأخيرة بين المسلمين واليهود على هذه الأرض، وسيقتلهم المسلمون..
هذا ليس استنتاجاً أو استنباطاً، إنما هو حقيقة كونية، وبشارة نبوية!!..
روى الإمام مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ, فَيَقْتُلُهُمْ الْمُسْلِمُونَ.. حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ, فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوْ الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ.. يَا عَبْدَ اللَّهِ.. هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ... إِلَّا الْغَرْقَدَ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ "...
نعود إلى بيبرس وإلى قطز وإلى الجيش المسلم..
لقد انتصر المسلمون على التتار، ولو كان هذا الانتصار جزئياً أو مرحلياً أو بسيطاً..

بعض المؤرخين يُبَسّطون جداً من شان معركة غزة، حتى يتغافلها بعضهم تماماً، والحق أنها كانت - في رأيي - من أهمّ المواقع الحربية في تاريخ المسلمين، ليس لكثرة قتلى التتار، ولا لأهمية غزّة الاستراتيجية ولا لغير ذلك، إنما في الأساس لأنها عالجت الهزيمة النفسية عند المسلمين..
لقد رأى المسلمون بأعينهم أن التتار يفرّون، وسقطت المقولة التي انتشرت في تلك الآونة، التي كانت تقول: "من قال لك أن التتار يُهزمون فلا تصدقه"..

الآن من الممكن أن تصدقه.. هذه أول مرة يهزم فيها التتار منذ سنين طويلة..
لقد كان لموقعة غزة أثر إيجابي هائل على جيش المسلمين، وكان لها أيضاً أثر سلبي هائل على جيش التتار..
ولا يجب أن يستصغر المسلمون عملاً من الأعمال..
لا يستصغرنّ مسلم أن حجارة تُلقى على يهودي فيجري ويهرب..
ولا يستقلنّ مسلم أن يُقتل جندي يهودي أو أمريكي..
الهزيمة الحقيقية يا إخوة هي هزيمة الروح والنفس.. والانتصارات المرحلية البسيطة ـ وإن كانت عسكرياً لا تمثل الكثير ـ إلا أنها تفيد كثيراً في رفع الروح المعنوية للأمة..

أمــة الله 04.12.2010 15:35

إلى عين جالوت

اتجه الجيش المسلم بعد انتصار غزة إلى ناحية الشمال وهم يسيرون بحذاء ساحل البحر الأبيض المتوسط ليمرّوا على المدن الإسلامية العظيمة الواحدة تلو الأخرى، فمرّوا على عسقلان ثم على يافا )المدينة الإسلامية الجميلة) - نسأل الله أن يحررها وأن يحرر كل فلسطين من دنس اليهود - ومن المعروف يا أخواني أن مدينة تل أبيب قد أنشئت في شمال يافا مباشرة، ثم أكمل قطز والجيش المسلم طريقه في اتجاه الشمال، فمرّ في غرب طولكرم، ثم وصل إلى مدينة حيفا، ثم اتجه شمالاً بعدها إلى عكا المدينة المسلمة المحتلة من قبل الصليبيين.
وعسكر قطز رحمه الله في الحدائق المحيطة بحصن عكا في السهل الواقع في شرق عكا، ثم بدأت المراسلات بين قطز رحمه الله وأمراء عكا الصليبيين للتأكيد على الاتفاقيات السابقة، وأرسل قطز رحمه الله وفداً من الأمراء المسلمين، فدخلوا حصن عكا، وأحسن الأمراء الصليبيون استقبال المسلمين، وأكّد الطرفان على ما سبق الاتفاق عليه، وتكررت الزيارات أكثر من مرة، واطمأن الطرفان على استقرار الوضع، ومن ثم عزم قطز على الرحيل من عكا واختيار مكان مناسب للّقاء الهام المرتقب بينه وبين التتار..
وعندما بدأ قطز رحمه الله في مغادرة منطقة عكا أشار عليه أحد الأمراء الذين قاموا بالسفارة بينه وبين الأمراء الصليبيين أن عكا الآن في أشد حالات ضعفها، وأنهم مطمئنون إلى المعاهدة الإسلامية، وغير جاهزين للقتال، فإذا انقلب عليهم قطز فجأة فقد يتمكن من إسقاط حصن عكا، وتحرر المدينة الإسلامية بعد مائة وست وستين سنة من الاحتلال، فرد عليه قطز رحمه الله رداً قاطعاً صارماً واضحاً.. قال: " نحن لا نخون العهود!"..
يا الله!! الرؤية واضحة جداً جداً في عين قطز رحمه الله..
هذه قيادة تأخذ بأسباب النصر الحقيقية.. ومن أسباب النصر الحقيقية اتباع شروط الله عز وجل في كل صغيرة وكبيرة، وحفظ العقود وعدم نقض المواثيق من صميم شرع الله عز وجل..
يقول الله تعالى: "يأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود "..
وأنا أريد أن أنقل للصليبيين ولليهود وللتتار وللعالم أجمع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه الترمذي وأبو داود، وقال الترمذي حسن صحيح عن عمرو بن عبسة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"من كان بينه وبين قوم عهد، فلا يَحُلنَّ عهداً، ولا يشدنه )أي لا يغيرن العهد بأي طريقة) حتى يمضي أمده، أو ينبذ إليهم على سواء"..
فإما أن تنقضي مدة العهد، وإما أن تخبر أعداءك بأنك لسبب أو لآخر ستقطع العهد .. أما الغدر فلا مكان له في العقود الإسلامية..
هذا هو دين الإسلام.. وهذا هو شرع الإسلام.. وهذه هي قوانين الإسلام.. وهؤلاء هم قادة الإسلام..
وهكذا ترك قطز رحمه الله عكا، واتجه إلى الجنوب الشرقي منها ليبحث عن مكان يصلح للمعركة القادمة..
في هذه الأثناء كان كتبغا قد وصلته فلول جيش التتار الفارة من غزّة ينقلون إليه تحركات الجيش المسلم، فغضب كتبغا غضباً شديداً لهزيمة حاميته العسكرية في غزة، وغضب أكثر لأن هناك من المسلمين من يتجمع لقتاله، وكأنّ الأصل أن المسلمين ليس لهم حق المقاومة، فإن قاوموا عدوهم كان هذا داعياً لغضب كتبغا والتتار!!.. وعقد كتبغا اجتماعاً استشارياً مع قادته، وحضر هذا الاجتماع الأشرف الأيوبي أمير حمص، واتخذ كتبغا قراره في هذا الاجتماع أن يتوجه بسرعة لحرب هؤلاء المتطرفين المسلمين الذين سيقوضون عملية السلام الدائرة بين كتبغا وبين الزعماء المسلمين.. ويهددون المباحثات التترية ـ الإسلامية بالفشل..
وكان واضحًا أن حركة التتار في اتجاه المسلمين كانت بطيئة جداً، لأن قطز قطع معظم الساحل الفلسطيني من أقصى جنوبه إلى أقصى شماله دون أن يدخل التتار حدود فلسطين أصلاً، مع أن المسافة بين سهل البقاع اللبناني حيث يعسكر جيش التتار والحدود اللبنانية الفلسطينية لا تزيد عن مائة كيلومتر، وهي مسافة تقطعها الجيوش عادة في يومين أو ثلاثة..
المهم أن قطز هو الذي بدأ التحرك للبحث عن المكان المناسب للمعركة، وبذلك يسجل نقطة هامة لصالحه، ويستطيع أن يرتب جيوشه في وضع أفضل، ويختبر المنطقة، ويعلم طبيعتها وخباياها..
وتحرك كتبغا في اتجاه الجنوب بين جبال لبنان حتى دخل فلسطين من شمالها الشرقي غرب مرتفعات الجولان، ثم عبر نهر الأردن، ووصل إلى الجليل الشرقي، واكتشفت الاستطلاعات الإسلامية المنتشرة في المنطقة تحركات كتبغا، ونقلت الأخبار بسرعة إلى قطز الذي كان قد غادر عكا في اتجاه الجنوب الشرقي، فأسرع قطز باجتياز مدينة الناصرة، وتعمق أكثر في الجنوب الشرقي حتى وصل إلى منطقة تعرف بسهل عين جالوت، وهي تقع في الوسط تقريباً بين مدينتي بيسان في الشمال ونابلس في الجنوب، وهي بالقرب جداً من معسكر جنين الآن وهي المنطقة التي ستدور فيها معركة من أهم المعارك في تاريخ الأرض، وسبحان الله فإن الأيام قد دارت وحدثت موقعة أخرى شريفة على أرض جنين بين المجاهدين الفلسطينيين وبين اليهود، وذلك في عام2002 ميلادية، وزاد شهداء المسلمين فيها على خمسمائة بعد أن صبروا في قتالهم صبراً عجيباً..
ويقع سهل عين جالوت على مسافة65 كيلومتر جنوب منطقة حطين التي دارت فيها الموقعة الخالدة حطين في سنة583 هجرية قبل خمسة وسبعين سنة من وقعة عين جالوت، ويقع كذلك على مسافة حوالي ستين كيلومتر إلى الغرب من منطقة اليرموك حيث دارت المعركة الخالدة بقيادة خالد بن الوليد وأبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنهما ضد الروم منذ أكثر من ستة قرون..
وهكذا ساهمت هذه الذكريات في رفع الروح المعنوية للجيش الإسلامي إلى أقصى درجة..
وجد قطز رحمه الله سهل عين جالوت منطقة مناسبة جداً للمعركة المرتقبة؛ فهو عبارة عن سهل واسع منبسط تحيط به التلال المتوسطة من كل جوانبه إلا الجانب الشمالي فهو مفتوح.. كما تعلو هذه التلال الأشجار والأحراش، مما يوفر مخبأً مناسباً جداً للجيش الإسلامي؛ فيسهل عمل الكمائن الكثيرة على جوانب السهل المنبسط..
ورتّب قطز جيشه بسرعة.. فوضع على ناحية السهل الشمالية مقدمة جيشه بقيادة ركن الدين بيبرس, وجعلها في مكان ظاهر حتى يغري جيش التتار بالقدوم إليها، بينما أخفي قطز رحمه الله بقية الجيش خلف التلال والأحراش..
كان هذا الترتيب والإعداد في 24 رمضان من سنة 658 هجرية في العشر الأواخر من شهر رمضان الكريم.. وهو الشهر الذي حدثت فيه الانتصارات الإسلامية الخالدة قبل ذلك.. مثل بدر وفتح مكة وفتح الأندلس... وانتظر المسلمون على تعبئة.. وعيونهم الاستخبارية تنقل أخبار كتبغا وجيش التتار، وقد اقتربوا جداً من سهل عين جالوت..
وما بقيت إلا ساعات قليلة ويحدث الصدام المروع بين قوة أمة الإسلام وقوة التتار..
ونسأل الله عز وجل النصر الدائم للإسلام والمسلمين...

