الاشبيلي
24.06.2010, 10:53
بداية اكتشاف عظام الإنسان الأول المزوّرة: "إنسان بيلتدَاون"
وصل في عام 1909م أول جزء من جمجمة " إنسان بيلتدَاون" " "Piltdown Man إلى المتحف البريطاني للتاريخ الطبيعي في الشمال، من قرية (بيلتداون) (لوحة1)، الواقعة في منتصف الطريق تقريباً بين (لندن) والشاطئ الجنوبي من بريطانيا، بمقاطعة سوسِكس (KSussex) (خارطة1)، بينما بداية الحفر في المكان تعاد إلى عام 1908م، وبذلك يكون قد مر مئة عام على ظهور هذه الكذبة الشهيرة في الوسط العلمي، والخاصة باكتشاف الإنسان المبكِّر، أو (الإنسان الفجري) (Eoanthropus) في بريطانيا، والذي سُمّي هذا " الإنسان" كذلك بأسماء أخرى كثيرة، ومنها: (الإنسان الانجليزي المبكر، أو الأول) (The Earliest English Man) ، و (الإنسان الفجري الدوسوني) ( (Eoanthropus dawsoni ، نسبة إلى مكتشفه (تشارلز دوسون (Charles Dawson ، والحلقة المفقودة (MISSING LINK) بين الإنسان، وعالم الحيوان ... الخ.
وقد تحدثت عن هذا "الاكتشاف" الكثير من الصحف، ووكالات الأنباء، آنذاك، وكُتِبت عنه العديد من المقالات، والكُتُب أيضاً، ووضعت له أفلام توثيقية، وانتشر الحديث عنه بشكل واسع داخل بريطانيا، وخارجها، ودُرِّس في الجامعات، وصار مؤخراً يُدوَّن عنه الكثير من الكتابات في الشبكة العنكبوتية، وبهذه المناسبة لابد من تذكير المهتمين بتاريخ البشرية، وبالأخص غير المتخصصين بعلم الآثار، والعامة من الناس، في المقام الأول، بذلك التزوير الشهير، الذي استمر قلعة علمية محصنة زهاء أربعين عاماً، منذ أن أِّقِرَّ ذلك التزوير في عام 1913م، بأنه حقيقة مسلَّمة، من قبل نخبة من العلماء، إلى أن تم اكتشاف هذا التزييف في عام 1953م، بعد أن ظهرت أولى طُرق التأريخ للمواد العظمية، والتي صارت تُستخدم في علم الآثار.
استحقاق التذكير بحادثة "إنسان بيلتداون" من طبيعة التخصص، ولكن العبرة أقوى
يُعد التذكير بهذه الحدث، استحقاقا علينا، بمناسبة مرور مئة عام على وقوعه، ليس لكونه تزويراً من العيار الثقيل، وحسب، وتمَّ إقراره من قبل نخبة علمية بريطانية، أيضاً، وإنما فيما كان سيترتب عليه من نتائج أخرى خطيرة، ونظريات جديدة، وحتى أن العنصريِّين أخذوا يروّجون لقدرات، وتفوق الجنس الأوربي، أو (الأبيض)، على الأجناس الأخرى، بما في ذلك تبرير الاستعمار ... الخ، ومنها قولهم بأن: تطور الإنسان الأوروبي كان قد سبق بمراحل قديمة الإنسان الإفريقي، والأسيوي، ومن هنا يأتي تفوق الجنس الأبيض على الأجناس الأخرى، وصار يُحسب لهذا "الاكتشاف" ألف حساب، بما في ذلك في علم الآثار، والأنثروبولوجيا (علم الإنسان)، وبالأخص أنه أحدث تغييراً في النتائج العلمية ذات الصلة التي تم التوصل إليها في القرون السابقة.