أمــة الله 04.12.2010 15:35

العفو الحقيقي

أما الخطوة الثانية لقطز رحمه الله في إعداده للتتار فكانت خطوة في منتهى الروعة والحكمة، وأبرزت الأخلاق الرفيعة جداً لقطز رحمه الله..
لقد أصدر قراراً بالعفو العام "الحقيقي" عن كل المماليك البحرية!!.. وأقصد بكونه "حقيقياً" أنه لم يكن خدعة سياسية لأجل معين، ولم يكن هذا العفو "شهر عسل" مؤقت إلى أن تهدأ الأمور.. إنما كان أمراً يهدف فعلاً إلى المصالحة الحقيقية، ويرمي بصدق إلى إصلاح الأوضاع، ولَمّ الشمل، ودرء المفاسد..
لقد كان قراراً في منتهى الروعة!!.. على عكس ما يفعل بعض الزعماء السياسيين الذين لم يتفقهوا بعد في السياسة, ولا يدركون موازين القوى في بلادهم؛ فيتعاملون تعاملاً غبيًا مع الأحداث.. فهو إما أن يقصي القوى الفاعلة في المجتمع تمامًا عن كل شيء؛ لأنها على خلاف معه! وأحيانًا يقيد حريتهم.. وأحيانًا يخرجهم من البلاد تمامًا... إما أن يفعل ذلك وإما أن يتجاهلهم تمامًا وكأنهم لا وجود لهم.. يضع رأسه في الرمال.. لا يعترف بوجودهم.. يُنكر طاقاتهم.. يهمل كيانهم...

كل هذا ولا شك لا يصب أبدًا في مصلحة البلد أو مصلحة الشعب..
أما قطز رحمه اله فكان رجلاً متجردًا لله.. محبًا لوطنه وأمته.. يفعل ما فيه المصلحة ولو كان خطرًا على كرسيه وسلطته..
لقد مر بنا كيف أنه قد حدثت فتنة بين المماليك البحرية وبين المماليك المعزية، وكانت بدايات الفتنة من ست سنوات (سنة 652 هـ) عندما قُتل فارس الدين أقطاي زعيم المماليك البحرية، ثم بدأت الفتنة تتفاقم تدريجياً إلى أن وصلت إلى الذروة بعد مقتل الملك المعز عزّ الدين أيبك ثم شجرة الدرّ، ووصل الأمر إلى أن معظم المماليك البحرية ـ وعلى رأسهم القائد ركن الدين بيبرس ـ فروا من مصر إلى مختلف إمارات الشام، ومنهم من شجع أمراء الشام على غزو مصر، ووصل الأمر إلى حد خطير.. فلما اعتلى قطز رحمه الله عرش مصر أصدر قراره الحكيم جداً بالعفو عن المماليك البحرية، وبدعوتهم إلى العودة إلى مصر بلدهم..
لقد أبرز هذا القرار الرائع أخلاق قطز الرفيعة، ونسيانه لكل الضغائن السابقة، وذلك مع كون القوة في يديه، وهذا من أرفع الأخلاق: "العفو عند المقدرة"، كما أبرز هذا القرار النظرة السياسية العميقة لقطز رحمه الله، فقوات المصريين من المماليك المعزية وغيرهم قد لا تكفي لحرب التتار، ولا شك أن المماليك البحرية قوة عظيمة جداً وقوية جداً، ولها خبرات واسعة في الحروب، وقد اشترك الكثير منهم في حروب الصليبيين السابقة، ومن أشهرها موقعة "المنصورة" العظيمة، والتي كانت منذ عشر سنوات (سنة 648 هجرية(.. فإضافة قوة المماليك البحرية إلى قوة المماليك المعزية ستنشئ جيشاً قوياً أقدر على مهاجمة التتار، وهذا مما لا يشك فيه أحد، إذ إنه معلوم أن الوحدة طريق النصر، كما أن التنازع والتصارع والفرقة طريق الفشل والهزيمة..


وقطز رحمه الله يعلم أن أوضاع المماليك البحرية في بلاد الشام غير مستقرة، وما ذهبوا إلى هناك إلا مضطرين، وأملاكهم وحياتهم وقوتهم في مصر، وهو بهذا الإعلان النبيل الذي قام به سيستقدم عدداً لا بأس به منهم، وقد تحقق له فعلاً ما أراد، ومنذ أن أعلن هذا القرار والمماليك البحرية تتوافد على مصر من بلاد سلاجقة الروم (تركيا الآن(، ومن الكرك بالأردن، ومن دمشق، ومن غيرها، وهكذا صار المماليك قوة واحدة من جديد، واستقبلهم قطز استقبالاً لائقاً، ولم يتكبر عليهم تكبر المتمكن، بل عاملهم كواحد منهم..

وإذا كان فعل قطز النبيل مع كل المماليك البحرية في كفة، ففعله النبيل مع قائد المماليك البحرية ركن الدين بيبرس في كفة أخرى.. فبيبرس هو أخطرهم مطلقاً، ولو كان في نفس قطز غدر أو خيانة أو مصالح سياسية مجردة من الأخلاق ما استقدم بيبرس إلى مصر أبداً..

وكان بيبرس قد فرَّ من مصر إلى الناصر يوسف صاحب دمشق ـ ذلك الرجل الخائن الذي كان موالياً للتتار في فترات كثيرة، ومدعياً الجهاد ضدهم في فترات أخرى ـ وقد أنكر عليه بيبرس خضوعه أمام التتار وعزمه على عدم القتال، ولكن الناصر يوسف لم يسمع له، وعندما قدم التتار في اتجاه دمشق فرّ الناصر يوسف ومن معه إلى الجنوب، واضطر بيبرس ـ وقد وجد نفسه بمفرده ـ أن يهرب هو الآخر إلى الجنوب في اتجاه فلسطين، حيث واصل الناصر يوسف فراره إلى الكرك ثم إلى الصحراء.. ووجد بيبرس نفسه وحيداً في غزة ولم يدر ماذا يفعل!..

في هذا الموقف العصيب، وقد ضاقت عليه الأرض بما رحبت، وهو الذي كان قائداً للمماليك البحرية بأكملهم، أي بمثابة وزير الحربية في زماننا، في هذا الموقف العصيب وهو مشتت بين قوات التتار القادمة من الشمال، والملك الناصر الذي فر إلى الصحراء، ومصر التي هرب منها.. في هذا الموقف الصعب يأتيه خطاب قطز رحمه الله يعرض عليه القدوم إلى مصر معززاً مكرماً مرفوع الرأس محفوظ المكانة!!.. أية أخلاق عالية من قطز!.. وأي فقه سياسي بارع!..

لقد كان قطز رحمه الله يدرك أموراً كثيرة هامة..
يدرك أولاً الكفاءة القتالية العالية جداً، والمهارة القيادية رفيعة المستوى لركن الدين بيبرس، والحمية الإسلامية لهذا القائد الفذ..
ويدرك ثانياً الذكاء الحاد الذي يتميز به بيبرس، والذي سيحاول قطز أن يوظفه لصالح معركة التتار بدلاً من أن يُوظف في معارك داخلية ضد المماليك المعزية..

ويدرك ثالثاً ولاء المماليك البحرية لركن الدين بيبرس، وأنه إن ظل هارباً فلا يأمن أحد أن ينقلب عليه المماليك البحرية في أي وقت، لذلك فمن الأحكم سياسياً أن يستقطب بيبرس لصفه، ويعظم قدره، ويستغل قدارته وإمكانياته، وبذلك يضمن استقرار النفوس، وتجميع الطاقات لحرب التتار بدلاً من الدخول في معارك جانبية لا معنى لها..

لذلك لما قدم بيبرس إلى مصر بعد استقدام قطز له، عظّم قطز من شأنه جداً، وأنزله دار الوزارة، وعرف له قدره وقيمته، بل وأقطعه "قليوب" وما حولها من القرى، وعامله كأمير من الأمراء المقدمين، بل وسيجعله كما سنرى على مقدمة جيوشه، وهكذا نتعلم من قطز رحمه الله العفو عند المقدرة، وإنزال الناس منازلهم، والفقه السياسي الحكيم، والحرص على الوحدة، ونتعلم منه شيئاً في غاية الأهمية في الأصول الإسلامية: وهو أنه ليس معنى أن يكون الإنسان سياسياً حكيماً بارعاً أن يتنازل عن أخلاقه؛ فليست السياسة في الإسلام نفاقاً، وليست السياسة في الإسلام ظلماً، وليست السياسة في الإسلام كبراً، وليست السياسة في الإسلام فقداناً للضمير أو خلفاً للعهد أو نقضاً للمواثيق.. بل السياسة في الإسلام جزء لا يتجزأ من الدين.. فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن يفصل بينها وبين الدين، ولا أن تستخدم فيها معايير تختلف مع أصول الإسلام.. كما علمنا قطز رحمه الله أن القائد الذي يثق في نفسه لا يمانع من ظهور طاقات بارزة إلى جواره، وذلك على عكس ما يفعل كثير من الزعماء الضعفاء فلا يسمحون أبداً لأي كفاءة أن تبدع إلى جوارهم، وذلك لكي لا يصبح لهذه الكفاءات رصيد من الحب والاحترام عند الشعب فتقوى مكانتهم، ويرتفع قدرهم، ومن ثم قد ينازعون الزعيم سلطانه، وما كل هذه المخاوف في قلوب هؤلاء الزعماء إلا لإحساسهم بضعفهم وصغارهم وافتقادهم للرصيد الحقيقي من الحب عند شعوبهم، ولكن قطز رحمه الله لم يكن من هذه الزعامات الفارغة، إنما كان زعيماً قوياً ذكياً مخلصاً واعياً محباً لدينه ووطنه وأمته.. كان يدرك من نفسه هذه الأمور، وكذلك كان الشعب يدرك عنه هذه الأمور، ومن ثم لم يكن هناك داع للتردد أو الخوف..