(داوسون) وحده في قفص الاتهام
على الرغم من مرور مئة عام أو يزيد قليلاً، على حدوث هذا التزوير، إلاَّ أن الحادثة برمتها سُجلت على ذمة الشخص المتوفى الأول، من (رجال بيلتدَاون)، وهو (تشارلز داوسون)، باعتباره المكتشف الأول "للإنسان الانجليزي المبكر"، وعادة فأن حوادث كثيرة في التاريخ، تقيَّد ضد مجهولين، أو متوفيين في أحسن الأحوال. فقد افترض، من خلال اكتشاف الجوانب المهمة في ذلك التزوير، أن الفاعل، أو (المزوِّر)، هو هاوي الآثار (تشارلز داوسون Charles Dawson-) (لوحة2)، والذي توفي منتصراً في عام 1916م، هذا في الظاهر، أمّا الباطن، أو "الضمير" فلا يعلمه إلاّ الله، وقد سبق موته اكتشاف هذا التزوير بزهاء (37) عاماً، وبالتالي لم يتسن لذلك المتوفي في نشوة نصره، الدفاع عن نفسه فيما نُسب إليه، في هذه المرة، أو بالأحرى لم يروي بنفسه للآخرين تفاصيل ذلك التزوير، وإسراره، ودوافعه، والمشتركين معه في إخراجه، إن كان له شركاء، فبموته اختفت جوانب من أسرار ذلك التزوير.
دلائل الاتهام
كتب (تشارلز داوسون) في شهر مارس من عام 1909م إلى صديقه (سميث أود وارد Smith Woodward )، الذي كان يعمل في المتحف البريطاني للتاريخ الطبيعي، رسالة ذكر فيها بأنه ينتظر اكتشاف كبير لم يُعرف له التاريخ من قبل مثيلاً، وهو النبأ الذي أعقب مرحلة الانتهاء، على الأرجح، من فبركة ذلك التزوير بصورته النهائية، تمهيداً لنقله إلى الوسط العلمي، لإقراره. إحضار (تشارلز داوسون) في العام نفسه إلى المتحف المذكور جزء من جمجمة ذلك الإنسان، وأفاد بأن ذلك الجزء عثر عليه أحد العمال في قرية (بيلتدَاون Piltdown) (لوحة 1)، وبذلك وجَّه أنظار الباحثين إلى تلك الكذبة، التي فُبركت بإحكام، وكان صاحبها يعتقد، آنذاك، أنه إذا مُرِّر هذا التزوير في الوسط العلمي، فإنه لن يكشف بعد ذلك أبداً، مع أنه كان من المعروف تماماً، أن ما بني على باطل، يصبح باطلاً، سواء طال أجله، أو قصر.
بينما استخراج العظم المذكور من التربة التي وضِع فيها، حدث في عام 1908م، ومن قبل (تشارلز داوسون) نفسه، أيضاً، هذا حسب الافتراض، وليس من قبل ذلك العامل المجهول الذي أشار إليه (داوسون)، وهو العام نفسه الذي من المحتمل أن يكون (تشارلز داوسون) قد وضع فيه تلك العظام في ذلك المكان، في الوقت الذي كانت فيه خيوط هذه القصة قد أحيكت قبل هذا التاريخ، ولكن لم يُعرف بالتحديد متى كان ذلك، وكذا لم تُعرف مراحل التزوير، وتفاصيل أخرى كثيرة، ومنها القصة الحقيقية للأدوات الحجرية، التي وجِدت بجانب تلك البقايا العظمية، وكان لها دور كبير في الحكم على ذلك "الاكتشاف" فيما وصل إليه، وكذا طريقة الحصول على أجزاء هذه الجمجمة، أيضاً، سواء العلوية منها الخاصة بالإنسان، أو الفك الأسفل في تلك الجمجمة مع الأسنان، اللذان اتضح، فيما بعد، بأنهما مزوَّرة، ولأحد القردة.
ومن الأدلة الأخرى على أن (تشرلز داوسون) هو صاحب ذلك التزوير، حديثه مع (آرث سميث وود وارد) بالخطأ، من المحتمل، عن المادة التي قال بأنه استخدمها لتثبيت العظام من التفتُّت، فيما اتضحت بعد ذلك، بأنها صباغ طليت به باقي العظام الأخرى، أيضاً، لإعطائها سمة قديمة، كما يفعله اليوم المزوِّرون للآثار.