وهكذا انضمت قوة المماليك البحرية ـ وعلى رأسها القائد ركن الدين بيبرس ـ إلى قوة الجيش المصري المسلم، ولا شك أن هذا رفع من معنويات المصريين جداً..
لقد كانت خطوة العفو عن المماليك البحرية من أعظم الخطوات في حياة قطز رحمه الله وحقاً كانت كل خطواته عظيمة..
إذن كانت الخطوة الأولى لقطز رحمه الله هي الاهتمام بالاستقرار الداخلي للبلاد، وكانت خطوته الثانية هي استقدام الفارّين من المماليك البحرية، والاستفادة من طاقاتهم وإمكانياتهم، وتقوية الجيش بهم..
الوحدة مع الشام

أمــة الله 04.12.2010 15:36

الوحدة مع الشام

أما الخطوة الثالثة له فكانت أيضاً خطوة رائعة!.. بل في غاية الروعة!!..
فبعد الاستقرار "الداخلي" في مصر حرص قطز على الاستقرار "الخارجي" مع جيران مصر من المسلمين..
فالعلاقات ـ كما فصلنا قبل ذلك ـ كانت متوترة جداً جداً مع إمارات الشام الأيوبية، وقد فكروا أكثر من مرة في غزو مصر، ونقضوا الحلف الذي كان بين مصر والشام أيام الصالح أيوب، واستقطبوا المماليك البحرية عندهم عندما فروا من مصر، وهم يتربصون بمصر الدوائر في كل يوم، بل إن الناصر يوسف الأيوبي أمير دمشق وحلب كان قد طلب من التتار بعد سقوط بغداد أن يعاونوه في غزو مصر!!..

مع كل هذه الخلفيات المعقدة للعلاقة بين مصر والإمارات الأيوبية إلا أن قطز سعى لإذابة الخلافات التي بينه وبين أمراء الشام، وكان يسعى إلى الوحدة مع الشام، أو على الأقل تحييد أمراء الشام، فيخلوا بينه وبين التتار دون أن يطعنوه في ظهره كما اعتادوا أن يفعلوا..
ووجد قطز رحمه الله أن رأس هؤلاء والمقَدَّم عليهم هو الناصر يوسف الأيوبي صاحب إمارتي حلب ودمشق، وهو أكبرهم، ويحكم أعظم مدينتين في الشام، وكان قطز يعلم تمام العلم كراهية الناصر يوسف له، ويعلم بأنه طلب من التتار أن يساعدوه في حربه.. ومع كل هذا فقد أرسل له قطز رحمه الله رسالة تفيض رقة وعذوبة، وكأنه يخاطب أقرب المقربين إليه... (وأورد هذه الرسالة المقريزي في السلوك (...

وكانت هذه الرسالة قبل قدوم التتار إلى حلب، واحتمال التعاون بين التتار والناصر يوسف قائم، فأراد قطز أن يوحد بينه وبين الناصر يوسف ـ على ما به من عيوب وخطايا ـ بدلاً من أن يضطر قطز إلى مواجهة جيش الشام من المسلمين، ولكن قطز كان يعلم أن أعظم أهداف الناصر هو البقاء على كرسي الحكم، ولن يضحي به مهما كانت الظروف، لذلك فإن قطز أرسل له رسالة عجيبة فعلاً!..
لقد أرسل له يعرض عليه الوحدة ، على أن يكون الناصر يوسف الأيوبي هو ملك مصر والشام!!!.. لقد عرض عليه أن يكون هو - أي قطز - تابعاً للناصر يوسف، مع أن موقف قطز العسكري الآن أفضل بكثير من موقف الناصر يوسف، ومع أن مصر كدولة أقوى بكثير من مدينتي حلب ودمشق!!..

لقد قال له قطز رحمه الله في رسالته أنه لا ينازع الملك الناصر في الملك ولا يقاومه، وأنه ـ أي قطز ـ نائب عن الناصر في ديار مصر، وأن الناصر متى جاء إلى مصر أجلسه فوراً على كرسي الحكم فيها!!!..
هذه أمور لا يتخيلها إنسان بموازين السياسة المادية، ولا يمكن أن تُفهم إلا إذا أدخلت في حساباتك البعد الإيماني الأخلاقي ـ لا السياسي فقط ـ عند قطز..
ثم إن قطز رحمه الله علم أن الناصر يوسف قد يتشكك في أمر الوحدة الكاملة، أو في أمر القدوم إلى مصر، فعرض عليه أن يقوم (أي: قطز) بإمداده بالمساعدة لحرب التتار، فتتحقق المصلحة المشتركة في هزيمة التتار، وإن لم تتحقق الوحدة الكاملة بين مصر والشام..

قال قطز في أدب جمّ، وخلق رفيع: "وإن اخترتَني خَدَمْتُكَ، وإن اخترتَ قَدِمْتُ وَمَنْ معي من العَسْكر نجدةً لك على القادم عليك، فإن كنت لا تَأْمَن حُضوري سَيَّرْتُ لك العساكر صُحْبَةَ من تختاره..!!
فهو يعطي الناصر يوسف صلاحيات اختيار قائد الجيش المصري الذي يذهب لنجدته في الشام!!..
لكن الناصر يوسف لم يستجب لهذه النداءات النبيلة من قطز، وآثر التفرق على الوحدة، فماذا كانت النتيجة؟!

لقد مرت الأيام، وسقطت حلب، وهُدّدت دمشق، وفرّ الناصر فراره المخزي إلى فلسطين، وعند فلسطين حدث الذي كان لابد أن يحدث منذ زمن.. لقد خرج جيش الناصر عن طوعه، وآثر الانضمام إلى جيش مصر حيث القائد المحنك المسلم المخلص "قطز"، وحيث القضية الواضحة والهدف الثابت، وحيث الجهاد في سبيل الله, لا في سبيل الكرسيّ..
وعلى قدر نجاح القائد الفذ قطز فإن الناصر يوسف قد فشل في كل امتحاناته.. لقد فشل أمام التتار، وفشل أمام قطز، وفشل أمام جيشه، وفشل أمام شعبه، والآن اتجه جيشه إلى مصر، بينما فرّ هو وحيداً إلى حصن الكرك بالأردن، ثم لم يطمئن هناك فترك الحصن، واتجه إلى الصحراء عند بعض الأعراب..!

مصير الناصر يوسف
عندما وصل الناصر يوسف إلى المكان الذي اختفى فيه في الصحراء في منطقة تسمى "الجفر" في جنوب الأردن إذا بالمجموعة التترية التي أرسلها هولاكو للقبض عليه تلقاه في ذلك المكان، فأمسكوا به ذليلاً هو وابنه (العزيز!!)، واقتادوهما إلى هولاكو، ولكن هولاكو كان قد غادر حلب إلى تبريز في فارس كما وضحنا سابقاً، فتوجهوا به إلى هولاكو في تبريز، وهناك بعد أن استقبل هولاكو الناصر فكر في أن يبقيه على قيد الحياة ليستعمله في قيادة الشام بعد ذلك لطول خبرته، ولخسة نفسه، فلم يقتله بل رده مع جنده إلى الشام، وفي الطريق التقى الناصر يوسف ببعض التتار الفارين من الشام بعد هزيمة عين جالوت كما سيأتي فرأوا الناصر فقتلوه!..

لقد كانت هذه نهايات ذليلة جداً لأمراء كان من الممكن أن يرتفعوا فوق الأعناق، ويُخَلدوا في التاريخ، لو رفعوا راية الجهاد بصدق، ولكنهم آثروا الذل على العزة، وفضلوا الحياة التعيسة الضنك على الموت الشريف في سبيل الله..
وهكذا ازداد قطز رحمه الله قوة بانضمام جيش الناصر الشامي له، وبقتل الناصر الذي كان يمثل حجر عثرة في طريق المسلمين..