عالِم المتحجِّرات ينطلق إلى نفس المكان، ويتفرغ من عمله لاستقبال "الجنتلمان"
فبعد وصول ذلك الجزء، من الجمجمة إلى المتحف المذكور، أنطلق (آرثر سميث وود وارد)، الذي كان يعمل في المتحف نفسه، والمتخصص بعلم المستحثات، أو (المتحجرات) (Paleontology) إلى المكان نفسه، الذي وصِف من قبل (تشارلز داوسون) بأن أحد العمال عثر فيه على ذلك الجزء من العظام، إلى درجة أن (سميث وود وارد) ترك عمله الرسمي، مؤخراً، في المتحف البريطاني، حتى لا يُشغل بعمل آخر، وتفرغ بشكل تام لذلك "الاكتشاف" المثير للاهتمام، كي يعثر على البقايا العظمية الأخرى لتلك الجمجمة، فبنى له بيتا صغيراً في قرية (بيلتداون)، وتمكن من خلال عملية الحفر في المكان المذكور لمدة ثلاث سنوات، من العثور على ثمانية أجزء أخرى للجمجمة نفسها، أغلبها عُثر عليها في الأعوام: 1911م، و1912م، وآخرها كان في عام 1913م، ومنها أحد أنياب الفك الأسفل، الذي عثر عليه الأنثروبولوجي الشهير (شارديان Chardian ) في عام 1913م، وهي القشة التي قسمت ظهر البعير، كما يقال.
فقد بلغت الأجزاء العظمية التي جُمعت لذلك الإنسان من قرية (بيلتدَاون)- والذي سُمِّي كذلك بـ (إنسان بيلتدَاون) (Piltdown Man) نسبة إلى هذا المكان- زهاء تسعة أجزاء، سُلمت جميعها للمتحف البريطاني للتاريخ الطبيعي، بعد أن دُرست بدقة، كما قيل حينذاك، وهو المتحف المشهور، والذي احتفظ بعناية فائقة، أيضاً، بهذه العظام، باعتبارها براهين مادية عن وجود "الإنسان الإنجليزي المبكر"، ومن المحتمل أن المتحف المذكور ما زال يحتفظ بتلك العظام إلى اليوم، أيضاً، ولكن من اجل إثبات، هذه المرة، طُرق الفبركة، بعد أن تهاوى العرش الذي تربع عليه هذا " الإنسان" لأكثر من أربعين عاماً.
د. عبد الرزاق بن أحمد بن راشد المعمري- أستاذ مشارك في آثار ما قبل التاريخ بقسم الآثار- جامعة الملك سعود – الرياض.
المصدر : مجلة الآثار-20/32010الكاتب : د. عبد الرزاق بن أحمد بن راشد المعمري
وصل في عام 1909م أول جزء من جمجمة " إنسان بيلتدَاون" " "Piltdown Man إلى المتحف البريطاني للتاريخ الطبيعي في الشمال، من قرية (بيلتداون) (لوحة1)، الواقعة في منتصف الطريق تقريباً بين (لندن) والشاطئ الجنوبي من بريطانيا، بمقاطعة سوسِكس (KSussex) (خارطة1)، بينما بداية الحفر في المكان تعاد إلى عام 1908م، وبذلك يكون قد مر مئة عام على ظهور هذه الكذبة الشهيرة في الوسط العلمي، والخاصة باكتشاف الإنسان المبكِّر، أو (الإنسان الفجري) (Eoanthropus) في بريطانيا، والذي سُمّي هذا " الإنسان" كذلك بأسماء أخرى كثيرة، ومنها: (الإنسان الانجليزي المبكر، أو الأول) (The Earliest English Man) ، و (الإنسان الفجري الدوسوني) ( (Eoanthropus dawsoni ، نسبة إلى مكتشفه (تشارلز دوسون (Charles Dawson ، والحلقة المفقودة (MISSING LINK) بين الإنسان، وعالم الحيوان ... الخ.
وقد تحدثت عن هذا "الاكتشاف" الكثير من الصحف، ووكالات الأنباء، آنذاك، وكُتِبت عنه العديد من المقالات، والكُتُب أيضاً، ووضعت له أفلام توثيقية، وانتشر الحديث عنه بشكل واسع داخل بريطانيا، وخارجها، ودُرِّس في الجامعات، وصار مؤخراً يُدوَّن عنه الكثير من الكتابات في الشبكة العنكبوتية، وبهذه المناسبة لابد من تذكير المهتمين بتاريخ البشرية، وبالأخص غير المتخصصين بعلم الآثار، والعامة من الناس، في المقام الأول، بذلك التزوير الشهير، الذي استمر قلعة علمية محصنة زهاء أربعين عاماً، منذ أن أِّقِرَّ ذلك التزوير في عام 1913م، بأنه حقيقة مسلَّمة، من قبل نخبة من العلماء، إلى أن تم اكتشاف هذا التزييف في عام 1953م، بعد أن ظهرت أولى طُرق التأريخ للمواد العظمية، والتي صارت تُستخدم في علم الآثار.