ولم يكتف قطز رحمه الله بهذه الجهود الدبلوماسية مع الناصر بل راسل بقية أمراء الشام، فاستجاب له الأمير "المنصور" صاحب حماة، وجاء من حماة ومعه بعض جيشه للالتحاق بجيش قطز في مصر..
أما المغيث عمر صاحب الكرك بالأردن فقد آثر أن يقف على الحياد، فقد كان من الذين عاونوا الناصر في حركة الجهاد المزعومة التي قام بها الناصر، ولما فر الناصر عاد المغيث عمر إلى حصن الكرك، وهو ليس من أهل الجهاد، ويكنّ كراهية كبيرة للمماليك، ولا ننسى أنه حاول مرتين قبل ذلك أن يحتل مصر، وصده قطز في المرتين، فآثر المغيث عمر أن يظل مراقباً للأحداث للالتحاق بعد ذلك بالمعسكر الفائز سواء كانوا من المسلمين أو من التتار.. ولا يجب أن يغيب عنا في ذلك الموقف عظمة قطز الذي تناسى محاولات المغيث عمر لاحتلال مصر، ولم يجعل هذه الخلفية الكئيبة سبباً للفرقة بين المسلمين..

وأما الأشرف الأيوبي صاحب حمص فقد رفض الاستجابة تماماً لقطز، وفضل التعاون المباشر مع التتار، وبالفعل أعطاه هولاكو إمارة الشام كلها ليحكمها باسم التتار!..
وأما الأخير وهو الملك السعيد (هذا لقبه!) "حسن بن عبد العزيز" صاحب بانياس فقد رفض التعاون مع قطز هو الآخر رفضاً قاطعاً، بل انضم بجيشه إلى قوات التتار يساعدهم في فتح بلاد المسلمين!!..
وهكذا خرج قطز من علاقاته الدبلوماسية الخارجية بأمور مهمة.. فقد تحالف مع أمير حماة "المنصور".. وانضم إليه أيضاً جيش الناصر، وحيّد إلى حد كبير المغيث عمر صاحب الكرك.. وهذه النتائج تعتبر نتائج هامة جداً ومؤثرة للغاية، وحتى الانضمام السافر للأمير الأشرف الأيوبي والملك السعيد بن عبد العزيز إلى التتار كان مهماً، حيث إنه كشف أوراقهما بجلاء، وبُنيت خطة قطز على أساس وضوح الرؤية تماماً..
ونعود لنرتب الأوراق مع قطز رحمه الله:

ـ أولاً: الوضع الداخلي مستقر، والحكومة الجديدة تدين بالولاء التام لقطز..
ـ ثانيا: المهمة الأولى للدولة في تلك الآونة واضحة ومعلنة، وهي إعداد جيش قوي لمقابلة التتار في معركة فاصلة )وضوح الهدف(..
ـ ثالثاً: العفو عن المماليك البحرية أشاع جواً من الهدوء النفسي والراحة القلبية عند عموم شعب مصر وليس عند المماليك البحرية فقط، فمن المؤكد أن جو المشاحنات يترك آثاره السلبية ليس على القادة والجيش فقط وإنما على الشعب كله، ولا شك أيضاً أن الجيش المصري قد ازداد قوة باتحاد طرفيه الكبار المماليك البحرية والمماليك المعزية..
ـ رابعاً: انضم إلى جيش مصر الكثير من الجنود الشاميين.. وهؤلاء هم معظم جيش الناصر يوسف صاحب دمشق وحلب، وجيش حماة وعلى رأسه المنصور أمير حماة..
كان هذا هو الوضع السياسي والعسكري لمصر في أوائل سنة 658 هجرية، وقد سقطت في ذات الوقت حلب ودمشق وكل فلسطين حتى غزة تحت حكم التتار، والمعروف أن غزة قريبة جداً من الحدود المصرية (أقل من خمسة وثلاثين كيلومترًا .. )

أنا ألقى التتار بنفسي..!
لقد سلك قطز طريقين من أعظم طرق التربية، ومن أبلغ وسائل التحميس والتحفيز على عمل قد يستصعبه كثير من الناس..
أما الطريق الأول فهو طريق "التربية بالقدوة"..
لقد قال لهم قطز في شجاعة وعزم: " أنا ألقي التتار بنفسي"..
قطز الذي يجلس على عرش الدولة العظيمة مصر سيخرج بنفسه للقاء التتار!..
قطز الذي لم "يستمتع" أو "يستفد" بعد من كرسيه ومنصبه سيخرج للجهاد!..
قطز الشاب الذي ما زالت أمامه الحياة طويلة ـ كما يقولون ـ سيخرج للموت في سبيل الله!!..
لن يرسل جيشاً لمقابلة التتار ويبقى هو في قصره الآمن في القاهرة، بل سيتحمل مع شعبه ما يتحمل، وسيعاني مع جيشه ما يعاني.. ولو أرسل قطز جيشاً وبقي هو في القاهرة ما لامه أحد، فهو قائد المسلمين، والآمال معقودة عليه، ولو مات فقد ينفرط عقد الأمة، ولكن قطز لم يجد وسيلة أفضل من هذه الوسيلة لتحميس القلوب الخائفة، ولتثبيت الأفئدة المضطربة.. كما أنه يشتاق إلى الجهاد، ويشتاق إلى الشهادة، ويشتاق إلى الجنة..
وفي كل الأحوال هو لن يموت قبل الموعد الذي حدده الله له..
لقد فقه قطز عملياً ما أدركه كل المسلمين نظرياً.. وهو أنه "لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها".. لكن مَن مِن المسلمين يعيش واقع حياته فعلاً بهذا المفهوم الذي عرفه نظرياً؟!

إن الناس تتصارع دائماً لأجل زيادة الرزق، وتتصارع دائماً لأجل زيادة العمر، لكن الذي لا يعرفه كثير من الناس أن الشجاعة لا تقلل أبداً من الأرزاق، ولا تقصر مطلقاً من الأعمار، وأن الجبن لا يكثر من المال المقسوم للإنسان، ولا يخلده في الحياة.
كما فقه قطز رحمه الله الحقيقة الرائعة وهي أن الحياة بعزة ولو ساعة، خير من البقاء أبد الدهر في ذل وهوان..
ماذا كان ردّ فعل الأمراء؟!
لا شك أن الأمراء والوزراء لما شاهدوا قطز رحمه الله بهذه الحمية تحمست قلوبهم..

هذه هي القدوة أيها المؤمنون..
"فعل رجل في ألف رجل خير من قول ألف رجل في رجل"..
إن القائد مهما قام بجولات بين جنوده وقواده وشعبه يحمسهم ويشجعهم، لكنهم يعلمون أنه عند الضوائق والشدائد لن يجدوه معهم، بل سيؤمن نفسه وأحبابه فقط، ويترك جنوده وشعبه لمصيرهم، فإن هذه الجولات وهذه الخطب لا تؤثر شيئاً في الناس..
وقدوتنا العظمى في القادة الذين يعيشون هموم شعبهم، ويشاركونهم في كل صغيرة وكبيرة هو رسول الله صلى الله عليه وسلم..
روى البخارى عن أنس رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس، وأجود الناس، وأشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة، فانطلق الناس قبل الصوت، فاستقبلهم النبي صلى الله عليه وسلم، وقد سبق الناس إلى الصوت وهو يقول: "لن تراعوا، لن تراعوا"، وهو على فرس لأبي طلحة، عُري ما عليه سرج، في عنقه السيف، فقال: لقد وجدته بحراً"..

لقد سمع الرسول صلى الله عليه وسلم صوتاً مفزعاً في الليل وهو في المدينة، فما أمر أحداً بالخروج للبحث عن مصدر الصوت، مع أنه قائد المدينة المنورة ورسول المسلمين، وكان خروجه سريعاً حتى إنه استعار فرساً من أبي طلحة ولم ينتظر وضع السرج عليه، ولكنه فقط أخذ سيفه، وركب الفرس، وانطلق يبحث عن مصدر الصوت.. ولما اطمأن أنه لا شيء يهدد المدينة عاد إليها وقد خرج الناس فزعين فإذا هو يطمئنهم: "لن تراعوا"، أي لن تفزعوا، ثم قال كلمة يثني فيها على الفرس الذي كان مشهوراً بالبطء، فقال: "لقد وجدته بحراً" أي سريعاً في الجري.. يقول ثابت أحد رواة الحديث كما جاء في سنن ابن ماجة: "كان فرساً لأبي طلحة رضي الله عنه يُبطأ (يُتَّهم بالبطء) فما سُبق بعد ذلك اليوم"..

والشاهد من الموقف أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يعيش هموم شعبه، ويفتديهم بروحه، ويضحي بنفسه من أجلهم، ولا يفعل مثلما يفعل كثير من الزعماء الذي يضحون بشعوبهم بكاملها من أجل أنفسهم..
يروي الإمام أحمد رحمه الله عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال:
"كنا إذا احمرَّ البأس (اشتدَّت الحرب)، ولقي القومُ القومَ، اتقينا (احتمينا) برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فما يكون منا أحد أدنى من القوم منه"..
هذه هي "التربية بالقدوة"..
وهكذا فعل قطز رحمه الله مع الأمراء والقواد حين قال لهم: " أنا ألقي التتار بنفسي"..
كان هذا هو الطريق الأول الذي سلكه قطز رحمه الله في تحميس القوم.
يتبع

جادي 04.12.2010 17:22

اقتباس:

قال الشيخ العزّ بن عبد السلام رحمه الله: .
"إذا طرق العدو البلاد وجب على العالم كلهم قتالهم )أي العالم الإسلامي(، وجاز أن يؤخذ من الرعية ما يستعان به على جهازهم )أي فوق الزكاة( بشرط أن لا يبقى في بيت المال شيء )هذا هو الشرط الأول) أما الشرط الثاني فكان أصعب!.. قال الشيخ العزّ بن عبد السلام رحمه الله: "وأن تبيعوا مالكم من الممتلكات والآلات (أي يبيع الحكام والأمراء والوزراء ما يمتلكون(، ويقتصر كل منكم على فرسه وسلاحه، وتتساووا في ذلك أنتم والعامة، وأما أخذ أموال العامة مع بقاء ما في أيدي قادة الجند من الأموال والآلات الفاخرة فلا!!"..
فتوى في منتهى الجرأة!!..

ماعظمهم من علماء مجاهدين رحم الله ابن عبد السلام وجزاه الله خيرا
هكذا يكون العماء ...

جزاكم الله خيرا اختنا الفاضلة نورا
ماشاء الله جعله الله في موازين حسناتكم

أمــة الله 07.12.2010 19:58

اقتباس:

ماعظمهم من علماء مجاهدين رحم الله ابن عبد السلام وجزاه الله خيرا
هكذا يكون العماء ...
نسأل الله أن يبعث فينا رجلاً أمثال هؤلاء العظماء
اقتباس:

جزاكم الله خيرا اختنا الفاضلة نورا
ماشاء الله جعله الله في موازين حسناتكم
وجزاك الله كل خير أخي الفاضل جادي

وبارك الله فيك مشكور على المرور الكريم والمشجع
حياك الله

أمــة الله 07.12.2010 20:00

الشعب.. قبل المعركة

إذا كان هذا هو الوضع بالنسبة للسلطة الحاكمة وبالنسبة للجيش.. فماذا كان الوضع بالنسبة للشعب في ذلك التوقيت؟.
كيف كانت حالتهم النفسية ومعنوياتهم وتربوياتهم وأهدافهم؟
هل كان الشعب مؤهلاً لمثل هذا الصدام المروع الذي سيحدث بعد أيام أو شهور مع أكبر وأقوى قوة على وجه الأرض على الإطلاق؟؟ هل يستطيع شعب مصر أن يقف في مواجهة تلك القوة العاتية التي أسقطت نصف العالم تحت سيطرتها؟!
الواقع أن الشعب في تلك الآونة كان يعاني من أزمة اقتصادية طاحنة، والأزمات الاقتصادية عادة ما تؤثر كثيراً على حياة الشعوب، فيفقدون الطموح في أي شيء، ولا يرغبون إلا في الحصول على لقمة العيش، إلا إذا جاء القائد الذي يعظم عندهم الموت في سبيل الله، ويرفع عندهم قيمة الدين، فعندها تهون المشاكل المادية والأزمات الاقتصادية إلى جانب الهدف الأعلى: "الجهاد في سبيل الله".. وعندها يصبح الموت في سبيل الله أمنية.

لكن الوضع الذي استلم فيه قطز حكم مصر كان وضعاً صعباً للغاية؛ فالفتن الدائرة على كرسي الحكم منذ عشر سنوات جعلت الحكام لا يلتفتون كثيراً إلى شعوبهم، إنما كان همّهم تثبيت دعائم ملكهم فقط، وكانت أحلام شعوبهم تأتي في مراتب متأخرة جداً في أولوياتهم.. ولذلك لم يكن المصريون في ذلك الوقت بالشعب الأمثل الذي يشتاق إلى مثل ذلك اليوم الذي يقابل فيه التتار، ولا يحلم بذلك اليوم الذي ينتصر فيه عليهم، بل على العكس، كان الشعب ـ كغيره من شعوب المسلمين ـ يخاف من التتار، ويصيبه الذعر الشديد، والهلع الكبير، عند سماع أخبار الجيوش التترية، وكلما اقترب التتار بصورة أكبر من مصر اضطربت الأفئدة, وتزعزعت النفوس..

ولذلك كانت مهمة رفع الهمة عند هذا الشعب، ورفع روحه المعنوية، وتحميسُه على المقاومة.. كانت هذه المهمة من أصعب المهام التي واجهت قطز رحمه الله.. فالجيش غير المؤيد بشعبه جيش لا يقوى أبداً على الصمود..
لابد من السند الشعبي للقائد والجيش، وإلا فالنصر مستحيل..