استحقاق التذكير بحادثة "إنسان بيلتداون" من طبيعة التخصص، ولكن العبرة أقوى
يُعد التذكير بهذه الحدث، استحقاقا علينا، بمناسبة مرور مئة عام على وقوعه، ليس لكونه تزويراً من العيار الثقيل، وحسب، وتمَّ إقراره من قبل نخبة علمية بريطانية، أيضاً، وإنما فيما كان سيترتب عليه من نتائج أخرى خطيرة، ونظريات جديدة، وحتى أن العنصريِّين أخذوا يروّجون لقدرات، وتفوق الجنس الأوربي، أو (الأبيض)، على الأجناس الأخرى، بما في ذلك تبرير الاستعمار ... الخ، ومنها قولهم بأن: تطور الإنسان الأوروبي كان قد سبق بمراحل قديمة الإنسان الإفريقي، والأسيوي، ومن هنا يأتي تفوق الجنس الأبيض على الأجناس الأخرى، وصار يُحسب لهذا "الاكتشاف" ألف حساب، بما في ذلك في علم الآثار، والأنثروبولوجيا (علم الإنسان)، وبالأخص أنه أحدث تغييراً في النتائج العلمية ذات الصلة التي تم التوصل إليها في القرون السابقة.
(داوسون) وحده في قفص الاتهام
على الرغم من مرور مئة عام أو يزيد قليلاً، على حدوث هذا التزوير، إلاَّ أن الحادثة برمتها سُجلت على ذمة الشخص المتوفى الأول، من (رجال بيلتدَاون)، وهو (تشارلز داوسون)، باعتباره المكتشف الأول "للإنسان الانجليزي المبكر"، وعادة فأن حوادث كثيرة في التاريخ، تقيَّد ضد مجهولين، أو متوفيين في أحسن الأحوال. فقد افترض، من خلال اكتشاف الجوانب المهمة في ذلك التزوير، أن الفاعل، أو (المزوِّر)، هو هاوي الآثار (تشارلز داوسون Charles Dawson-) (لوحة2)، والذي توفي منتصراً في عام 1916م، هذا في الظاهر، أمّا الباطن، أو "الضمير" فلا يعلمه إلاّ الله، وقد سبق موته اكتشاف هذا التزوير بزهاء (37) عاماً، وبالتالي لم يتسن لذلك المتوفي في نشوة نصره، الدفاع عن نفسه فيما نُسب إليه، في هذه المرة، أو بالأحرى لم يروي بنفسه للآخرين تفاصيل ذلك التزوير، وإسراره، ودوافعه، والمشتركين معه في إخراجه، إن كان له شركاء، فبموته اختفت جوانب من أسرار ذلك التزوير.
دلائل الاتهام
كتب (تشارلز داوسون) في شهر مارس من عام 1909م إلى صديقه (سميث أود وارد Smith Woodward )، الذي كان يعمل في المتحف البريطاني للتاريخ الطبيعي، رسالة ذكر فيها بأنه ينتظر اكتشاف كبير لم يُعرف له التاريخ من قبل مثيلاً، وهو النبأ الذي أعقب مرحلة الانتهاء، على الأرجح، من فبركة ذلك التزوير بصورته النهائية، تمهيداً لنقله إلى الوسط العلمي، لإقراره. إحضار (تشارلز داوسون) في العام نفسه إلى المتحف المذكور جزء من جمجمة ذلك الإنسان، وأفاد بأن ذلك الجزء عثر عليه أحد العمال في قرية (بيلتدَاون Piltdown) (لوحة 1)، وبذلك وجَّه أنظار الباحثين إلى تلك الكذبة، التي فُبركت بإحكام، وكان صاحبها يعتقد، آنذاك، أنه إذا مُرِّر هذا التزوير في الوسط العلمي، فإنه لن يكشف بعد ذلك أبداً، مع أنه كان من المعروف تماماً، أن ما بني على باطل، يصبح باطلاً، سواء طال أجله، أو قصر.