كان لزاماً على قطز رحمه الله أن يوجه اهتماماً خاصاً لتربية شعبه على معاني الجهاد والتضحية والبذل والعطاء، والفداء للدين والحمية للإسلام..
وإن كانت هذه المهمة شاقة، فقد حفظ الله عز وجل لشعب مصر في ذلك الوقت قيمتين عظيمتين سَهّلتا نسبياً من مهمة قطز رحمه الله..
أما القيمة الأولى التي حُفظت في مصر في ذلك الوقت فهي قيمة العلوم الشرعية وعلماء الدين؛ فطوال أيام الأيوبيين في مصر، ومنذ أن رسّخ صلاح الدين الأيوبي رحمه الله المذهب السني في مصر بعد قضائه على الدولة الفاطمية الفاسدة..

وقيمة العلماء مرتفعة في أعين الناس والحكام على السواء.. حتى إنه لما صعدت شجرة الدرّ إلى كرسي الحكم، وقام العلماء بإنكار ذلك وكتابة الرسائل المعادية للملكة، وتحفيز الناس على رفض هذا الأمر، ما استطاعت شجرة الدرّ ولا أحد من أعوانها أن يوقفوا هذه الحركة الجريئة من العلماء، وما قُيدت حرية عالم أبداً، ولا غُيّب في ظلمات السجون، ولا مُنع من إعطاء الدروس والخطب!!.. ثم كان من جراء أسلوب الأيوبيين في تربية المماليك على الدين أساساً، ثم على الفروسية والقتال، أن احتاج الحكام إلى العلماء باستمرار.. كما أثرت هذه التربية الدينية في المماليك أنفسهم، فأصبحوا يعظمون العلم والعلماء، وإذا قام الرجل ليقول: قال الله عز وجل، وقال رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم استمع له الناس والحكام على السواء وأنصتوا..

وشتان بين شعب ابتعد عن الدين ولكنه ما زال يقدره ويقدر العلماء، وشعب آخر تربى على اعتبار الدين من التقاليد القديمة التي قد تُعظم تعظيماً رمزياً كأي أثر تاريخي!!..
لقد كان من المستحيل في مصر أيام الأيوبيين والمماليك أن يهزأ أحد بعالم دين، أو بشيخ في مسجد، أو بمأذون شرعي، أو بأي رجل حمل صبغة إسلامية.. كما كان من المستحيل على هذا الشعب أن يرفض أي مبدأ إسلامي أو قانون شرعي.. نعم قد يخالف الشعب أحياناً لضعف في الإرادة، أو لهوى في النفس، ولكنه يخالف وهو يعلم أنه يخالف، ولم يأت له أبداً من يقول له: إن المحرمات كالربا والخمور والرقص والملاهي والإباحية والولاء للنصارى... لم يأت له من يقول إن هذه المحرمات أصبحت حلالاً..

ولم يأت من يحرم عليه أمراً حلالاً كذلك، لا في شكل ولا في مضمون.. ولم توقف الحلقات في المساجد، ولم يمنع العلماء من صعود المنابر، ولم تُصادَر الكلمة، ولم تُقتَل النصيحة..
لقد كان الشعب معظماً للدين.. وكان الشعب محباً للإسلام..
ولهذه القيمة العالية للعلم والعلماء في مصر كانت مصر ملاذاً للعلماء الذين لا يجدون في بلادهم فرصة لتعليم الناس، أو يجدون مقاومة من حكامهم لسبب من الأسباب، ولهذا فزيادة على علماء مصر وعلماء الأزهر الشريف ـ والذي أصبح سنياً تماماً بعد ذهاب الدولة الفاطمية ـ جاء إلى مصر علماء أفاضل من بلاد إسلامية أخرى، ولا شك أن هؤلاء العلماء أضافوا إضافات جليلة لحركة العلم في مصر..

وعلى رأس هؤلاء العلماء الشيخ البار، والعالم الفذ، والإمام الجليل: "العز بن عبد السلام" رحمه الله، والملقب "بسلطان العلماء"..
وهنا لابد لنا من وقفة مع هذا العالم الجليل..

أمــة الله 07.12.2010 20:01

سلطان العلماء!

"العزّ بن عبد السلام" رحمه الله من أعظم علماء المسلمين على الإطلاق، وهو من مواليد دمشق سنة 577 هجرية، أي إنه عند ولاية قطز كان قد تجاوز الثمانين من عمره، والعزّ بن عبد السلام من العلماء الذين لا يخافون في الله لومة لائم، وكان كثيراً ما يواجه السلاطين بأخطائهم، وينصحهم في الله دون خوف ولا وجل، ولذلك لقبه تلميذه الأول وعالم الإسلام المشهور "ابن دقيق العيد" رحمه الله بلقب "سلطان العلماء"، فقد جمع العزّ بن عبد السلام رحمه الله بين العلم والعمل، وبين الاتباع الشديد للسنة والاجتهاد الصحيح عند الحاجة، وبين الفتوى في الأمور العبادية والعقائدية والفتوى في الأمور السياسية والاجتماعية.. فكان بحق سلطاناً للعلماء، وقدوة للدعاة، وأسوة للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر..

وقد عاش حياته رحمه الله في دمشق إلى أن تولّى "الصالح إسماعيل الأيوبي" أمر دمشق وهو أخو الصالح أيوب الذي كان حاكماً لمصر، والذي تحدثنا كثيراً عنه وعن صلاحه وتقواه، لكن الصالح إسماعيل حاكم دمشق كان على شاكلة أخرى، فقد كان خائناً لدينه وشعبه، فتحالف مع الصليبيين لحرب أخيه نجم الدين أيوب في مصر، وكان من شروط تحالفه مع الصليبيين أن يعطي لهم مدينتي صيدا والشقيف، وأن يسمح لهم بشراء السلاح من دمشق، وأن يخرج معهم في جيش واحد لغزو مصر، وبالطبع ثار العالم الجليل العز بن عبد السلام، ووقف يخطب على المنابر ينكر ذلك بشدة على الصالح إسماعيل، ويعلن في صراحة ووضوح أن الصالح إسماعيل لا يملك المدن الإسلامية ملكاً شخصياً حتى يتنازل عنها للصليبيين، كما أنه لا يجوز بيع السلاح للصليبيين، وخاصة أن المسلمين على يقين أن الصليبيين لا يشترون السلاح إلا لضرب إخوانهم المسلمين.. وهكذا قال سلطان العلماء كلمة الحق عند السلطان الجائر الصالح إسماعيل..

فما كان من الصالح إسماعيل إلا أن عزله عن منصبه في القضاء، ومنعه من الخطابة، ثم أمر باعتقاله وحبسه، وبقي العالم الجليل مدة في السجن، ثم أُخرج من سجنه ولكنه مُنع من الكلام والتدريس والخطابة، فرحل الإمام الجليل من دمشق إلى بيت المقدس ليجد فرصة ليعلم الناس هناك بدلاً من السكوت في دمشق، وأقام بها مدة، ولكنه فوجئ بالصالح إسماعيل يأتي إلى بيت المقدس ومعه ملوك الصليبيين وجيوشهم وهم يقصدون مصر لاحتلالها، وأرسل الصالح إسماعيل أحد أتباعه إلى الشيخ العز بن عبد السلام رحمه الله، وكان متلطفاً له غاية التلطف، بل ووعده بالعودة إلى كل مناصبه بشرط أن يترضى الصالح إسماعيل، ويعتذر له، وبشرط ألا يتكلم في أمور السياسة، وإلا اعتقله..

وذهب رسول الصالح إسماعيل إلى العز بن عبد السلام رحمه الله وقال له: "بينك وبين أن تعود إلى مناصبك وما كنت عليه، وزيادة، أن تنكسر للسلطان، وتُقبل يده لا غير!"..
فرد عليه العز بن عبد السلام رحمه الله في كبرياء وعزة فقال:
"والله يا مسكين، ما أرضاه أن يُقبل يدي، فضلاً أن أقبل يده، يا قوم: أنتم في واد، وأنا في واد، والحمد لله الذي عافاني مما ابتلاكم به"..
الله أكبر!!.. هؤلاء هم العلماء بحق!

وكان رد الصالح إسماعيل متوقعاً، فقد أمر باعتقال الشيخ الكبير في بيت المقدس، ووضعه في خيمة مجاورة لخيمته، وكان الشيخ عزّ الدين رحمه الله يقرأ القرآن في خيمته، والسلطان الصالح إسماعيل يسمعه، وفي ذات يوم كان الصالح إسماعيل يتحدث مع ملوك الصليبيين في خيمته والشيخ يقرأ القرآن، فقال الصالح إسماعيل لملوك الصليبيين وهو يحاول استرضاءهم: "تسمعون هذا الشيخ الذي يقرأ القرآن؟ قالوا: نعم، قال: هذا أكبر علماء المسلمين، وقد حبسته لإنكاره عليّ تسليمي حصون المسلمين، وعزلته عن الخطابة بدمشق، وعن مناصبه، ثم أخرجته فجاء إلى القدس، وقد جددت حبسه واعتقاله لأجلكم"..

يقول الصالح إسماعيل هذا الكلام ليسترضي ملوك النصارى، فقال له ملوك النصارى وقد سقط تماماً من أعينهم: "لو كان هذا قسيسنا لغسلنا رجليه، وشربنا مرقتها!"..
وحُبس الشيخ العز بن عبد السلام في بيت المقدس إلى أن جاء الملك الصالح نجم الدين أيوب، وخلص بيت المقدس من الصليبيين سنة 643 هجرية، وهنا أخرج الشيخ العز بن عبد السلام من السجن وجاء إلى مصر، حيث استُقبل أحسن استقبال، وقرب جداً من السلطان الصالح أيوب رحمه الله، وأعطاه الخطابة في مسجد عمرو بن العاص، وولاه القضاء..

ومن مواقفه الشهيرة والتي اصطدم فيها مع الصالح أيوب نفسه، أنه لما عاش في مصر اكتشف أن الولايات العامة والإمارة والمناصب الكبرى كلها للمماليك الذين اشتراهم نجم الدين أيوب قبل ذلك، ولذلك فهم في حكم الرقيق والعبيد، ولا يجوز لهم الولاية على الأحرار، فأصدر مباشرة فتواه بعدم جواز ولايتهم لأنهم من العبيد، واشتعلت مصر بغضب الأمراء الذين يتحكمون في كل المناصب الرفيعة، حتى كان نائب السلطان مباشرة من المماليك، وجاءوا إلى الشيخ العز بن عبد السلام، وحاولوا إقناعه بالتخلي عن هذه الفتوى، ثم حاولوا تهديده، ولكنه رفض كل هذا مع إنه قد جاء مصر بعد اضطهاد شديد في دمشق، ولكنه لا يجد في حياته بديلاً عن كلمة الحق، فرفع الأمر إلى الصالح أيوب، فاستغرب من كلام الشيخ، ورفضه، وقال إن هذا الأمر ليس من الشئون المسموح بالكلام فيها، فهنا وجد الشيخ العز بن عبد السلام أن كلامه لا يسمع، فخلع نفسه من منصبه في القضاء، فهو لا يرضى أن يكون صورة مُفتٍ، وهو يعلم أن الله عز وجل سائله عن سكوته كما سيسأله عن كلامه، ومن هنا قرر العالم الورع أن يعزل نفسه من المنصب الرفيع، ومضحياً بالوضع الإجتماعي وبالمال وبالأمان بل وبكل الدنيا..
وركب الشيخ العز بن عبد السلام حماره، وأخذ أهله على حمار آخر، وببساطة قرر الخروج من القاهرة بالكلية، والاتجاه إلى إحدى القرى لينعزل فيها إذا كان لا يُسمع لفتواه، ولكن شعب مصر المقدّر لقيمة العلماء رفض ذلك الأمر، فماذا حدث؟

لقد خرج خلف الشيخ العالم الآلاف من علماء مصر ومن صالحيها وتجارها ورجالها، بل خرج النساء والصبيان خلف الشيخ تأييداً له، وإنكاراً على مخالفيه..
ووصلت الأخبار إلى الملك الصالح نجم الدين أيوب فأسرع بنفسه خلف الشيخ العز بن عبد السلام واسترضاه، فما قبل إلا أن تنفذ فتواه، وقال له إن أردت أن يتولى هؤلاء الأمراء مناصبهم فلابد أن يباعوا أولاً، ثم يعتقهم الذي يشتريهم، ولما كان ثمن هؤلاء الأمراء قد دفع قبل ذلك من بيت مال المسلمين فلابد أن يرد الثمن إلى بيت مال المسلمين، ووافق الملك الصالح أيوب، وتولى الشيخ العزّ بن عبد السلام بنفسه عملية بيع الأمراء حتى لا يحدث نوع من التلاعب، وبدأ يعرض الأمراء واحداً بعد الآخر في مزاد، ويغالي في ثمنهم، ودخل الشعب في المزاد، حتى إذا ارتفع السعر جداً، دفعه الملك الصالح نجم الدين أيوب من ماله الخاص واشترى الأمير، ثم يعتقه بعد ذلك، ووضع المال في بيت مال المسلمين، وهكذا بيع كل الأمراء الذين يتولون أمور الوزارة والإمارة والجيش وغيرها، ومن يومها والشيخ العز بن عبد السلام يعرف "ببائع الأمراء!"..

يتبدى لنا من هذه القصة، وفي سيرة الشيخ العز بن عبد السلام رحمه الله بصفة عامة، قيمة العلم والعلماء في مصر في ذلك الوقت، واحترام الناس لكلمة الشرع، وكل هذا كان له أثر بالغ في تكوين الشعب المصري، وفي استجابته لنصائح العلماء..
إذن من حديثنا السابق عن العلماء وعن الشيخ العز بن عبد السلام كمثال لهم، يتبين أن قيمة العلم والعلماء كانت عالية جداً، ومحفوظة تماماً في الشعب المصري أيام الأيوبيين والمماليك، وهذا ولا شك سيكون عوناً هاماً لقطز رحمه الله في بث معاني الجهاد والتضحية في الشعب بعد ذلك..


جميع الأوقات حسب التوقيت الدولي +2. الساعة الآن 07:16.

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.