بينما استخراج العظم المذكور من التربة التي وضِع فيها، حدث في عام 1908م، ومن قبل (تشارلز داوسون) نفسه، أيضاً، هذا حسب الافتراض، وليس من قبل ذلك العامل المجهول الذي أشار إليه (داوسون)، وهو العام نفسه الذي من المحتمل أن يكون (تشارلز داوسون) قد وضع فيه تلك العظام في ذلك المكان، في الوقت الذي كانت فيه خيوط هذه القصة قد أحيكت قبل هذا التاريخ، ولكن لم يُعرف بالتحديد متى كان ذلك، وكذا لم تُعرف مراحل التزوير، وتفاصيل أخرى كثيرة، ومنها القصة الحقيقية للأدوات الحجرية، التي وجِدت بجانب تلك البقايا العظمية، وكان لها دور كبير في الحكم على ذلك "الاكتشاف" فيما وصل إليه، وكذا طريقة الحصول على أجزاء هذه الجمجمة، أيضاً، سواء العلوية منها الخاصة بالإنسان، أو الفك الأسفل في تلك الجمجمة مع الأسنان، اللذان اتضح، فيما بعد، بأنهما مزوَّرة، ولأحد القردة.
ومن الأدلة الأخرى على أن (تشرلز داوسون) هو صاحب ذلك التزوير، حديثه مع (آرث سميث وود وارد) بالخطأ، من المحتمل، عن المادة التي قال بأنه استخدمها لتثبيت العظام من التفتُّت، فيما اتضحت بعد ذلك، بأنها صباغ طليت به باقي العظام الأخرى، أيضاً، لإعطائها سمة قديمة، كما يفعله اليوم المزوِّرون للآثار.
عالِم المتحجِّرات ينطلق إلى نفس المكان، ويتفرغ من عمله لاستقبال "الجنتلمان"
فبعد وصول ذلك الجزء، من الجمجمة إلى المتحف المذكور، أنطلق (آرثر سميث وود وارد)، الذي كان يعمل في المتحف نفسه، والمتخصص بعلم المستحثات، أو (المتحجرات) (Paleontology) إلى المكان نفسه، الذي وصِف من قبل (تشارلز داوسون) بأن أحد العمال عثر فيه على ذلك الجزء من العظام، إلى درجة أن (سميث وود وارد) ترك عمله الرسمي، مؤخراً، في المتحف البريطاني، حتى لا يُشغل بعمل آخر، وتفرغ بشكل تام لذلك "الاكتشاف" المثير للاهتمام، كي يعثر على البقايا العظمية الأخرى لتلك الجمجمة، فبنى له بيتا صغيراً في قرية (بيلتداون)، وتمكن من خلال عملية الحفر في المكان المذكور لمدة ثلاث سنوات، من العثور على ثمانية أجزء أخرى للجمجمة نفسها، أغلبها عُثر عليها في الأعوام: 1911م، و1912م، وآخرها كان في عام 1913م، ومنها أحد أنياب الفك الأسفل، الذي عثر عليه الأنثروبولوجي الشهير (شارديان Chardian ) في عام 1913م، وهي القشة التي قسمت ظهر البعير، كما يقال.
فقد بلغت الأجزاء العظمية التي جُمعت لذلك الإنسان من قرية (بيلتدَاون)- والذي سُمِّي كذلك بـ (إنسان بيلتدَاون) (Piltdown Man) نسبة إلى هذا المكان- زهاء تسعة أجزاء، سُلمت جميعها للمتحف البريطاني للتاريخ الطبيعي، بعد أن دُرست بدقة، كما قيل حينذاك، وهو المتحف المشهور، والذي احتفظ بعناية فائقة، أيضاً، بهذه العظام، باعتبارها براهين مادية عن وجود "الإنسان الإنجليزي المبكر"، ومن المحتمل أن المتحف المذكور ما زال يحتفظ بتلك العظام إلى اليوم، أيضاً، ولكن من اجل إثبات، هذه المرة، طُرق الفبركة، بعد أن تهاوى العرش الذي تربع عليه هذا " الإنسان" لأكثر من أربعين عاماً.
د. عبد الرزاق بن أحمد بن راشد المعمري- أستاذ مشارك في آثار ما قبل التاريخ بقسم الآثار- جامعة الملك سعود – الرياض.
المصدر : مجلة الآثار-20/32010الكاتب : د. عبد الرزاق بن أحمد بن راشد المعمري